شبكة قدس الإخبارية

هدنة وصفقة تبادل أم وقف تام لإطلاق النار‎؟

ecac7ef0-8dec-11ee-83b1-c3f378707831
هاني المصري

 

منذ استئناف العدوان وحرب الإبادة بعد الهدنة التي استمرت أسبوعًا كاملًا، هناك سباق ما بين التوصل إلى هدنة أو هدن جديدة والتوصل إلى وقف تام لإطلاق النار.

تناولت وكالات الأنباء أخبار مبادرتين، الأولى مبادرة مصرية، وتشتمل على ثلاث مراحل، كما نقلت قناة الشرق السعودية، تتضمن المرحلة الأولى بدء هدنة إنسانية لمدة أسبوعين قابلة للتمديد لأسبوعين أو ثلاثة، تطلق خلالها "حماس" سراح 40 من الأسرى الإسرائيليين من فئتي النساء والأطفال (أقل من 18 عامًا)، والذكور من كبار السن، خصوصًا المرضى. وفي المقابل، تطلق إسرائيل سراح 120 أسيرًا فلسطينيًا من نفس الفئتين، ويتم خلالها وقف الأعمال القتالية وتراجع الدبابات، وتدفق المساعدات الغذائية والطبية، والوقود وغاز الطهي لقطاع غزة. وتتضمن كذلك إعادة انتشار لقوات الاحتلال بعيدًا عن التجمعات السكانية.

وتتضمن المرحلة الثانية إقامة حوار وطني فلسطيني، وتشكيل حكومة تكنوقراط.

أما المرحلة الثالثة، فتتضمن وقفًا كليًا وشاملًا لإطلاق النار، وصفقة شاملة لتبادل الأسرى تشمل كافة العسكريين الإسرائيليين لدى فصائل المقاومة، ويتم خلالها الاتفاق على عدد الأسرى الفلسطينيين الذين ستطلق سراحهم إسرائيل، بما يشمل ذوي المحكوميات العالية، والذين اعتقلتهم إسرائيل بعد السابع من أكتوبر، إضافة إلى انسحاب إسرائيلي من مدن قطاع غزة، وتمكين النازحين من العودة إلى مناطقهم في غزة وشمال القطاع.

أما المبادرة الأخرى فقدمها الاحتلال عن طريق قطر، وتتضمن هدنة لمدة أسبوعين، والإبقاء على حزام الشمال، وإدخال المساعدات وعودة السكان إلى الشمال، وإقامة خيم هناك، وتتضمن الإفراج عن قادة مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات وتبادل للأسرى المدنيين والأسيرات المجندات، والانسحاب من المدن، والإبقاء على وادي غزة.

وأصر الاحتلال على رفضه لوقف إطلاق النار، بينما رفضت المقاومة أي مقترح لهدنة لمدة أسبوع أو أسبوعين، وأبلغت الجانبين المصري والقطري بأنها لن تبحث ملف الأسرى قبل وقف العدوان الإسرائيلي، وأنها لن تناقش أي مقترحات من دون ذلك، مؤكدة ضرورة إطلاق سراح كل الأسرى الفلسطينيين على أساس "الكل مقابل الكل"، وانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من غزة.

جدل إسرائيلي: الأولوية لإطلاق سراح الأسرى أم لمواصلة الحرب؟

حتى نفهم إلى أين يمكن أن تصل الأمور بالنسبة إلى صفقة التبادل أو وقف إطلاق النار، نشير إلى أن حكومة الحرب الإسرائيلية تتعرض لضغط داخلي وخارجي متصاعد، من أهالي الأسرى الإسرائيليين ومن يدعمهم ومن جماعات أخرى لها رأي فيما يخص الأولويات.

فهناك في إسرائيل رأيان: الأول: يرى أن الأولوية هي لإطلاق سراح الأسرى، على أن يتم بعد ذلك استئناف الحرب، على أساس أن عدم إطلاق الأسرى الإسرائيليين سيؤدي إلى قتلهم برصاص وقذائف وصواريخ إسرائيلية كما حدث مرات عدة، أشهرها إعدام ثلاثة إسرائيليين من الأسرى تمكنوا من الهرب، على الرغم من رفعهم الرايات البيضاء وخلع قمصانهم والصراخ بالعبرية "أنقذونا أنقذونا"؛ ما أظهر مدى الإرباك والخوف لدى الجنود والضباط الإسرائيليين، وأنهم يطلقون النار من دون قيود على البشر والحجر وعلى كل شيء يتحرك، ومدى افتقار جيش الاحتلال إلى المعلومات الاستخبارية الدقيقة، على الرغم من وسائل التقصي المتقدمة تكنولوجيًا، ومساعدة الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا بالخبرات والمساعدات المادية المباشرة، من خلال استخدام الطائرات الأميركية والبريطانية المزودة بأحدث وسائل البحث والتقصي.

