شبكة قدس الإخبارية

شبيبة التلال: مخالب الصهيونية الدينية وجيل الاستيطان الجديد

photo_٢٠٢٦-٠٢-٠٥_١٧-٢٦-٠١

خاص - شبكة قُدس: "حيثما يمر المحراث، هناك تمر حدودنا"، يمثل هذا الشعار تكثيفاً لما عليه مجموعات "شبيبة التلال" الاستعمارية، التي تعمل ضمن المنظومة الصهيونية المتعددة المؤسسات والتوجهات والأبعاد التكتيكية، لكن تحت هدف واحد هو إبادة الشعب الفلسطيني، أو إزاحته من أرضه، والسيطرة عليها كاملة أو أوسع مساحة ممكنة منها، في حال عدم التحقق الكامل للتهجير والإبادة.

"المحراث يرسم الحدود"

تتبنى "شبيبة التلال" أيدلوجيا تدمج ما بين "الصهيونية الدينية"، التي تستند إلى مفاهيم "توراتية"، تزعم الحق اليهودي في كامل الأرض الفلسطينية، وفكرة الطلائعية التي قامت عليها حركة الاستيطان الصهيوني، في البلاد.

يستخدم عناصر "شبيبة التلال" مقولة منسوبة ليوسف ترومبلدور، أحد القادة الطلائعيين في الهجرة الصهيونية الثانية، إلى فلسطين، قبل النكبة، يقول فيها: "في المكان الذي يحرث فيه المحراث اليهودي التلم الأخير هناك تمر حدودنا".

تمثل هذه المقولة توسيعاً للاستيطان الصهيوني، في فلسطين، لا يقف عند حدود واقعية، بل يحمل معه المستوطنين إلى مخيال أوسع، يرى في استباحة الأرض وأصحابها، أبعد من مجرد السرقة، بل طموحاً خلاقاً، يبقيهم على تماس معه، لتأكيد الغاية التي قدم إليها المستوطنون إلى البلاد، وهي الاستيطان وإزاحة الفلسطينيين، عن كل متر من الأرض يقدرون عليه، باستخدام العنف والقوانين ومختلف السياسات العسكرية والاجتماعية وغيرها.

لذلك فإن ميلشيات "شبيبة التلال" الاستعمارية تؤطر ذاتها بداية، في دور "الطلائعي"، الذي يقول للمجتمع الاستعماري الذي يأتي منه، أنا أتقدمكم نحو أرض جديدة، يجب أن تحملنا أقدامنا إليها، لأن لنا "حقوقاً دينية فيها"، و"قداسة توراتية"، وعبر هذه العملية من استخدام النص الديني، في زيادة حافزية مستوطنين في جيل الشباب، يرون أن المجتمع الصهيوني توقف عن العمل لتحقيق غاية وجوده، وهي الاستيطان في أراض جديدة، وطرد أصحابها منها.

لذلك فإن هذه المجموعات من المستوطنين التي تنتشر، في جبال وتلال الضفة الغربية المحتلة، تحمل خطاباً خاصاً لمجتمع المستوطنين المنتشرين، في فلسطين المحتلة، من زاوية "الغضب الاستعماري" الذي يأخذ وضعية تدفعهم إلى رؤية أنفسهم على أنهم الطلائع الجدد الذين سيجددون المشروع الصهيوني، بعد أن حولته النخبة العلمانية المسيطرة على دولة الاحتلال، منذ تأسيسها على أنقاض الشعب الفلسطيني، من وجهة نظرهم، إلى حالة "قبول بالواقع"، وعدم التقدم نحو الاستيطان على كامل الأرض الفلسطينية، وطرد أصحابها منها.

وهذه النبرة من الخطابية التي ترى في نفسها قدرة على "تجديد" المشروع الاستعماري، بعد أن تراجعت به النخبة القديمة، كما يقول، رغم أن الواقع يخالف هذه النظرة، إذ أن مختلف حكومات الاحتلال حافظت على مستويات من الاستيطان وسرقة الأراضي الفلسطينية، وإن كان بعضها دخل في مفاوضات وحلول سياسية، إلا أنها تحت شعار "تحقيق الأمن للمجتمع الإسرائيلي"، تمنح هذه المجموعات قدرة على الذهاب بعيداً في تأسيس بنية تحتية ووسائل متنوعة الوحشية في العدوان على الفلسطينيين، لأن الأيدلوجيا التي تجعلهم يصلون إلى قناعة "الطلائعية" والمسؤولية عن المجتمع الاستعماري كاملاً تمنحهم القدرة على ارتكاب إرهاب وحشي.

وترى هذه المجموعات الاستعمارية في نفسها تحقيقاً لمشروع سياسي مختلط بمشاريع توراتية - قومية - دينية، من بين أهدافه الرئيسية القضاء على فكرة قيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، وهو الهدف الذي يجمع عليه مختلف مكونات مجتمع المستوطنين على اختلاف الأيدلوجيات، رغم خلافهم على تفاصيل لها علاقة بالأمن والنظرة للمستقبل.

