شبكة قدس الإخبارية

خناجر في الخاصرة النازفة: حين تبيع الميليشيا دم الأرض للمحتل

ط
إسلام شحدة العالول

في غزة، حيث يمتزج غبار الركام برائحة الدم الزكي، وحيث تصاغ ملاحم الصمود من جوع الأمعاء الخاوية، تبرز طعنة في الظهر لا توجع الجسد بقدر ما توجع الروح. هي طعنة "القريب" الذي اختار أن يكون عيناً للمحتل ويداً باطشة له، في وقت يواجه فيه الفلسطيني حرب إبادة لم تبقِ شجراً ولا حجراً.

إن ما جرى في أزقة رفح المكلومة ليس مجرد حدث أمني عابر، بل هو "خيانة متعمدة" كشفت عن وجه قبيح لمجموعات لفظتها الأرض قبل أن يلفظها التاريخ.

هندسة السقوط: كيف يُصنع "البديل المسخ"؟

لم تكن هذه الميليشيات وليدة الصدفة، بل هي نتاج "هندسة صهيونية" خبيثة استثمرت في وجع الناس وفوضى الجوع. حين تراجع الظل الأمني للمقاومة تحت وطأة القصف، أطلت "رؤوس الفتنة" من جحورها، مستغلة انكسار المنظومة المؤسساتية لتخلق "اقتصاداً أسود" قائماً على سرقة المساعدات ولقمة عيش النازحين.

إن الاحتلال، في سعيه لضرب المناعة الوطنية، حاول استبدال "البديل الوطني" بـ "بديل جنائي"؛ مجموعات بلا جذور، يقودها أفراد مثل غسان الدهيني وياسر أبو شباب، ممن لم يرثوا من عائلاتهم سوى الأسماء، بينما ارتهنت ضمائرهم لغرف المخابرات الإسرائيلية. لقد أراد المحتل أن يصور للعالم أن المجتمع الفلسطيني منقسم على نفسه، وأن الغزيين يلفظون مقاومتهم، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تماماً.

أدهم العكر: جوع الجسد وشموخ الروح

تتجسد الخيانة في أبشع صورها في تلك اللحظة التي سلمت فيها ميليشيا الدهيني القائد الميداني أدهم العكر لقوات الاحتلال. صُدم العالم بمشهد أدهم؛ ذلك البطل الذي فقد 70% من وزنه، لا بسبب ضعف في العزيمة، بل جراء حصار دام ثلاثة أشهر في أنفاق رفح، بلا ماء ولا طعام، تحت أزيز الطائرات وجرافات الهدم.

أدهم العكر، الذي رفض الانسحاب رغم إصابته بالغاز، يمثل "غزة الحقيقية"؛ غزة التي تجوع وتصمد خلف المبدأ. أما أولئك الذين كشفوا عن دورهم الوظيفي كأداة عملياتية للاحتلال؛ يخطفون، ويغتالون، ويثيرون الفوضى، ليقدموا خدمة مجانية للمحتل الذي عجز عن الوصول لأبطال المقاومة في ميادين المواجهة، فلجأ إلى "خونة الداخل" لسد عجز استخباراته.

المجتمع الفلسطيني: صخرة تتحطم عليها أوهام "روابط القرى"

لقد حاول الاحتلال بعث تجارب فاشلة من رماد التاريخ، مثل "روابط القرى" أو نماذج جنوب لبنان، ظانّاً أن العشائر والقبائل الفلسطينية يمكن أن تكون غطاءً لميليشيات العمالة. لكن الرد جاء صاعقاً وموحداً؛ فالعشائر ليست مجرد أسماء عائلات، بل هي "خزان الثورة" وحامية الحمى.

إن التبرؤ الشعبي والعشائري الواسع من هذه الميليشيات، وإدانة التجمع الوطني للقبائل والعشائر لجريمة اختطاف العكر، يثبت أن الحاضنة الشعبية للمقاومة لا تزال عصية على الكسر. إن "غزة الجديدة" التي يحلم بها الاحتلال عبر أدواته من أصحاب السوابق الجنائية وتجار المخدرات، لن تجد لها موطئ قدم في تراب جُبل بدم الشهداء.

الرسالة الأخيرة: العار للمحتل والخلود للأرض

إن استراتيجية تفتيت الواقع الأمني الداخلي التي تتبعها إسرائيل هي اعتراف صريح بالفشل في المواجهة العسكرية المباشرة. فبينما كان الاحتلال يحمي لصوص المساعدات ويقتل رجال الشرطة الذين يحاولون تأمينها، كان يهدف لضرب "المناعة الاجتماعية".

لكن التاريخ يُعلمنا أن الخونة هم دوماً "قشرة زائلة" على سطح المحيط. أدهم العكر في أسره هو "حر"، رغم القيد والجوع، لأنه يحمل قضية شعب. أما غسان الدهيني وأمثاله، فهم سجناء في زنازين عمالتهم، منبوذون من قبائلهم، وملاحقون بلعنات الأمهات.

ستبقى غزة، رغم الجراح ورغم "طعنات القريب"، جسداً واحداً وقلباً واحداً؛ تنبذ الفتنة، وتعرف بوصلتها جيداً، وتؤمن أن فجر الحرية لا تصنعه الأيدي المرتجفة التي تصافح المحتل، بل الأيدي السمراء التي تقبض على الزناد رغم الجوع والألم.