أما الرأي الآخر فيرى أن الأولوية لاستمرار الحرب وتحقيق هدف القضاء على المقاومة وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين بالقوة وتحت الضغط العسكري، والتوصل إلى وضع لا يشكل قطاع غزة تهديدًا لدولة الاحتلال في المستقبل، مع أن الذين أفرج عنهم، من خلال صفقات التبادل، وليس عبر عمليات قوات الاحتلال، التي لم تنجح في إطلاق ولا أي أسير.

في المقابل، تبنت المقاومة موقفًا لم تتزحزح عنه حتى كتابة هذه السطور، وربما على الأرجح لن تغيره، وهو يستند إلى ضرورة وقف تام لإطلاق النار أولًا، والبحث بعد ذلك في صفقة تبادل الأسرى، على أن يتم إطلاق سراح كل الأسرى الفلسطينيين مع ضمانات بعدم اعتقالهم مجددًا، بمن فيهم الذين اعتقلتهم بعد السابع من أكتوبر من الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي 48، مقابل كل الأسرى الإسرائيليين.

لماذا تصر المقاومة على وقف إطلاق النار؟

 

يمكن تفسير موقف المقاومة من الإصرار على وقف إطلاق النار، بما يأتي:

أولًا: إن هذا من شأنه أن يوقف حرب الإبادة التي يرتقي في كل يوم فيها مئات الشهداء وأضعافهم من الجرحى، في ظل مواصلة قوات الاحتلال للتدمير المنهجي الشامل لمناطق جديدة في قفطاع غزة بهدف إقامة مناطق عازلة وتهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين تحت عنوان "التهجير الطوعي"، بعد أن فشلت بتهجير كل أهالي قطاع غزة بسبب صمود الشعب الفلسطيني وبسالة مقاومته الباسلة أولًا، والرفض العربي، خصوصًا المصري والأردني، ثانيًا، والرفض الدولي ثالثًا؛ الأمر الذي أدى إلى تراجع الإدارة الأميركية عن دعم التهجير خشية من عواقب ذلك على إسرائيل ومكانة الولايات المتحدة في المنطقة والعالم.

ثانيًا: لا يمكن أن يكون سقف موقف المقاومة أقل من سقف العالم الذي يطالب كله تقريبًا بوقف إطلاق النار، كما ظهر في تصويت 13 دولة مع مشروع قرار معروض على مجلس الأمن، وامتناع بريطانيا عن التصويت، واستخدام الفيتو الأميركي لمنع صدوره، إضافة إلى تصويت 153 دولة في الجمعية العامة على قرار بهذا المضمون. ووقفت الولايات المتحدة معزولة وحدها في مجلس الأمن، ومعها عدد محدود من الدول لا يزيد على أصابع اليدين في الجمعية العامة، معظمها دول صغيرة لا وزن ولا تأثير لها.

في هذا السياق، من المتوقع أن تصر المقاومة على موقفها، ويسندها موقف شعبنا في القطاع الذي لا يفضل هدنة لأسبوعين أو أسابيع عدة تستأنف الحرب بعدها، بل يرى أن المطلوب وقف العدوان والحرب أولًا، وتمكين المساعدات الإنسانية من التدفق والشروع في عودة المهجرين والإعمار وإعادة الإعمار ثانيًا.

وتستند المقاومة في موقفها إلى الخسائر البشرية الفادحة التي اعترفت إسرائيل بها، وبلغت باعتراف الناطق باسم جيش الاحتلال، نحو 1200 قتيل في اليوم الأول لمعركة طوفان الأقصى، إضافة إلى 168 ضابطًا وجنديًا سقطوا منذ بدء الحرب البرية، فضلًا عن آلاف الجرحى، وسط تباين الأرقام ما بين الجيش والصحافة والمستشفيات الإسرائيلية.

