شبكة قدس الإخبارية

وهم الاستقرار عبر المال: قراءة في رؤية ترامب للمنطقة

LPCBQ3RVRZN4LIJAVAHSX7T7TQ

يمتلك دونالد ترامب، ومعه الدائرة الضيقة من رجال الأعمال المحيطين به جاريد كوشنر، توم باراك، وتيكوف وآخرون رؤية واضحة تجاه الشرق الأوسط، لكنها ليست رؤية سياسية أو أخلاقية، بل رؤية اقتصادية تجارية بحتة. ما يحرك هذه المجموعة ليس أمن "إسرائيل"، ولا استقرار المنطقة، ولا حقوق الأقليات أو الأفراد، بل حسابات الربح والخسارة، والاستثمارات، وصفقات النفوذ.

من منظور ترامب وفريقه، الشرق الأوسط ليس ساحة صراع تاريخي معقّد، بل سوق مفتوحة، ومجالًا لإعادة تشكيل الواقع وفق منطق المشاريع والعوائد الاقتصادية. الهدف واحد: تعظيم المصالح التجارية الأمريكية، حتى لو جاء ذلك على حساب حقائق الجغرافيا والتاريخ وطبيعة المجتمعات في المنطقة.

غزة: وهم الاقتصاد في ساحة الصراع

خطة ترامب لقطاع غزة قد تبدو على الورق جذابة: ميناء بحري، مطار دولي، أبراج تجارية، شبكة قطارات، ومشاريع عمرانية وسياحية. مثل هذه الرؤية قد تنجح في مناطق مستقرة أو خارجة من نزاعات غير أيديولوجية. لكنها تفشل جذريًا في بيئة كغزة، حيث الصراع ليس اقتصاديًا في جوهره، بل سياسي وطني وجودي.

الفلسطينيون لن يتخلّوا عن نضالهم مقابل مشاريع اقتصادية، ولن يبيعوا الأرض التي يقاتلون من أجلها مهما بدت الإغراءات مغرية. الصراع هنا ليس على مستوى المعيشة فقط، بل على الهوية والسيادة والحق التاريخي. كما أن الدول العربية، رغم تغير خطابها العلني، لن تضحي بطموحاتها الإقليمية أو مواقفها الجوهرية مقابل مشاريع اقتصادية أمريكية. لهذا السبب، فإن خطة ترامب لغزة محكوم عليها بالفشل على المدى الطويل، سواء بوجود حركة حماس أو في غيابها. فهي لا تعالج جذور الصراع، بل تحاول الالتفاف عليها بأدوات السوق.

حماس، "التكنوقراط"، واللعبة المؤجلة

ليس من قبيل الصدفة أن تعلن حركة حماس استعدادها لنقل إدارة الشأن المدني إلى "لجنة تكنوقراط". هذه الخطوة لا تعني تخليها عن السلطة الحقيقية، بل هي مناورة سياسية ذكية تخدمها وتخدم في الوقت ذاته السلطة الفلسطينية وحركة فتح.

حماس ستحتفظ بسلاحها وبشبكتها الإدارية والأمنية، وستبقى فاعلة خلف الكواليس، بانتظار اللحظة المناسبة. استراتيجيتها واضحة: الصبر حتى نهاية ولاية ترامب، ثم العودة إلى الواجهة عبر انتخابات أو ترتيبات سياسية جديدة. من هنا، فإن الحديث عن "اليوم التالي" في غزة دون معالجة حقيقية لبنية القوة على الأرض، هو حديث مضلل.

سوريا: الاقتصاد قبل الأقليات وأمن "إسرائيل"

في الملف السوري، تتجلى براغماتية ترامب بأوضح صورها. من وجهة نظر إدارته، انتهى دور قوات "قسد"، وعلى هذه القوات أن تذوب في الدولة السورية تحت حكم الجولاني، دون سلاح أو نفوذ سياسي.

