لم يكن كلام نتنياهو حول إنشاء تحالف أو محور سداسي حول الشرق الأوسط أو في داخله كلاما عابرا؛ إذ إنه كان حديثا مُعدّا بعناية في بداية جلسة مجلس الوزراء الإسرائيلي الأسبوعية، حيث تعمّد أن يعطيه الطابع الرسمي والأهمية اللازمة، وأن يأخذ خطابه مدى واسعا في التغطية الإعلامية الداخلية والخارجية، وقدمه على شكل رؤية مستقبلية بين يدي الإعلان عن زيارة مرتقبة لرئيس وزراء الهند ناريندرا مودي.
خلفيات: نظرية الأطراف
يُذكّرنا مشروع نتنياهو بنظرية أمنية إسرائيلية قديمة تعود إلى بن جوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلي منذ خمسينيات القرن الماضي، وهي نظرية الأطراف (Periphery Doctrine) أو استراتيجية "شد الأطراف". وهي تركّز على تجاوز "إسرائيل" لدول الطوق العربي المركزية، وعمل تحالفات مع دول وأقليات في منطقة "الشرق الأوسط"، لمحاولة تطويق الدول العربية المحيطة بالكيان الإسرائيلي وإضعافها. وقد تمّ التركيز في ذلك الوقت على تركيا وإيران وإثيوبيا، ومحاولة عمل علاقات مع الأقليات في بلاد الشام والعراق وجنوب السودان، وشمال أفريقيا، بحيث تنشغل المنطقة بصراعات داخلية طائفية وعرقية، وبعلاقات متوترة مع دول تقوم بشدٍّ عكسي، واستنزافٍ للبيئة العربية وإشغالها عن مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
لم تنجح هذه الاستراتيجية كثيرا، مع سقوط الشاه ونجاح الثورة الإسلامية في إيران، ومع سيطرة اتجاهات ذات خلفيات إسلامية محافظة على السياسية التركية. غير أن "إسرائيل" عوّضت ذلك من خلال التطبيع مع مصر والأردن والقيادة الفلسطينية ثم الإمارات والبحرين والمغرب والسودان؛ ولم تعد بحاجة لـ"شدّ الأطراف" لأنه المركز نفسه قد "تمّ ترويضه" ولم يعد يشكّل خطرا.
ولذلك، يبرز السؤال عن دوافع نتنياهو من طرح هذه الفكرة وبشكل علني، وعن الجديّة والجدوى العملية لهكذا مشروع!
هل ثمّة محور راديكالي سنّي؟!
أي دراسة موضوعية، أو أي بحث حتى بالمجهر.. لا يجد ما يمكن تسميته "محورا راديكاليا سنيا" صاعدا؛ فكل ما تسرّب هو نوع من التنسيق بين السعودية والباكستان وتركيا، وهي أنظمة بشكل عام:
- محسوبة على تيار "الاعتدال"، ولا تتبنى الإسلام السياسي.
- لديها علاقة استراتيجية قوية بالولايات المتحدة.
- داعم أساسي لمسار التسوية السلمية وحلّ الدولتين، مع استعداد سعودي وباكستاني للتطبيع مع "إسرائيل" في حال التزامها بحلّ الدولتين.
- داعم أساسي لخطة ترامب في قطاع غزة.
- تدعم قيادة منظمة التحرير وقيادة السلطة في رام الله، وتقف إلى جانب إلزام حماس باتفاقات أوسلو ومسار التسوية لتتمكن من المشاركة في الانتخابات الفلسطينية ودخول منظمة التحرير، كما وقفت إلى جانب نزع أسلحة حماس تحت قيادة السلطة الفلسطينية (كما في التصويت في المؤتمر الدولي لدعم حلّ الدولتين 28-30 تموز/ يوليو 2025، وفي إعلان نيويورك 12 أيلول/ سبتمبر 2025).
- لا تُشكّل أي خطر على "إسرائيل"، وليس في نيتها الدخول في صراعٍ معها. وهذا يعني عمليا أنه ليس هناك ثمة محور ولا تحالف بمعناه السياسي ولا حالة "راديكالية" بأي شكل. وأن كلام نتنياهو هو حالة مصطنعة مبتذلة.
