ترجمة خاصة - شبكة قُدس: حين يتحوّل "الوطن القومي" من "وعدٍ تاريخي" إلى فكرة قابلة للمراجعة، ومن مسلّمة صهيونية إلى سؤال مفتوح على الشك، فإننا لا نكون أمام نقاش فكري عابر، بل أمام زلزال في وعي النخبة الإسرائيلية نفسها. فالدولة التي قُدّمت لليهود بوصفها نهاية التيه، وملاذًا نهائيًا من الاضطهاد، بدأت تُقرأ في دوائرها العميقة ككيان مؤقت، تحكمه معادلات القوة والظرف، لا القدر والخلود.
الأخطر أن هذا النقاش لا يصدر عن هامش معارض أو أصوات يسارية معزولة، بل يتسرّب من داخل العقل الاستراتيجي الصهيوني، حيث يُعاد طرح سؤال "الوطن البديل" بهدوء بارد، كخطة احتياط في حال فشل المشروع. هنا، لا يعود الحديث عن انهيار "إسرائيل" خطاب خصومها، بل احتمالًا يُدرس داخل غرف التفكير، ما يكشف تصدّع الفكرة المؤسسة، وتحول "الدولة" من غاية نهائية إلى تجربة قابلة للانكسار.
من داخل العقل الصهيوني: اعتراف بالهشاشة لا بالانتصار
لم يأتِ التشكيك في مستقبل "إسرائيل" هذه المرة من خصومها أو من أدبيات المقاومة، بل من أحد أبرز عقولها الاستراتيجية. الحاخام والبروفيسور "يحزقيل درور"، الذي يوصف داخل الأوساط الصهيونية بأنه من مهندسي التفكير الاستراتيجي للدولة العبرية، لخّص مشروع الصهيونية بعبارة صادمة: "نجاح بطولي، لكن مستقبل غير مضمون".
هذه الجملة، التي كررها في كتبه ومقالاته لسنوات، ليست توصيفًا عابرًا، بل تشخيصًا لأزمة وجودية متراكمة، تتجاوز الحكومات والأحزاب، وتمسّ جوهر الفكرة الصهيونية نفسها.
مفاجأة كاملة للمرة الثانية: "الدولة" التي لم تتعلم
في مقدمة كتابه الأخير "يوم الغد"، كتب "درور" بلهجة قاسية: هناك خلل جوهري في الحكومة الإسرائيلية… سمح بحدوث مفاجأة كاملة للمرة الثانية. الإشارة هنا ليست تقنية ولا أمنية فقط، بل تاريخية: دولة تدّعي أنها قامت لمنع المفاجآت الوجودية، وقعت فيها مجددًا.
برأي درور، المشكلة ليست في حادثة أو حرب، بل في قصور التفكير العميق، وسوء فهم الديناميكيات التاريخية التي تحيط بإسرائيل. ومن دون تغيير جذري وإعادة بناء شاملة للأمن والسياسة، فإن مستقبل الدولة – كما يقول – في خطر حقيقي.
حين يصبح الشتات ضمانة: عودة فكرة الوطن البديل
أخطر ما في تحولات "درور" الفكرية، ليس نقده للأداء العسكري أو السياسي، بل إعادة إحياء فكرة طالما اعتُبرت من المحرّمات الصهيونية: ضرورة وجود شتات يهودي قوي كضمانة بقاء في حال انهيار "إسرائيل".
هنا، لا نتحدث عن خطاب معادٍ للصهيونية، بل عن مراجعة من داخلها، تعترف ضمنيًا بأن "الدولة" قد لا تكون النهاية، وأن فكرة الوطن القومي ليست قدرًا أبديًا.
هذا الطرح يعكس قناعة آخذة في التبلور داخل النخبة الإسرائيلية: "إسرائيل" ليست بالضرورة الملاذ الأخير، وقد تتحول، في أسوأ السيناريوهات، إلى تجربة فاشلة أخرى في التاريخ اليهودي الحديث.
نظام سياسي مأزوم: ديمقراطية تُضعف نفسها
"درور"، الذي شكك دومًا في الرأي العام واعتبره دوامة متقلبة، رأى في السياسة الجماهيرية خطرًا وجوديًا. الانتخابات التمهيدية، تفكك الأحزاب، وهيمنة الشعبوية، كلها – برأيه – عوامل تُضعف الدولة بدل أن تقويها.
دعا إلى نظام رئاسي، ومحكمة دستورية، ونخبة مهنية صارمة للخدمة العامة، لكنه كان يدرك أن هذه الاقتراحات تصطدم بواقع سياسي عاجز عن الإصلاح الذاتي. وهنا تتعمق المفارقة: دولة تعرف علّتها، لكنها غير قادرة على علاجها.
جيش بلا حسم: الفشل من البرّ لا من السماء
في تقييمه للأداء العسكري، كان "درور" واضحًا: جوهر الفشل الإسرائيلي يكمن في الحرب البرية.
منذ دخول الجيش إلى العمليات البرية، كما قال، لم يُظهر كفاءة حقيقية، والتدهور ليس تقنيًا، بل هو ثقافي وتنظيمي. ثقافة عسكرية عاجزة عن الحسم، وتراكم إخفاقات لم تُحاسَب، ظهرت آثارها في أكثر من حرب، وصولًا إلى الانكشاف الكبير.
هذا الفشل، حين يُقرأ مع التحولات الإقليمية، يطرح سؤالًا مركزيًا: كيف يمكن لدولة قامت على القوة العسكرية أن تستمر إذا فقدت قدرتها على الحسم؟
السيطرة على الفلسطينيين: وصفة مؤكدة للزوال
في سنواته الأخيرة، لم يُخفِ "درور" قناعته بأن "إسرائيل" لن تصمد إذا استمرت في السيطرة على الشعب الفلسطيني.
برأيه، الجمع بين احتلال طويل، وعالم إسلامي معادٍ، ونظام دولي متحوّل، يضع "إسرائيل" في مسار تصادمي مع التاريخ. ليست المسألة أخلاقية فقط، بل وجودية: دولة تُصرّ على إنكار حقوق شعب آخر، تزرع بنفسها بذور عدم الاستقرار الدائم.
اعتراف بلا ندم: 1948 كجذر للأزمة
رغم نقده العميق، لم يتبرأ "درور" من الأسس الصلبة للصهيونية. برر تهجير الفلسطينيين عام 1948 باعتباره "ضرورة حرب"، واعتبر أن ضمان أغلبية يهودية كان القيمة العليا.
هذا التناقض – بين الاعتراف بالمأساة ورفض الندم – يعكس جوهر الأزمة الصهيونية: مشروع قام على الإقصاء، ويحاول الاستمرار دون مواجهة نتائجه التاريخية.
دولة معلّقة بين الماضي والمستقبل
"يحزقيل درور" لم يكن ناقدًا عاديًا، بل شاهدًا من الداخل على تآكل الفكرة التي آمن بها. حين يقول إن الصهيونية "نجاح بطولي"، فهو يعترف بما تحقق بالقوة والظروف. وحين يشكك في مستقبلها، فهو يقرّ بأن هذا النجاح غير قابل للاستدامة.
اليوم، ومع تصاعد الحديث عن الهجرة العكسية، والجوازات الأجنبية، والبحث عن ملاذات بديلة، يبدو أن سؤال "الوطن البديل" لم يعد دعاية معادية، بل هاجسًا إسرائيليًا داخليًا. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: دولة أُنشئت لإنهاء التيه، تعود لتفكّر في التيه من جديد.



