شبكة قدس الإخبارية

رؤية لتجديد المشروع الوطني في مواجهة مشروع التصفية

تهويد-القدس
مصطفى البرغوثي

من نافل القول التذكير بأن فلسطين تعيش منعطفاً تاريخياً لا سابق له، ومرحلة حاسمة صارت ملامحها الأساسية جلية تماماً ومنها:-

أولاً، قرار الحركة الصهيونية بكل مكوناتها استخدام الحسم في الصراع مع الشعب الفلسطيني ومحاولة تصفية قضيته الفلسطينية بكل مكوناتها واستكمال مشروع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في كل فلسطين.

ثانياً، تحول العنصرية الإسرائيلية ومنظومة الاحتلال الإسرائيلية نحو الفاشية في الأهداف والأسلوب والممارسات.

ثالثاً، تحالف الفاشية الإسرائيلية مع الفاشية الإمبريالية العالمية المعاصرة، ومحاولتها تولّي دور الإمبريالية الفرعية المسيطرة على الشرق الأوسط والمحيط العربي بكامله.

رابعاً، عدم التورع عن استخدام جرائم الحرب، بما في ذلك الإبادة الجماعية والعقوبات الجماعية والتطهير العرقي مجدداً.

خامساً، التفكك العربي والإقليمي في مواجهة الهجمة الاستعمارية والتطاولات الإسرائيلية على سيادة الدول ومصالحها، من الاعتداء المسلح على سورية ولبنان واليمن وإيران، إلى التآمر على مصر وتركيا والجزائر.

سادساً، عدم التورع عن خرق القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي والقرارات الدولية، بل الاعتداء على المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها وكالة الغوث الدولية ومؤسّسات الأمم المتحدة، بالتوازي مع شن حرب على المؤسّسات الدولية الإنسانية لمنعها من المساهمة في إسناد الاحتياجات الإنسانية للشعب الفلسطيني.

سابعاً، تمزيق (وتصفية) اتفاق أوسلو، وجميع الاتفاقيات الدولية مع الفلسطينيين وتجريد السلطة الفلسطينية من سلطتها وصلاحياتها وقدراتها، ومحاولة فصل قطاع غزّة بالكامل عن الضفة الغربية، والتدمير الممنهج عبر الاستيطان والقمع لإمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.

لا يمكن التعامل مع كل هذه المعطيات الخطيرة بمواصلة التعلق بنهج المراهنة على الحلول الوسط والمفاوضات التي ترفضها إسرائيل، واتفاق أوسلو الذي مات، والمراوحة في غياهب الماضي الذي اندثر... ولعل أكثر الأمور غرابة محاولة فرض ما تسمى "الشرعية الدولية" المستباحة، والتزامات (واتفاقات) السلطة الفلسطينية التي قوّضتها إسرائيل على باقي القوى الفلسطينية، وجعل ذلك الالتزام شرطاً للمشاركة في الانتخابات الفلسطينية.

ولا يمكن على الصعيد الخارجي في العلاقات مع القوى والدول مواصلة استخدام أساليب الماضي في عصر صارت فيه سياسات الدول تدار بالكامل على أساس المصالح، وفي غياب شبه كامل للعقائد والمبادئ لدى معظم الدول خصوصاً الغربية منها. وهل هناك دليل على ذلك أوضح من موت القانون الدولي في غزّة وغيرها، ومن محاولات الرئيس الأميركي ترامب، وبالشراكة مع إسرائيل إلغاء الأمم المتحدة ومؤسّساتها واستبدالها.

لا يملك الشعب الفلسطيني وقواه الحية رفاهية الانتظار أو التردّد أو المراوحة في أساليب الماضي، وهو يواجه خطراً وجودياً بالمعنى الحرفي للكلمة، ولا يمكن الاكتفاء بوصف الأوضاع والتحدّيات، بدل وضع برنامج وخطة عمل استراتيجية فعالة لمواجهتها. ورغم الخسائر الفادحة التي لحقت بالشعب الفلسطيني نتيجة جرائم الإبادة والعقوبات الجماعية، واستباحة المستعمرين المستوطنين وإرهابهم، فإنه يملك ثلاثة عناصر قوة يستحيل على خصومه تصفيتها.

أولاً، وجود بشري صامد على أرض فلسطين بكل أجزائها، وهو وجود فعال، يتمسّك بإصرار بعدالة قضيته وحقوقه في العودة والحرية الكاملة وتقرير المصير.

