أعطت المؤشرات في المراحل الأولى لإطلاق عريضة تحالف اليسار الأوروبي في المطالبة بالتعليق الشامل للشراكة الأوروبية مع دولة الاحتلال ما يستحق توقفا ودراسة مستفيضة.
فقد تجاوزت الأرقام في التوقيع والتعضيد من قبل المواطنين الأوروبيين حاجز 400 ألف خلال 18 يوما من شهرها الأول، وكانت العريضة قد اعتمدت رسميا وضمن معايير الدوائر المعنية لدى المفوضية الأوروبية وانطلقت في 13 يناير/ كانون الثاني من هذه السنة.
وتأتي هذه الوسيلة ضمن النهج الديمقراطي الأوروبي الذي ينبثق من إرادة الشعوب في التعبير عن رأيها في كل ما يمس مصيرها وتفاصيل حياتها، وعلى رأسها اختيار النواب، ومن ثم القيادة التنفيذية، ولا يتوقف ذلك على لحظة الانتخاب، وإنما في عملية متواصلة لإشراك المواطنين في صناعة القرار والتأثير عليه، وأحيانا بشيء من الإلزام، ولهذا وسائل عديدة، منها العرائض الرسمية كمثل الحراك مناط المقال.
يعتبر نظام العرائض ضمن المقاييس لرصد الرأي العام، ومطلوب أن يصل الموقعون إلى مليون، وأن يكونوا من ثماني دول أوروبية بالحد الأدنى ضمن 27 دولة مكونة للاتحاد الأوروبي، خلال عام كامل، والأرقام وتطورها علني، ويستطيع أي مهتم أن يتابعها، وتستحق إذا وصلت الرقم المنشود أن يفرض على المفوضية الأوروبية أن تطرح ضمن جدول مجلس القادة، اقتراحا بالقضية والمسألة محل اهتمام ومطلب الموقعين.
المهلة الرسمية المطلوبة تنتهي في 13 يناير/كانون الثاني 2027، ليتم تقديمها إذا نجحت للطرح من قبل المفوضية الأوروبية.
ومن هنا تأتي دلالات الأرقام وكثافتها وخاصة إذا كانت في الأيام الأولى من إطلاق العريضة، بما يستحق التوقف والتحليل ومحاولة فهم الواقع الأوروبي الشعبي وموقفه الداعم للقضية الفلسطينية، واستشراف مستقبله ومدى الاستدامة وقوة التأثير المحتملة والوقوف على ثبات المواقف ضمن الصحوة الأوروبية، وانحيازها للسردية الفلسطينية وعدالتها أمام السردية الإسرائيلية وزيفها.
ونرى أن آلية العرائض ضمن البرلمان الأوروبي وطبيعة النظام السياسي الأوروبي القائم على الشراكة الكاملة بمعايير في اتحاد الدول سواء الحكومات أو الشعوب، تدفعنا جبرا إلى استخدام لغة الأرقام والربط بين الجغرافيا والديمغرافيا الأوروبية، وطبيعة الحكومات التي تتصدر المشهد فيها، وفي المقابل تاريخ حراك التضامن مع القضية، وهذا يساعد بقدر متقدم على فهم دقيق للواقع.
ومضمون العريضة المطالبة بالتعليق الكامل لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل في ضوء انتهاكات إسرائيل حقوق الإنسان، وهو البند الثاني من شراكات الاتحاد الأوروبي مع دولة الاحتلال.
ونورد نص الوثيقة للتوثيق وللأهمية
"حسب المفوضية الأوروبية، تتحمل دولة إسرائيل مسؤولية مستوى غير مسبوق من قتل وإصابة المدنيين، ونزوح جماعي للسكان، والتدمير الممنهج للمستشفيات والمرافق الطبية في غزة. كما فرضت إسرائيل حصارا على المساعدات الإنسانية قد يرقى إلى التجويع كأسلوب من أساليب الحرب.
وتنتهك إسرائيل العديد من القواعد والالتزامات بموجب القانون الدولي، وتفشل في منع جريمة الإبادة الجماعية التي أمرت بها محكمة العدل الدولية.
