شبكة قدس الإخبارية

قرب "الخط الأصفر"… حياةٌ معلقة وحربٌ مستمرة

photo_2026-01-09_17-04-17
فاطمة زكي أبو حية

غزة - خاص قدس الإخبارية: مكعبات إسمنتية صفراء تُغيّر خارطة المكان إن تَغير مكانها، صارت كابوسا بالنسبة للساكنين بالقرب منها، يعيشون رعب ما يحدث خلفها، ويطالهم الكثير من الأذى الذي تكثر أشكاله من الرصاص والقذائف وحتى النزوح. 

يمتد الخط الأصفر من شمال قطاع غزة إلى جنوبه من الجهة الشرقية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقَّع في أكتوبر/تشرين الأول 2025، يسيطر الاحتلال على المناطق الواقعة خلفه ويُحظر على الفلسطينيين دخولها. 

وضعت قوات الاحتلال مكعبات صفراء من الإسمنت عند حدود هذا الخط، وبين وقت وآخر تتقدم قواته لتغيير مكان هذه المكعبات لفرض واقع جديد يستولي فيه على مزيد من المساحات ويدخلها ضمن حدود "الخط الأصفر" ضاربا عرض الحائط الاتفاقات المُوقعة والقوانين الدولية. 

يعيش السكان قرب تلك الحدود حياة صعبة، يلفهم الخطر من كل جانب، خاصة أن الميليشيات المتعاونة مع الاحتلال تنشط في تلك المناطق الميليشيات، ويعانون من ضعف وصول الخدمات لهم، ناهيك عن انعدام الاستقرار وخوفهم الدائم من إجبارهم على ترك منازلهم. 

الحرب مستمرة 

"ربما توقفت الحرب في بعض المناطق، لكن من يسكن قرب الخط الأصفر يعيش حربا أخرى، خوف وموت ونزوح متكرر"… بهذه الكلمات تلخّص آية كريم معاناتها في بيتها القريب من الخط الأصفر في حي التفاح بمدينة غزة. 

رغم خطورة الموقع، ورغم احتمال انهيار البيت لكثرة ما طاله من دمار، كانت سعيدة بالعودة له بعد توقيع اتفاق الهدنة أكتوبر الماضي، ولم يكن أمامها خيار آخر تلجأ له، كان أملها كبيرا بأن تستقر وتعيش بأمان مع أبنائها الثلاثة. 

ما لم تتخيله آية كريم أن المسافة الفاصلة بين بيتها والخط الأصفر ستتقلص، بعدما كانت 500 متر تقريبا، حركت قوات الاحتلال المكعبات الصفراء لتصبح على بعد أمتار قليلة. 

قبل شهر تقريبا، في ليلة شديدة الصعوبة والخطر، أغارت مجموعة من الميليشيات المتعاونة مع الاحتلال على المنطقة وأخرجت السكان بالقوة، فنزحت آية، كما كل جيرانها، ثم تقدمت قوات الاحتلال، وحركت المكعبات الإسمنتية الصفراء لتصبح أكثر قربا من بيتها، لكنها كانت محظوظة بأن بيتها لم يكن داخل الحدود الجديدة، فعادت له بعد أسبوع. 

لا يقتصر الخطر على تقدم قوات الاحتلال والسيطرة على المنطقة، بل تتعدد أشكاله، منها المسيرات "كواد كابتر" التي لا تفارق سماء المنطقة وتطلق الرصاص في كل الاتجاهات، بالإضافة إلى احتمالات استهداف المكان، فقبل فترة قصيرة سقطت قذيفة على جيران آية، فاستشهد عدد من آل السكني. 

وتقول: "عمليات النسف المستمرة خلف الخط الأصفر، بالإضافة لأصواتها المرعبة، نخشى أن تؤدي لانهيار بيوتنا على رؤوسنا، فهي تسبب اهتزازات كأن زلزالا يضرب المنطقة، فالبيوت أساسا مدمرة". 

وتضيف: "نعاني من مشكلة أخرى تتمثل في انقطاع الخدمات الأساسية عن المنطقة بشكل شبه كامل، مثل المياه، ونضطر لقطع مسافات للحصول على احتياجاتنا الأساسية كالطعام والأدوية، وتؤذينا كثيرا أكوام النفايات المتكدسة لعدم وصول طواقم البلدية لإزالتها". 