وتتخيل نفسها على أنها الصيغة "المحببة" من الصهيوني - المتدين، الذي لا يكتفي بأداء الطقوس الدينية، بل يعمل من أجل انتزاع الأرض من الفلسطينيين، وتحقيق الأفكار التوراتية، على الأرض، بالقوة والسلب والسرقة والرعي والزراعة، وهو "النموذج للصهيوني القوي" تذكيراً بالخطاب الذي كانت تبثه الحركة الصهيونية، في بداياتها، وهي تهاجم اليهود الذين بقوا في أوروبا والبلاد الأخرى، ولم يهاجروا إلى فلسطين، أو يلتزموا بمشروعهم السياسي، على أنهم يمثلون "اليهودي الضعيف"، الذي قبل بأن تحرقه النازية ولم يتحرك "للدفاع عن ذاته".

من هم "شبيبة التلال"؟

يعود باحثون بتاريخ ظهور "شبيبة التلال" إلى أواخر التسعينات، على أنها بدأت كحركة رداً من مستوطني الضفة الغربية المحتلة، على توقيع اتفاقية "واي ريفير"، عززت منها دعوة أرئيل شارون حينها لاحتلال التلال والجبال الاستراتيجية في الضفة الغربية.

غالبية أعضاء "شبيبة التلال" الذين تقدرهم أعدادهم بعض المصادر، بأنها تصل إلى 500، أعمارهم لا تتجاوز 20 عاماً، وبينهم نسبة من المستوطنين في (سن المراهقة).

تنقسم الخلفيات الاجتماعية والاستعمارية لأعضاء "شبيبة التلال"، بين المستوطنين القادمين من المستوطنات الأشد تطرفاً من ناحية أيديولوجية، الذين تلقوا تعليمهم الديني في المدارس الدينية التي يطلق عليها اسم "اليشيفاه"، التي تقدم تعليماً توراتياً يتركز على ضرورة الاستيطان في كامل فلسطين، ويشرعن الحرب على الفلسطينيين وارتكاب الجرائم بحقهم، ويمزج بين التعليم الديني - القومي الصهيوني والتدريب العسكري.

وجزء من أعضاء هذه المجموعات هم من الشباب الصهيوني المتدين، المنتمي إلى طبقات وسطى أو هامشية، ويعيش في المدن المحتلة، في الداخل المحتل عام 1948، ويعيش مشاعر من "الغربة"، ويرى في الاستيطان والانتشار على التلال علاجاً لهذه الأزمات التي يمر بها، أي أن الاستيطان وسرقة الأرض تحول إلى علاج لمشاكل اغتراب في المجتمع الاستعماري.

تشير دراسة إسرائيلية حول "فتيان التلال"، إلى أنها تضم مستوطنين في أعمار شابة، يعيشون وفق أوامر "دينية بدائية"، حسب وصفها، تستلهمها من مصادر مثل أسفار "يشوع"، و"القضاة"، وغيرها، وتفضل عمليات "الزراعة البدائية"، ولبس القبعات المنسوجة على الرأس، والملابس الأقرب إلى النمط العسكري الذي يساعد على التوغل في الجبال.

وتقول إن غالبية المنتسبين للمجموعة "يتسربون" من التعليم الرسمي، ويتركون عائلاتهم، في سن صغيرة، ثم يتوجهون إلى التلال للمشاركة في الاستيطان، قبل أن ينضموا إلى جيش الاحتلال.

وتكشف الدراسة التي أجرى الباحث الذي قام بها مقابلات، وجولات ميدانية، للتعرف على طبيعة المشاركين في "شبية التلال"، إلى أن غالبية العناصر يعرفون أنفسهم على أنهم أصحاب هوية "دينية - أيدلوجية"، بينما لم ينجح الصهاينة العلمانيون في البقاء فيها، وتركوها بعد فترة قصيرة، وينتمى معظمهم إلى تيارات حسيدية التي تعتبر جزءا من التكوينات الدينية داخل اليهودية، التي تدمج بين الدين والتطلع إلى الاستيطان والتطرف ضد العرب والفلسطينيين، مثل حركة "حباد"، رغم أن عائلاتهم تنتمي غالباً إلى "الصهيونية الدينية"، التي تمثلها تيارات أخرى، ويؤمن غالبية أعضاء المجموعة بأفكار "كاهانا" أحد أبرز المنظرين للعمليات الإرهابية الصهيونية ضد العرب، ويدعو إلى ارتكاب مجازر بحقهم وقتل الأطفال والنساء.

وقال أعضاء "شبيبة التلال" المشاركين في المقابلات إنهم رغم انتقاداتهم لحكومة الاحتلال، والصدام مع الجيش، إذا تعارضت أفعاله من وجهة نظرهم مع "الشريعة اليهودية"، حسب تعبيرهم، إلا أنهم يشعرون أنهم جزء من "دولة إسرائيل" ويرغبون في التجند داخل الوحدات القتالية في الجيش.