ومع ذلك، لم يعلق الاتحاد الأوروبي حتى الآن اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، والتي تعد حجر الزاوية في التعاون التجاري والاقتصادي والسياسي الثنائي بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.
لا يمكن لمواطني الاتحاد الأوروبي أن يتسامحوا مع استمرار الاتحاد في اتفاقية تسهم في إضفاء الشرعية على دولة ترتكب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وتمويلها.
لذلك، ندعو المفوضية إلى تقديم اقتراح إلى المجلس بتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل بشكل كامل.
ويأتي مطلب العريضة من ضمن عدة مطالب وشعارات رفعت طوال شهور التضامن الأوروبي الطويلة خلال حرب الإبادة الجماعية على غزة، ومنها المطالبة بوقف العدوان وبشكل فوري، وكذلك سحب مجرمي الحرب من قادة وجنود دولة الاحتلال إلى المحاكم الدولية.
ولهذا تكتسي متابعة ورصد هذه العريضة والمنحنى البياني للتوقيع عليها وحجمه في كل الدول الأوروبية أهمية بالغة، فهي وسيلة مباشرة لا لبس فيها لمصداقية مظاهر التضامن ومدى عمقه وتجذره في العقل الجمعي الأوروبي، ومدى الحرص على استدامة الإسناد وترجمته إلى أفعال مؤثرة ونافذة، وخاصة على المستوى السياسي.
ويعظم من شأن العريضة وزخم المشاركة فيها أنها تظهر تفاصيل المواطن الأوروبي الموقع باسمه وبلده وعنوانه، وهذا يعني الإعلان الصريح للموقع عن رأيه في القضية واستعداده لتحمل النتائج مما يتطلب قدرا من الجرأة وعدم التردد.
ونعتبر هذه المساهمة ذروة سنام الدعم، وفي المقابل فهي تعطي انطباعا أن الموقع قد انخرط في حال تضامن مستمر وفي مجالات عديدة سابقة للتوقيع وصلت به إلى وعي كامل بتفاصيل القضية وعدالتها وتحول إلى إرادة فعل متماسكة في أن يطالب بقطع العلاقة مع دولة الاحتلال.
حجم التوقيع اللافت والحيوي الذي تحصل على ما يزيد عن 40٪ من العدد الكامل المطلوب من الموقعين خلال حوالي نصف الشهر الأول فقط من أصل 12 شهرا متبقية حتى يصل مليون موقع بالحد الأدنى، يعكس وبشكل جلي مدى الانقلاب الحقيقي (خلال سنتين ويزيد من حرب الإبادة) في الرأي العام الأوروبي تجاه دعم حقوق شعبنا الفلسطيني، وبالمقابل الضغط على دولة الاحتلال لتغيير سياسياتها التعسفية وسلوكها اللاإنساني واللاقانوني بحق الشعب الفلسطيني.
وحتى كتابة هذه السطور -صباح الأول من فبراير/شباط- وصل عدد الموقعين بدقة 402 ألف و28 شخصا، والعدد بازدياد مطرد ومتسارع بشكل لافت، وقد شمل العدد مواطنين من كامل 27 دولة أوروبية دون استثناء.
وهذا يدلل على أن الحدث الفلسطيني في غزة قد امتد تأثيره لكامل التراب الأوروبي، وأضحى للقضية مناصرون مؤثرون يرفعون لواء عدالتها في جنبات القارة باتجاهاتها الأربعة.
وفي استعراض لطبيعة عدد الموقعين في كل دولة منفردة، يشير إستراتيجيا لما يستحق التوقف، ويبنى عليه لكل من أراد للقضية الفلسطينية إنصافا، ولشعبها الحرية والانعتاق من المحتل، وللأرقام كنتائج مسببات ودواعٍ بعضها عميق وذو دلالات متعددة وباتجاهات مختلفة.
ونستهل بالنقاط الجامعة، فالدول ذات الكثافة السكانية العليا في أوروبا كان لشعوبها حراك حاشد وممتد ومستمر ومنوع ومؤثر طوال 28 شهرا من حرب الإبادة، وكانت أرقام المظاهرات فيها تتصدر الإحصاءات، حسب ما رصده المركز الأوروبي الفلسطيني للإعلام من إحصاءات مستمرة وصلت إلى 50 ألف مظاهرة في نهاية عامين من الإبادة على الشعب الفلسطيني في غزة، ونقصد هنا فرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وبولندا، وتأتي معها بلجيكا، وهولندا، والسويد، وأيرلندا مع الاعتبار لعدد السكان.