ما يزيد معاناتها، استشهاد زوجها ووالدها، فالفقد جعلها مضطرة لتأمين صغارها وتوفير احتياجاتهم بنفسها. 

آية، وأغلب الجيران باقون في بيوتهم، والسبب، كما توضح: "ليس سهلا أن يبقى الإنسان قريبا من الموت، لكننا مجبرون على القبول بهذا الواقع لعدم وجود بديل، لن أعيش في خيمة فيها كل أشكال الذل لكي أبقى على قيد الحياة". 

حين تحرّكت المكعبات 

المخاوف الناتجة عن وقوع البيت ضمن الحدود الجديدة للخط الأصفر تحققت في حياة "أمل"، وهو اسم مستعار لخوفها من التحدث باسمها بعد التجربة المريرة التي عاشتها وأسرتها. 

تقول: "تعبت من النزوح، فعدت لبيتي في حي التفاح بعد الهدنة رغم أن قوات الاحتلال في الشارع الموازي للشارع الذي أسكن فيه، ظننت أن الحرب انتهت فعلا وأن قصر المسافة لا يشكل خطرا". 

وتضيف: "سرعان ما بدأ الاحتلال بالسيطرة المزيد من المساحات وإدخالها في نطاق الأصفر في مناطق أخرى، فتوقعنا أن يتكرر الأمر في منطقتنا، وزادت شكوكنا حين كثّف استهداف المكان بالقذائف مع تحليق المسيّرات على مدار الساعة إطلاق الرصاص منها". 

ذات ليلة، مع اشتداد الخطر، هرب السكان بعد منتصف الليل دون أخذ شيء، لكن قوات الاحتلال لم تتقدم في ذلك اليوم، فعاد بعض الناس لبيوتهم نهارا. 

تقول: "بعد هذه العودة، نزح بعض الجيران حاملين أمتعتهم، لكن الأمر ليس سهلا، لذا اضطر البعض للبقاء"، مضيفة: "بقيت مع من بقوا، لأن النزوح مكلف ماديا، ولا أعرف أين سأذهب، وأبنائي تعبوا من حمل الأثاث والحقائب، فلم يمضِ على عودتنا من النزوح السابق سوى شهر". 

في محاولة أخيرة لحماية الأسرة من الخطر، كانت النسوة من سكان المنطقة تأخذن صغارهن ليلا وتتجهن للمبيت في أماكن أخرى كبيوت الأقارب، ويبقى الرجال والشباب في البيوت لحمايتها من اللصوص، ويلتئم شمل الأسرة نهارا. 

بعد نحو أسبوع من التنقل اليومي المرهق، وبينما كانت سوزان في طريقها للبيت في وقت الظهيرة، اتصل ابنها ليخبرها بضرورة البقاء في مكانها، لأن "الوضع صعب". 

انهارت باكية، وارتفع ضغط الدم عندها، وعاشت ساعات لا قدرة لها على وصف مشاعرها خلالها، فزوجها وابناها الكبيران في البيت. 

ما الذي حدث؟ اقتحمت عناصر من الميليشيات المتعاونة مع الاحتلال المنطقة، احتجزوا الرجال، وأطلقوا الرصاص فوق رؤوسهم، وحققوا معهم بأسئلة عن أشخاص محددين، ثم منحوهم مهلة للخروج من المكان قبل نسفه، المهلة ربع ساعة فقط، وبعد محاولات كثيرة من السكان مددوا الوقت نصف ساعة. 

زوجها مريض سكري تشققت قدماه من أثر الانبطاح أرضا أثناء إطلاق النار، أما ابناها فمرضا نتيجة الرعب الذي عاشاه. 

حاولوا حمل أغراض من البيت قدر ما استطاعوا، لكن ما حملوه لا يساوي شيئا من احتياجات الأسرة التي نزحت في بيت أحد المعارف، لكن المهم أنهم عادوا إلى حضنها بسلام، كما تقول. 