أما في المقابل، فأظهرت إحصاءات كتائب القسام أعدادًا أكبر، وهذا أيضًا ما ظهر في خطابات الناطق باسم القسام أبو عبيدة، وكذلك في رسالة يحيى السنوار، قائد حركة حماس في غزة، إلى أعضاء المكتب السياسي؛ إذ جاء فيها أن كتائب القسام تخوض "معركة شرسة وعنيفة وغير مسبوقة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي"، وأن جيش الاحتلال تكبد خسائر باهظة في الأرواح والمعدات، مشيرًا إلى أن كتائب القسام استهدفت - خلال الحرب البرية - ما لا يقل عن 5 آلاف جندي وضابط، قُتل ثلثهم، وأصيب ثلثهم الآخر بإصابات خطيرة، والثلث الأخير بإعاقات دائمة، أما على صعيد الآليات العسكرية، فقد تم تدمير 750 منها، بين تدمير كلي وجزئي.

لقد فاجأت المقاومة الجميع بصورة فاقت مختلف التقديرات، بما فيها وأولها التقديرات الأميركية والإسرائيلية.

ثالثًا: الضغوط الداخلية الإسرائيلية الناجمة عن الخسائر الاقتصادية؛ حيث أشارت التقديرات إلى أن خسائر إسرائيل الاقتصادية تفوق 50 مليار دولار، وأن الاقتصاد الإسرائيلي سينهار إذا استمرت الأوضاع كما هي عليه الآن حتى شهر آذار المقبل، وهذا إن حدث سيرفع عدد المغادرين لإسرائيل، سواء للهجرة الدائمة أو المؤقتة بشكل كبير؛ حيث بلغ عدد المغادرين حتى الآن لأسباب مختلفة نحو نصف مليون.

رابعًا: تصاعد الخلافات الداخلية في دولة الاحتلال، التي وصلت إلى داخل مجلس الحرب؛ حيث هناك تباين على أهداف الحرب، وكيفية خوضها، وأولوية إطلاق سراح الأسرى، واليوم التالي للحرب، هذا في الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات لاستقالة نتنياهو أو الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة، تشير إلى أن حظوظ حزب الليكود وبقية الأحزاب المكونة للائتلاف الحاكم معدومة؛ حيث لن تحصل مجتمعة سوى على 40-44 مقعدًا (18 مقعدًا لليكود) بينما تمتلك الآن 64 مقعدًا (الليكود 32).

ووصلت المعارضة إلى أن زعيم المعارضة يائير لابيد عدّ أن إسرائيل تفتقد إلى هدف إستراتيجي، كما أن رؤساء حكومات وضباطًا عسكريين وأمنيين بارزين جدًا سابقين عارضوا الطريقة التي تخوض فيها إسرائيل الحرب، وطالب بعضهم بعقد صفقة تبادل أسرى على معادلة "الكل مقابل الكل"، وباستقالة نتنياهو وإجراء انتخابات ومتابعة محاكمته أثناء الحرب.

خامسًا: تزايد احتمال أن تتحول النصائح والخلافات الأميركية الإسرائيلية إلى ضغوط، خصوصًا أن استمرار الحرب باستخدام القوة العمياء التي تستهدف المدنيين، كما وصفها لويد أوستن، وزير الدفاع الأميركي، يمكن أن تحقق انتصارات تكتيكية، ولكنها ستؤدي إلى هزيمة إستراتيجية لإسرائيل، من دون تحقيق الأهداف المعلنة.

إن الخلاف الأميركي مع الحكومة الإسرائيلية خلاف من داخل البيت والمعسكر الواحد، ويهدف إلى حماية إسرائيل من نفسها، ولا تريد إدارة بايدن وقف الحرب، كما قال سيد البيت الأبيض لنتنياهو في اتصالهما الأخير بأنه لم يطالبه بوقف الحرب، وإنما يريد هدنًا تمكن من مواصلة الحرب حتى تحقق إنجازات، ولكن بشكل جديد، لكي تخفف الأعباء والأثمان الداخلية والخارجية، وحتى يتم وقف تنامي ظاهرة رفض الحرب أميركيًا ودوليًا، وعدم تحميل إسرائيل المسؤولية عنها، ووقف تأثر المكانة الإقليمية والدولية للولايات المتحدة، خصوصًا وسط المعارضة الكبيرة للحرب داخل الولايات المتحدة، التي أدت إلى تراجع فرص بايدن بالفوز في الانتخابات الرئاسية القادمة، فالحرب التي تطالب واشنطن باستئنافها تأخذ شكلًا جديدًا، وتقتضي الانتقال من حرب ذات الكثافة العالية المكلفة جدًا إلى حرب ذات الكثافة المنخفضة ذات التكاليف الممكن احتمالها؛ حيث تركز على أهداف محددة، مثل قتل قادة المقاومة السياسيين والعسكريين كما نصح جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي الأميركي إسرائيل خلال زيارته الأخيرة، وتبتعد عن احتلال دائم للقطاع، وعن المضي في تهجير سكانه، وتعد خطة قابلة للتنفيذ لليوم التالي للحرب.