وهنا نشير إلى أن عدد أعضاء البرلمان ينبثق بدقة عن تعداد السكان لكل دولة عضو بحد أدنى ستة نواب للدولة مهما قل العدد، فلوكسمبورغ كمثال سكانها 680 ألفا فقط يمثلهم ستة نواب، لتكمل مع الدول الأخرى، خارطة برلمانية أوروبية للاتحاد الجامع قوامها 720 نائبا، ولدقة الوصف، فألمانيا كمثال آخر الأكثر سكانا بتعداد تقريبي 84 مليونا يمثلهم 96 نائبا في بروكسل.
وفي محاولة لتحليل الأرقام للمواطنين المشاركين في التوقيع على العريضة للدول منفردة، تأتي فرنسا في المقدمة وبفارق كبير بواقع 184 ألفا و523 مواطنا، ونفهم ذلك لعراقة حراك التضامن، وكذلك لتبني أحزاب رئيسة كحزب "فرنسا الأبية" التضامن الكامل مع القضية، ولوجود جاليات عربية من دول شمال أفريقيا بتعداد يفوق 12 مليونا بتقديرات عديدة بما تحمل من مشاعر فياضة نحو فلسطين، أثرت العوامل أعلاه مع أسباب أخرى في تحول إيجابي نسبي في موقف الرئاسة الفرنسية، فتضافرت جميعها لتكون مشهدا فلسطينيا فرنسيا بامتياز عكسته الأرقام أعلاه.
تليها إسبانيا بـ 57 ألفا و24 توقيعا، وتتقاطع الأسباب الإسبانية مع الفرنسية مع فارق واضح في الموقف الرسمي الإسباني إيجابيا نحو القضية فانسجمت الأطراف جميعها بالعموم، لتنصهر في بوتقة واحدة لتصنع في مقاطعات البلد الممتدة مشهدا فلسطينيا إسبانيا بامتياز، تجلت إحدى صوره في عدد الموقعين على العريضة.
أما إيطاليا، فالرقم رغم أنه جاء ثالثا، ووصل إلى 48 ألفا و897 توقيعا، فإنه يعد متميزا؛ ذلك لتصدر حكومة اليمين الداعمة بشكل سافر لدولة الاحتلال. فتماسك حركة التضامن وقوة تنسيقها وامتدادها في عموم المدن الإيطالية وعلاقاتها التاريخية بفلسطين، قد أوجد ذلك حراكا وصل إلى حد إضرابات عامة شاملة (ويمكن تسميته بقدر ما عصيانا مدنيا) لم تحدث في عموم التضامن الأوروبي، وهذا ما يفسر ارتفاع عدد الموقعين.
رقم بولندا
وفي المرتبة الرابعة جاء رقم بولندا الذي وصل 20 ألفا و962 شخصا، وهو بموضوعية يحتاج دراسة متعمقة موازية لمصلحة استكشاف هذا العدد الإيجابي الداعم والعمل على ثباته وتنميته واستمراره، فرغم عدد السكان المرتفع وتطور حراك التضامن في بولندا، الذي كان متواجدا ومستمرا طوال فترة العدوان وتمظهر مؤخرا في سفينة بولندية ضمن أسطول الحرية الأخير، فإن عوامله لا ترقى لمثل الدول السابقة التي تصدرت المشهد الفلسطيني أوروبيا.
وتجتمع بلجيكا 17 ألفا و509، وأيرلندا 8642 توقيعا في ذات الأسباب بقدرٍ ما التي تعزى لأرقام إسبانيا، مع الفرق في عدد السكان واتساع الجغرافيا.
أما رقم السويد المرتفع -13 ألفا و726 توقيعا- قياسا بعدد السكان وترامي الجغرافيا فنعزوه لفاعلية الجالية الفلسطينية وتحالفها مع اليسار والذي صنع مشهد التضامن وانعكس ذلك في التصويت.
