شبكة قدس الإخبارية

المستوطنات الـ19 الجديدة: كيف تُعيد "إسرائيل" رسم خريطة الضفة الغربية؟

Qalandia_checkpoint_-_panoramio_(535)

خاص - شبكة قُدس: أقرّ مجلس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، إنشاء 19 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، في خطوة تُعد من أبرز قرارات التوسع الاستيطاني خلال السنوات الأخيرة، نظرًا لاتساع رقعتها الجغرافية وتنوع أهدافها الأمنية والإدارية. ويشمل القرار مستوطنات قائمة جرى الاعتراف بها رسميًا، وأخرى كانت تُصنّف كمزارع أو بؤر استيطانية، إضافة إلى مستوطنات جديدة كليًا، في مناطق تُعدّ حساسة ضمن الصراع على الأرض.

وبحسب مصادر إسرائيلية، فإن أهمية القرار لا تكمن فقط في عدد المستوطنات، بل في توزيعها المدروس، الذي يهدف إلى ترسيخ وقائع جديدة على الأرض، خصوصًا في شمال الضفة، ووادي الأردن، والمفترقات المرورية الرئيسية، فضلًا عن تعزيز التواصل بين الكتل الاستيطانية الكبرى.

مستوطنات قائمة تُمنح صفة رسمية

من بين المستوطنات التي شملها القرار، تبرز تجمعات تُوصف بأنها مستقرة نسبيًا وتضم عشرات العائلات، مثل: "كيدا، وإيش كوديش، وجيفات هاريل، وبني كيدم". تقع المستوطنات الثلاث الأولى في منطقة "شيلو" وسط الضفة الغربية، فيما تقع بني كيدم جنوب شرق كتلة "عتصيون".

وترى جهات إسرائيلية أن الاعتراف الإداري بهذه المواقع يمنحها قدرة أكبر على التوسع العمراني وبناء مؤسسات وبنى تحتية عامة، بما يحولها من بؤر معزولة إلى مستوطنات دائمة قابلة للنمو.

العودة إلى مستوطنات أُزيلت خلال "فك الارتباط"

يتضمن القرار إعادة بناء مستوطنتين قديمتين في شمال الضفة هما "غانم وكاديم"، جنوب شرق جنين، بعد أن كانتا قد أُزيلتا خلال خطة "فك الارتباط" قبل نحو عشرين عامًا. وبذلك، تكون "إسرائيل" قد استكملت عمليًا العودة إلى جميع المستوطنات الأربع التي أُخليت آنذاك في شمال الضفة، بعد إعادة بناء "حومش وشانور" سابقًا.

وتحمل هذه الخطوة دلالات سياسية ورمزية كبيرة، إذ تُعد تراجعًا كاملًا عن أحد أبرز قرارات مطلع الألفية. كما ترى مصادر أمنية إسرائيلية أن لها أبعادًا ميدانية، خاصة أن شمال الضفة يُعد من أقل المناطق كثافة بالاستيطان اليهودي، ما جعله خلال مرحلة أوسلو يُصنّف في معظمه كمنطقة أ.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، فإن غياب المستوطنات، إلى جانب تقليص الوجود العسكري، أسهما في تصاعد المقاومة المسلحة، ما استدعى عمليات عسكرية متكررة. ومن هنا، يُتوقّع أن يُسهم تجديد الوجود الاستيطاني في تعزيز السيطرة الأمنية، ليس في شمال الضفة فحسب، بل على مستوى أوسع.

شمال الضفة: توسيع النفوذ وفتح مسارات جديدة

يحمل قرار إعادة بناء "غانم وكاديم" بعدًا إضافيًا يتمثل في فتح المجال أمام التوسع جنوبًا، باتجاه مناطق أُهملت منذ الانتفاضة الثانية، مثل محيط "سنور". كما تتحدث مصادر تخطيطية عن تصوّر لخلق امتداد استيطاني متصل مع مستوطنات "جلبوع"، وهو ما يتطلب تجاوز تصنيفات إدارية سابقة لبعض المناطق.

وادي الأردن: تثبيت السيطرة الجغرافية

تُعد مجموعة المستوطنات المقامة في وادي الأردن والمنحدرات الشرقية لجبال الضفة الأوسع ضمن القرار، إذ تشمل تسع مستوطنات من أصل 19. ووفق الرؤية الإسرائيلية، تهدف هذه الخطوة إلى ترسيخ الوادي كمنطقة ذات أغلبية يهودية، بما يتجاوز الأهداف المحلية لكل مستوطنة.