ثانياً، حركة تضامن شعبي هائلة لم يسبق لها مثيل، جعلت قضيته موضع إجماع باعتبارها قضية الإنسانية الأولى في عصرنا التي ورثت المكانة النضالية والإنسانية للنضال الجزائري ضد الاستعمار الاحلالي، والفيتنامي ضد العدوانية الإمبريالية، والجنوب أفريقي ضد العنصرية والأبارتهايد.

ثالثاً، تاريخ نضالي حافل يمتد إلى ما يزيد عن مائة عام ضد الاستعمار الاستيطاني الإحلالي والاحتلال ومنظومة الأبارتهايد العنصرية، وتصميم شبابي عنيد على رفض الذل والخنوع والتسويات المفرطة، وإخلاص بلا حدود لقيم العدالة والكرامة والنضال الوطني. غير أن ما يفتقده الفلسطينيون الإجماع على استراتيجية نضالية وطنية بديلة لما فشل، تكون قادرة على توحيد النضال الفلسطيني لتغيير ميزان القوى لصالح الشعب الفلسطيني.

عبر الحراكات والمبادرات المختلفة والحوارات العديدة، بلورت المبادرة الوطنية ستة عناصر لاستراتيجية يمكن اعتمادها، ومناقشتها وتطويرها، أو إغناؤها وتعديلها، لتكون ما يمكن تسميتها أعمدة النضال الوطني الفلسطيني الستة للمرحلة المقبلة، وخلاصتها:- أولاً، استراتيجية دعم صمود الشعب الفلسطيني وبقائه على أرض فلسطين بكل الوسائل، وتبني مقومات هذا الصمود وعناصره بدءاً بإسناد الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة في ترميم ما دمره الاحتلال وإعادة إعماره، ومروراً بالضفة الغربية ومساندة أهلها، خصوصاً سكان القرى والمخيمات، على الصمود في وجه الهجمة الاستعمارية، أو بإسناد الوجود الفلسطيني الفاعل في الداخل. ويستطيع الجزء الأعظم من الثمانية ملايين فلسطيني المهجرين قسراً في الخارج القيام بالدور الرئيسي في دعم هذا الصمود، وسيكون ذلك، كما جرى في الماضي، تجسيداً لمشاركتهم في النضال الوطني لشعبهم.

ثانياً، مقاومة إجراءات الاحتلال واضطهاده بكل الأشكال، وما من شك أن نمط المقاومة الشعبية الذي وصل إلى ذروته سابقاً في الانتفاضة الأولى، وسفن كسر الحصار، ومظاهرات العودة وكسر الحصار سيكون الأكثر قابلية للانتشار والتأثير في المرحلة المقبلة.

ثالثاً، تصعيد حركة التضامن الدولي، بما في ذلك حركة المقاطعة وفرض العقوبات، وسحب الاستثمارات، والتي من شأنها أن تحول التضامن الدولي إلى قوة مادية مؤثرة في ميزان القوى.

رابعاً، وحدة نضال مكونات الشعب الفلسطيني وعملها في الداخل والأراضي المحتلة والخارج ضمن استراتيجية البناء والصمود وتغيير ميزان القوى لصالح الشعب الفلسطيني.

خامساً، اختراق صفوف الخصم، ومؤيديه في البلدان والحراكات، وذلك أمر يثبت جدواه وإمكانية تحقيقه ما رأيناه من تحولات في الرأي العام الأميركي تحديداً خلال حرب الإبادة على قطاع غزّة.

سادساً، بلورة قيادة وطنية موحدة للنضال على استراتيجية وطنية كفاحية مقاومة لمشروع التصفية والهجمة الفاشية، وهذا لن يتحقق بالبيانات واللقاءات التي لا تطبق نتائجها، والتحالفات العابرة، بل بالمشاركة الفعلية في ميدان النضال ومهماته. ولا بد هنا من استنباط الدروس مما جرى من تهميش لمنظّمة التحرير الفلسطينية، واحتوائها في مكونات السلطة التي استباحها الاحتلال، وبعد أن ثبت قطعاً استحالة بناء سلطة حقيقية ومستقلة تحت الاحتلال.

ما يحتاج إليه الشعب الفلسطيني من مناضليه وكوادره وطاقاته، ليس الانشغال مجدّداً بالصراع والانقسام على سلطة تحت الاحتلال، بل بإعادة بناء حركة تحرّره الوطني وتقويتها وتسخير الطاقات لذلك، ومنح أجيال الشباب الأمل والرؤية الصحيحة والصادقة للانخراط في النضال الوطني.