قلق إقليمي متزايد:
تسببت الوحشية الإسرائيلية والإبادة الجماعية في قطاع غزة، بارتفاع حالات القلق والتساؤل لدى الأنظمة (حتى تلك الراغبة في التطبيع) في إمكانية أو جدوى عمل علاقات "تطبيعية" و"تسوية سلمية" مع هكذا نظام سياسي. وزاد من حالة القلق التغييرات الجديدة في النظرية الأمنية الإسرائيلية التي أصبحت تعمل بشكل مكشوف وبالطريقة الخشنة وبالعصا الغليظة على فرض هيمنتها على المنطقة، وإدخال الجميع في "العصر الإسرائيلي"؛ بينما لم يعد مسار التسوية المطلوب قائما على الشراكة والندّية، وإنما على وجود "السيّد" الإسرائيلي و"التابع" العربي؛ وفوق ذلك فإن السلوك الأمريكي مع حلفائه في المنطقة في عهد ترامب زاد من مخاوف هذه الأنظمة، ومن حالة عدم الاستقرار واللا يقين، في ضوء عقلية ترامب البراغماتية التي تُقدِّس "القوة والمصلحة"، وذات الخلفية الإنجيلية الصهيونية، والتي لا تحترم الأطر والقوانين والأنظمة الدولية ولا الاتفاقات المشتركة، بالإضافة إلى المخاوف الناتجة عن مرحلة "ما بعد ضرب إيران" وإخضاع المنطقة بالكامل.
هذا القلق، تمّ التعبير عنه من خلال وقف أو تبطيء السعودية لمسار التطبيع، ومن خلال التنسيق السعودي الباكستاني التركي المشترك ومحاولة ملء الفراغ وحماية المصالح المشتركة، وسعي مصر والسعودية وغيرها لتنويع مصادر السلاح..
لذلك، ربما كان مجرد تنسيق هذه البلدان فيما بينها كافيا لإشعال "الضوء الأحمر" الإسرائيلي، في بيئة يسعى الإسرائيلي من خلالها للهيمنة الكاملة على المنطقة.
أهداف نتنياهو:
المحور الذي تحدث عنه نتنياهو، والذي لمّح إلى أنه يُشكل طوقا حول الشرق الأوسط يشمل الهند واليونان وقبرص، وبلدانا أفريقية وآسيوية لم يسمِّها. لكن لا يصعب استنتاج بلد أفريقي كإثيوبيا، أما البلدان الآخران فهما محطّ تخمينات، وإن كان البعض قال إن المقصود بالدولة العربية هو دولة خليجية معروفة بقوة علاقاتها بـ"إسرائيل" وبتقارب الأجندة الإقليمية لكليهما.
يمكن أن يُفهم إعلان نتنياهو عن المحور السداسي في ضوء:
1- محاولة تقديم نتنياهو نفسه للجمهور الإسرائيلي كزعيم ذي رؤية استراتيجية، ومحاولة تعزيز صورته كــ"بطل ومنقذ" للكيان الإسرائيلي، في ضوء أدائه في طوفان الأقصى وحروبه ضدّ لبنان (حزب الله) واليمن (أنصار الله)، وإيران..
2- بالنظر إلى حالة العزلة التي تعاني منها "إسرائيل" وتحوُّلها إلى كيان "منبوذ" عالميا، فإن نتنياهو يحاول تقديم نفسه للجمهور الإسرائيلي كقائد قادر على فكّ العزلة وتشكيل تحالفات إقليمية، تُضعف وتَعزِل أي مخاطر خارجية محتملة.
3- حتى لو لم يكن ثمة عدو حقيقي ولا تهديد جدّي، فإن نتنياهو بحاجة إلى "اصطناع" عدو، حتى يضمن حالة الشدّ الداخلي، ومُبرّر بقائه في الزعامة، ومُبرّر الحالة العدوانية للكيان الإسرائيلي، وسعيه للهيمنة على المنطقة، وإيجاد بيئات توتير مستمرة تُبرّر عدم السير في مسار تسوية سلمية؛ يمكن أن تنبني عليه أثمان حقيقية مثل حلّ الدولتين.