في الجنوب، يشمل القرار مستوطنات "ألنبي" قرب جسر ألنبي، و"ياتب" الغربية، و"نوف جلعاد"، إضافة إلى "كوخاف هشاحار" الشمالية (عين ساميا). ويُنظر إلى هذا الانتشار حول أريحا على أنه يُعزّز الكثافة الاستيطانية ويُضيّق المساحات المفتوحة، ويحدّ من التواصل الجغرافي بين القرى الفلسطينية الجبلية.

وتشير مصادر إسرائيلية إلى أن "حماية" طريق المعرجات، الذي يُعد محورًا استراتيجيًا لوادي الأردن، تُشكّل أحد الأهداف المركزية لهذا التوسع، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد عليه كطريق التفافي حيوي.

شمال الوادي: مستوطنات جديدة وسدّ الفجوات

في شمال وادي الأردن، يجري إنشاء مستوطنة "تامون" الجديدة، إلى جانب تنظيم مزرعة "هار بيزك" وتحويلها إلى مستوطنة رسمية. وتأتي هذه الخطوة في منطقة كانت تُعد شبه خالية، لكنها شهدت خلال السنوات الماضية تمدد بؤر بدوية وتصاعد نشاط مسلح، بحسب التوصيف الإسرائيلي.

وتوضح المصادر أن إنشاء مزارع رعوية شكّل المرحلة الأولى للسيطرة على هذه المساحات، بدءًا من طريق تياسير، وصولًا إلى دير قرنطل، ثم "تامون"، التي تُعد حلقة وصل بين وادي الأردن وشمال الضفة، بعد أن كانتا منطقتين منفصلتين جغرافيًا.

كما تُنسب "لتامون" أهمية إضافية تتعلق بمكافحة التهريب، إذ ترى "إسرائيل" أن المنطقة كانت تمثل الممر الأخير شبه المفتوح على طول طريق المعرجات، وأن إقامة مستوطنة دائمة فيها ستُسهم في إغلاق هذا المسار.

حماية الطرق والمفاصل الحيوية

يشمل القرار إنشاء مستوطنتين في مواقع تُصنّف كمفاصل مرورية استراتيجية. الأولى هي "ياتسيف" على الطريق الرابط بين القدس وشرق "غوش عتصيون"، في موقع قاعدة عسكرية مهجورة. أما الثانية فهي "ياعير إل كيرين" على الطريق السريع 60 بين غوش عتصيون وحلحول.

وتقع مستوطنة "ياعير إل كيرين" في منطقة غابات نادرة، وتقول مصادر إسرائيلية إن المخطط يهدف إلى منع ما تصفه بـ"السيطرة العربية الزاحفة" مع الحفاظ على الغطاء الحرجي.

تعزيز التسلسل بين الكتل الاستيطانية

أربع مستوطنات أخرى تهدف إلى تعزيز التواصل الجغرافي بين كتل استيطانية قائمة. ففي شمال الضفة، يُتوقع أن تُسهم "ريحانيت" في ربط "غوش شاكيد" بمستوطنات أخرى مجاورة. وفي غرب رام الله، يُرجّح أن تكون "ميشؤول" امتدادًا لمستوطنتي "نيفي تسوف وبيت أرييه".

قرب "بيدويل"، يجري التخطيط لمستوطنة حضرية كاملة تُعرف باسم "روش هاعين" الشرقية، يُعوّل عليها في ربط جانبي "الخط الأخضر"، وتخفيف أزمة السكن، وتوسيع كتلة "دان" شرقًا. أما في جنوب جبال الخليل، فيُنتظر إنشاء مستوطنة جديدة لتعزيز التواصل بين "تلام وأدورة ونيغوهوت"، التي كانت حتى الآن شبه معزولة.

خريطة جديدة وواقع متحوّل

بمجملها، تُعيد هذه القرارات رسم الخريطة الاستراتيجية للضفة الغربية، عبر تكثيف الوجود الاستيطاني في مناطق فاصلة أو هامشية، وتحويلها إلى نقاط ارتكاز جغرافية وأمنية. وفي المقابل، تُنذر هذه الخطوات بتداعيات سياسية وأمنية واسعة، في ظل رفض فلسطيني ودولي متواصل للاستيطان، واعتباره عقبة رئيسية أمام أي تسوية مستقبلية.

وبينما ترى حكومة الاحتلال في القرار تعزيزًا لما تسميه «الأمن والسيادة»، يرى الفلسطينيون فيه تكريسًا لسياسة فرض الأمر الواقع، وتوسيعًا ممنهجًا للاستيطان على حساب الأرض الفلسطينية، بما يزيد من تعقيد المشهد، ويُبقي المنطقة أمام احتمالات تصعيد مفتوحة.