ونبقى في الشمال الأوروبي، وقد ربط 12 ألفا و130 مواطنا فنلنديا أسماءهم بالتوقيع، وهذا الرقم المرتفع نسبيا يحتاج لدراسة محلية لمعرفة الظروف التي أفرزت حجم الإسناد، والبحث في سبل الاهتمام بالدولة وحراك التضامن فيها.
وتأتي هولندا ضمن حاجز ما فوق الـ10 آلاف توقيع بما زاد على ما يقرب الألف فوصل الرقم 10 آلاف و959 توقيعا، ونرى ذلك منطقيا ضمن ما شهدته من حراك مستمر ومنوع وكثيف، ووجود حركة تضامن بمختلف الأطياف والخلفيات السياسية واتخاذ مواقف رسمية ضد دولة الاحتلال.
وبشكل يعاكس حجم التظاهر الهادر في الشوارع الألمانية ودون توقف طوال العدوان على غزة، يصل رقم ألمانيا 9292 مواطنا بما يعتبر متدنيا قياسا بالأرقام السابقة لمثيلاتها وهي العليا في تعداد السكان في عموم القرى، وهذا الانخفاض يعزى للسياسة الألمانية القديمة والمتجددة في قمع مظاهر دعم القضية الفلسطينية، وفي المقابل الدعم اللامحدود (وفي الغالب بدون قيود وفي أحايين عديدة غير الموزون) سياسيا لدولة الاحتلال، ومظاهر ملاحقة المتضامين مع فلسطين بأدق التفاصيل وقهرهم أكثر من أن تحصى.
ومع العريضة يحتاج الموقع أن يذكر اسمه وعنوانه مما يعني وثيقة ومستندا رسميا، في ظل دولة يحاسب المواطن فيها على علامة الإعجاب (اللايك)، لما هو عابر على صفحات التواصل الاجتماعي، أو أن يرصد الناشط (عبر عميل رخيص) بصورته التي التقطت خلسة أنه شارك في مظاهرة تضامنية، برغم أن النشاط حاز كل التراخيص القانونية المطلوبة، أو أن يكون الحصول على الجنسية الألمانية لبعض الحالات في بعض مقاطعاتها مرهونا بإيجابية الموقف من دولة الاحتلال .
وفي أجواء رعب كهذه، تصبح المظاهرات الحاشدة في المدن الألمانية والتي من الصعب الرصد الدقيق للمتضامنين، إنجازا وتحديا، ومعها يعتبر عدد الـ10 آلاف توقيع على العريضة لمواطنين ألمان اختراقا نوعيا لحاجز الصمت ومعه الخوف.
ومن الأرقام التي تخالف حراك الشارع الكثيف تأتي الدانمارك بـ 3111 توقيعا، حيث يعد رقمها محدودا بالاعتبار لعدد الجالية الفلسطينية الفاعلة بتميز، وكذلك حراك التضامن الدانماركي الذي كان واضحا ولافتا جدا، ونشير للمؤتمر التضامني في كوبنهاغن يوم السبت الماضي 31 يناير/كانون الثاني، والذي شارك فيه بفاعلية ألف متضامن معظمهم من الدانمارك، حيث تستدعي المفارقة بين كثافة النشاط الداعم ومحدودية المنخرطين في العريضة دراسة لاستكشاف الأسباب والاستدراك.
وفي استعراض شامل لمنحنى بيان الأداء التفاعلي لبقية الدول فإن البرتغال واليونان تشتركان مع الدانمارك بعدد فوق الثلاثة آلاف.
وتأتي بقية الخمس عشرة دولة الأخرى وفي معظمها شرق أوروبية لتسجل أرقاما تتراوح بين الألف وما دون.
نخلص إلى أن نموذج العريضة كأحدث مظهر من المظاهر العديدة التي سبقت في التحول النوعي في تقدم السردية الفلسطينية بشكل يصعب معه لآلة الدعاية الإسرائيلية الزائفة أن تعيد عقارب الساعة للوراء، وأن ترسخا في الضمير والعقل الجمعي الغربي الأوروبي في وجوب تحقيق العادلة للقضية وشعبها قد تجذر بعمق فيما يصعب اقتلاعه.