4- يُعبّر إعلان نتنياهو في حدّ ذاته عن حالة القلق الوجودي التي أبرزها طوفان الأقصى، وعن سؤال الاستقرار في بيئة متقلبة، وعن عمق "عقدة الأمن" في العقلية الصهيونية. وهو يتماهى مع التغيرات والتطورات التي شهدتها النظرية الأمنية الإسرائيلية بعد طوفان الأقصى؛ وخصوصا فيما يتعلق بالأمن الاحترازي، والانتقال من الردع بالتهديد إلى الردع بالتدمير، وضرب المخاطر في مكامنها وعدم السماح لها بالنمو، وتكييف "الشرق الأوسط" وفق المعايير الإسرائيلية، وليس تكييف "إسرائيل" لنفسها وفق البيئة الواقعية للشرق الأوسط.
هذا القلق عبّر عنه نتنياهو في أن "إسرائيل" تحارب على سبع جبهات، بينما تطوّع السفير الأمريكي لدى الكيان هاكابي بتوضيح أن مصر والأردن هما جبهتان من هذه الجبهات السبع (كما ذكر في مقابلته مع تاكر كارلسون) لمجرّد وجود الإخوان المسلمين فيهما، بالرغم من حالة السحق التي يعانيها الإخوان في مصر، وحالة المنع والتهميش والإخراج من الشرعية التي يعانونها في الأردن، وبالرغم من أن هاتين الدولتين مُطبِّعتان وملتزمتان بشكل راسخ بمسار التسوية.
5- ثمّة ارتباك وعدم اتزان لدى نتنياهو والقيادة الإسرائيلية؛ إذ إن هذا السلوك يتضمن تناقضا ذاتيا، لأنه يتسبب في استعداء دول صديقة مُطبِّعة، من خلال ابتزازها ووصفها بأوصافٍ معاكسة تماما لطبيعتها ولبنيتها السياسية. ولعل نتنياهو أراد إيجاد مزيد من الضغط السياسي، ولو على شركاء محتملين في المنطقة، حتى لا تسير هذه الدول قُدُما في سياسات أكثر استقلالا عن الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية. ولكنه من الناحية العملية يزيد مخاوفها، ويقدّم نفسه بشكل مكشوف كطرف لا يُؤمّن جانبه، وكعدو محتمل (وهو كذلك!!). وهو يحاول أن يرسل تحذيرات مبطنة لدول المنطقة أنهم تحت المراقبة؛ وأنه لا يُسمح لهم حتى بالهامش البسيط الذي أرادوا التحرّك من خلاله.
خلاصة:
ربّما يسعى نتنياهو لأن يُحقِّق ولو جزئيا حالة "شدّ الأطراف" بحيث تكون الهند في مقابل باكستان، واليونان وقبرص في مقابل تركيا، وإثيوبيا في مقابل مصر.. وربّما لن تقوم هذه البلدان بعمل جديد، فعدد منها لديه السياسات نفسها قبل تشكيل هذا المحور، ولعلّ الجديد يكون في إيجاد آليات تنسيقية فيما بينها، بينما سيسعى الطرف الإسرائيلي لتأجيج نار العداوات الإقليمية، ولقطع الطريق على أيّ تفاهمات محتملة. غير أن هذه الدول لا تملك القدرة على أن تشكّل طوقا؛ كما أنّ لديها الكثير من المصالح المتقاطعة مع البيئة العربية والإسلامية ولن ترغب في دخول صراعات معها، بالإضافة إلى أنه من المستبعد أن تدخل هذه الدول في صيغ تحالفية مكشوفة ترهن فيها نفسها للإرادة الإسرائيلية. وبالتالي، فإن الكثير من كلام نتنياهو يدخل في المبالغات والتمنيات، وإن كان الحذر والتعامل بجدية، واتخاذ الاحتياطات يظل واجبا.
وبشكل عام، فإن ما يفعله نتنياهو سيعمّق المخاوف لدى شركاء أو أصدقاء محتملين، وسيسهم في توسيع دائرة العداء ضدّ المشروع الصهيوني في المنطقة، بعد أن وصل خطره إلى أكثر الأنظمة "اعتدالا"، وأقواها علاقة بالولايات المتحدة. وهو ما يستدعي مراجعة حقيقية من كلّ الأنظمة العربية لجدوى مشاريع التسوية السلمية والتطبيع مع "إسرائيل"؛ وضرورة إعادة النظر في أولويات الأمن القومي العربي والإسلامي، وضرورة النظر للمقاومة وصمود الشعب الفلسطيني كخط دفاع جوهري واستراتيجي عن الأمة.