سادسًا: إن استمرار تسخين الجبهة الشمالية والجبهة العراقية ومناصرة اليمن للمقاومة تجعل احتمال اندلاع حرب إقليمية قائمًا، مع أنه غير مرجح، لكن قد تنزلق الحرب إلى حرب أوسع نتيجة خطأ في التقديرات والحسابات، أو تحقيقًا لمصلحة شخصية لنتنياهو ووزير حربه ورئيس الأركان الذين يدفعون بالتصعيد لتجنب المساءلة القادمة، التي بدأت منذ الآن؛ حيث يحاول نتنياهو أن يحمل الجيش المسؤولية عن الإخفاق المتكرر من السابع من أكتوبر إلى الحرب البرية، لدرجة أن يائير نتنياهو سار على درب والده، وتحدث عن أن الجيش يقصد توريط أبيه بتقديم معلومات كاذبة وتقديرات خاطئة حول قدرة الجيش دفعت والده إلى وضع أهداف عالية غير ممكنة التحقيق.

صفقة التبادل معقدة وطويلة

إذا عدنا إلى صفقة التبادل، سنجد أنها ستكون معقدة وطويلة؛ لأن المقاومة تدرك أن الأسرى الذين في يدها ورقة قوية جدًا، وهي ليست من الغباء حتى تفرّط بها من دون توصل إلى اتفاق شامل؛ لأنها إذا فرطت بها أو جزأتها لن تحصل على ما تريده من الإفراج عن كل الأسرى ووقف العدوان وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في قطاع غزة ورفع الحصار وتدفق المساعدات الإنسانية وإعادة البناء والإعمار، فأي اتفاق تبادل من دون اتفاق شامل يشمل معظم هذه المسائل على الأقل سيعني استئناف الحرب بشكل أسوأ، سواء إذا تم التوصل إلى صفقة جزئية أو كاملة.

ستحاول إسرائيل في كل الأحوال أن تقلل الثمن، وأن تستبعد في البداية شمولها لأسماء كبيرة مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات ونائل وعبد الله البرغوثي وحسن سلامة وإبراهيم حامد وعباس السيد؛ لأنهم إطلاق سراحهم لا يشكل صورة نصر للمقاومة فقط، بل يعد نصرًا حقيقيًا، ويمكن أن يعيد ترتيب أوضاع الفصائل الفلسطينية، ويعزز المقاومة.

كما أن إطلاق سراح مروان البرغوثي تحديدًا، يوفر فرصة لإعادة ترتيب البيت الفتحاوي، ويفتح باب الوحدة الوطنية المغلق حتى الآن، وكذلك يشق الطريق لوحدة الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا يعيد طرح إقامة الدولة الفلسطينية بقوة، وهذا آخر ما يريده نتنياهو ومعظم النخبة الحاكمة في الحكومة والمعارضة. مع العلم أن المقاومة ما دامت تحتفظ بورقة الأسرى الإسرائيليين، وعلى رأسها يحيى السنوار، تصر على صفقة تشمل الجميع، يكون على رأسها مروان البرغوثي وكبار قادة المقاومة.

هناك احتمال بأن المرونة التي تقدمها الحكومة الإسرائيلية بالتلويح بالاستعداد لإطلاق سراح قادة كبار تنطوي على مناورة، ومحاولة لكسر موقف المقاومة المصرّ على وقف إطلاق النار أولًا، أو تراهن على رفض المقاومة للصفقة، وبالتالي لا تتحمل المسؤولية عن عدم إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين أمام ذويهم والرأي العام الإسرائيلي.

ويوجد احتمال آخر بأن حكومة الاحتلال تضمر بأنها ستقوم باعتقال المفرج عنهم بعد إتمام الصفقة كما فعلت مع معظم المفرج عنهم في صفقة شاليط، أو تصر على إبعاد القادة الكبار أو بعضهم، وخصوصًا أبو القسام (مروان البرغوثي) إلى الخارج حتى لا يشكلوا خطرًا أمنيًا أو سياسيًا أو كليهما على إسرائيل.

من المتوقع أن تصر المقاومة على أن يترافق الإفراج عن جميع الأسرى، إلغاء الأحكام التي صدرت بحقهم، وعلى تضمين الأسرى الذين جرى اعتقالهم بعد السابع من أكتوبر، فضلًا عن تحرير كل جثامين الشهداء في مقابر الأرقام والثلاجات.