المصالح الاقتصادية الأمريكية تمر، وفق هذا المنطق، عبر نظام قادر على فرض الاستقرار وتقديم الضمانات للاستثمار، حتى لو كان هذا النظام سلطويًا أو ذا خلفية جهادية. برج ترامب في دمشق، كرمز، يبدو أهم لدى الرئيس الأمريكي من مصير الأقليات الدينية والعرقية، بل وحتى من أمن "إسرائيل" على المدى البعيد. التموضع السني التركي في سوريا، وما يحمله من تداعيات استراتيجية، لا يشكّل أولوية حقيقية لإدارة ترامب. فالمهم هو وجود سلطة مركزية قوية، قادرة على ضبط الأرض وفتحها أمام المشاريع والاستثمارات.

الجولاني "الرجل المناسب" وتركيا "شرطي المنطقة"

من منظور ترامب، الجولاني هو "الرجل المناسب في الوقت المناسب": ديكتاتور قادر على فرض النظام وتنفيذ التفاهمات، بغض النظر عن ماضيه أو أيديولوجيته. لذلك، اختارت الإدارة الأمريكية الوقوف إلى جانبه، وإلى جانب تركيا، بدل الأكراد والأقليات، وبدل الرؤية "الإسرائيلية" التي تفضّل تفكيك سوريا إلى كيانات أو أقاليم فدرالية على قيام نظام مركزي قوي.

تركيا، بقيادة أردوغان، تحظى بمكانة متقدمة في حسابات ترامب. فهو يراها "الشرطي الإقليمي" القادر على ملء الفراغ الأمريكي، سواء في مواجهة تنظيم داعش أو في احتواء المحور الشيعي، دون الحاجة إلى تورط عسكري أمريكي مباشر في سوريا والعراق.

قطر والسعودية: محور "سني معتدل" وصفقات مفتوحة

إلى جانب تركيا، تدخل قطر والسعودية في معادلة ترامب الإقليمية. الهدف هو تشكيل محور "سني معتدل" يخدم المصالح الاقتصادية الأمريكية، ويدفع باتجاه توسيع "اتفاقيات أبراهام"، رغم الشكوك المتزايدة حول قابليتها للاستمرار في ظل التحولات الجارية في المنطقة. مرة أخرى، الاقتصاد هو البوصلة، وليس حل الصراعات أو تحقيق استقرار حقيقي.

إيران: الصفقة أولًا و"إسرائيل" لاحقًا

في الملف الإيراني، تتكرر القاعدة ذاتها. قرارات ترامب لا تنطلق من مصلحة "إسرائيل" بعيدة المدى، بل من حسابات الصفقة الممكنة. لا يمكن الجزم إن كان سيختار المواجهة العسكرية أو التسوية، لكن الأكيد أن الخيار الذي يخدم مصالحه الاقتصادية والسياسية سيكون الأرجح.

السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في قبول ترامب بتطبيع نظام إيراني بديل شكلي: سلطة عسكرية أو دينية جديدة، غير خامنئي، مستعدة لتقديم تنازلات لفظية دون تغيير جوهري في بنية النظام. نموذج شبيه بفنزويلا: إزاحة رأس النظام مع الإبقاء على جوهره. بالنسبة لـ"إسرائيل"، قد يكون هذا السيناريو كارثيًا على المدى الطويل.

الخلاصة: اقتصاد بلا جذور سياسية

في المحصلة، تقوم رؤية ترامب ورجال الأعمال المحيطين به للشرق الأوسط خصوصًا في غزة وسوريا وإيران على مصالح اقتصادية ضيقة، لا تأخذ في الحسبان تعقيدات الصراع، ولا تخدم بالضرورة "إسرائيل" أو استقرار المنطقة على المدى البعيد.

هناك ملفات يجب على "إسرائيل" أن تعارضها بحزم، وفي مقدمتها: سوريا، والتغلغل التركي، وأي انسحاب من مناطق استراتيجية، أو اتفاق أمني مع نظام الجولاني. وكذلك ملف غزة، حيث قد يبدو مريحًا إسناد إدارة القطاع لطرف آخر، لكنه في الواقع يمسّ بالسيادة "الإسرائيلية"، ويهدد بتبديد إنجازات الحرب. الاقتصاد وحده لا يصنع سلامًا، ولا يحل صراعات متجذّرة. ومن يراهن على ذلك في الشرق الأوسط، يراهن على وهم.