وتربط دراسات بين توسع "فتيان التلال"، ومجموعات "تدفيع الثمن" بالانسحاب من قطاع غزة ومستوطنات في شمال الضفة الغربية المحتلة، في 2005، وهو ما جعل تيارات الصهيونية الدينية تقرر أخذ زمام المبادرة نحو تنفيذ عدة خطوات، مثل تكثيف الهجمات على الفلسطينيين، والاستيطان والسيطرة على التلال والجبال، وزيادة الانخراط في الجيش لمنعه مستقبلا من تفكيك مستوطنات، والسيطرة على أهم مفاصل الحكم في دولة الاحتلال لمواجهة التيارات الأخرى، وتحقيق مشروعها الديني - القومي بالسيطرة على كامل فلسطين في سياق أفكارها "المسيانية"، التي تتخيل تحقيق الخلاص ونزول "المخلص" الخاص بها، بالحرب المستمرة على العرب والفلسطينيين.

وتحاول دراسات إسرائيلية عن "فتيان التلال" تحميل الإقصاء من المؤسسات، والتهميش، وغيرها من الإشكاليات الاجتماعية مسؤولية العنف الذي ترتكبه هذه الجماعات، إلا أن الواقع يقول إن الأيدلوجيا الاستيطانية - الصهيونية المعززة بالتعليم الديني في المدارس التوراتية، داخل المستوطنات، هي من خلق هذا التيار ومنحه قدرة الاستمرارية على العدوان وسرقة مزيد من أراضي الفلسطينيين.

ورغم العدد القليل لأعضاء هذه المجموعات، إلا أن دورها ليس هامشياً في المجتمع الاستعماري، بالنظر إلى ارتباطها بالأيدلوجيا الصهيونية - الدينية التي حققت تقدماً في السيطرة على مفاصل هامة في دولة الاحتلال، ولها نشاط واسع في قضايا الاستيطان، واقتحام المسجد الأقصى، ولها حضور متزايد في جيش الاحتلال، خاصة الوحدات القتالية، وهو ما ينعكس على التنسيق في العدوان على الفلسطينيين بين الجنود والضباط المحسوبين على هذا التيار وجماعات "شبيبة التلال" و"تدفيع الثمن" وغيرها من الجماعات الاستيطانية الإرهابية، وهي ظاهرة اعترف بها عدد من قادة الاحتلال أنفسهم، بينهم رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، ووزير الجيش السابق، موشيه يعالون.

واستفادت "شبيبة التلال" وغيرها من مجموعات المستوطنين، من صعود "الصهيونية الدينية"، إلى مواقع مهمة في حكومة الاحتلال، مثل وزارة الأمن القومي التي يقودها بن غفير، ووزارة المالية والجيش مع بتسلئيل سموتريتش الذي كان في شبابه يشارك في النشاطات الإرهابية، في الأراضي المحتلة، وتعززت شراستها وعدوانيتها والمساحة التي توسع إليها هجماتها مع حرب الإبادة الجماعية، منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وفي الواقع فإن هذه الجماعات استفادت من البناء الاستيطاني، في الأراضي المحتلة 1967، الذي بدأته حكومات حزب العمل، وأكمله "الليكود"، ومختلف التيارات السياسية الصهيونية، لذلك فإن حركتها هي تشبه الانطلاق من المستوطنة الكبرى نحو تخوم الانتشار الفلسطيني وشن عدوان عليها لحصاره ومنعه من الاستمرار في الحياة، ثم إقامة بؤر جديدة على التلال، والعمل على مد مساحة سيطرتها في الفضاء المحيط، وطرد الفلسطينيين من مجالهم الحيوي.

الرعي… الزراعة… الإرهاب

تستخدم مجموعات "فتيان التلال" الزراعة، والرعي، في عمليات الهجوم على الأراضي الفلسطينية من أجل سرقتها، في إطار فلسفتها التي تقوم على أن الأرض التي تصل لها أقدام المستوطنين تصبح ملكاً لهم.

لذلك تنتشر مجموعاتها على شكل أفراد معهم أغنام، وأبقار، في تلال وأراضي تكون قد توسعت إليها، عبر عمليات العدوان المستمر على الفلسطينيين، بحماية من جيش الاحتلال، وتصبح مع الوقت هذه المناطق خاضعة لسيطرتهم وتتوسع بذلك البؤرة الاستيطانية التي تصبح بعد فترة تحظى برعاية حكومة الاحتلال، التي تقدم لها الخدمات المختلفة.

وعبر الهجمات المنظمة على الانتشار الفلسطيني تحقق هذه المجموعات فتحاً للطريق، نحو مزيد من سرقة الأراضي، ثم تنتقل إلى مناطق أكثر، هكذا في مخيالها حتى تحقق السيطرة التامة على الأرض الفلسطينية.

#استيطان #فتية التلال #الصهونية الدينية