تقدمت قوات الاحتلال لتسيطر على المائة متر الفاصلة بين بيتها والخط الأصفر، وأكثر، ولم تعد تعرف شيئا عن بيتها، ولكنها تتمنى أن تعود له ذات يوم، أو على الأقل تتمكن من أخذ الأساسيات منه. 

وتوضح: "أعطانا أهل البيت أغراضا تساعدنا، لكن احتياجاتنا كثيرة، ننام في غرفة نوافذها مفتوحة وجدرانها مشققة، بلا فراش أو أغطية كافية، تبدو الغرفة كقطعة ثلج في هذه الأجواء، وحين يسقط المطر يدخل من الشقوق فيُغرق الغرفة". 

تقول: "ظننا أن وقت الاستقرار حان، ثم اضطررنا للتحمل بسبب التعب من النزوح وعدم القدرة على تحمل تكاليفه مرة أخرى ولعدم وجود مكان نذهب إليه، والنتيجة أننا فقدنا كل شيء من جديد، لا أعرف إلى متى ستبقى على هذا الحال". 

محاولة للحل 

محمد عبد الهادي، يبعد بيته المتهالك عن الخط الأصفر نحو كيلو متر واحد، يرى نفسه محظوظا بالنسبة لجيرانه الأكثر قربا من تلك الحدود. 

مع الوقت، ومع سيطرة الاحتلال على مزيد من المساحات في أغلب المناطق ساورت عبد الهادي مخاوف من ابتلاع الخط الأصفر لبيته. 

يقول: "اقترب الاحتلال أكثر، يصلنا الرصاص الطائش، وتسقط القذائف على مسافات غير بعيدة، وأصوات النسف خلف الخط الأصفر تزلزلنا"، مضيفا: "نخاف من التوغل المفاجئ بما يحمله من خطر، ومن إبعادنا عن منازلنا مجددا". 

ويتابع: "جرّبنا النزوح بمرارته، ومن أصعب تفاصيله البدء من الصفر في كل مرة، أخشى أن يُخرجنا الاحتلال من بيتنا فجأة فلا نأخذ شيئا من أمتعتنا ونضطر لشراء كل شيء من جديد". 

الحل الذي توصل إليه عبد الهادي نقل بعض أمتعته لبيت أحد أقاربه، فإن نزح يكون قد أمّن شيئا من الأساسيات. 

يوضح: "نملك الحد الأدنى من احتياجاتنا، ليس أمامنا متسع للتخلي عن أي شيء، ومع ذلك تنازلنا واكتفينا بأقل القليل، الفراش والأغطية والملابس التي بقيت في البيت لا تكفينا، لكننا تحملنا نقصها لنجدها إن خرجنا من البيت فجأة". 

انتهاك للقانون الدولي 

بدوره قال "مركز غزة لحقوق الإنسان" إنه رصد "تصاعدًا خطيرًا في سياسة التساهل المفرط باستخدام القوة المميتة من قوات الاحتلال، حيث يتم إطلاق النار بشكل مباشر على المدنيين الفلسطينيين الذين يقتربون من الخط الأصفر أو يسكنون في محيطه، بما في ذلك المزارعين، والنازحين، والسكان الذين يحاولون الوصول إلى منازلهم أو أراضيهم".

وأضاف، في بيان أصدره الاثنين الماضي، أن فريقه الميداني وثّق "إقدام قوات الجيش الإسرائيلي على التوسيع المتكرر لنطاق الأراضي الخاضعة لسيطرتها ضمن الخط الأصفر حيث ارتفعت نسبة هذه الأراضي من 53 % إلى أكثر من 60 % في غضون الأسابيع الثلاثة الماضية، حيث تعمل تلك القوات على تحريك الكتل الإسمنتية الصفراء التي تحدد بداية الخط والتي يمنع على الفلسطينيين تجاوزها".

وبحسب البيان: "وثّق المركز استمرار عمليات الهدم والتجريف المنهجي لما تبقى من منازل وممتلكات مدنية داخل نطاق الخط الأصفر، حيث تعمل قوات الاحتلال على تدمير أحياء سكنية بأكملها أو ما تبقى منها، في إطار سياسة واضحة لفرض واقع ديموغرافي وأمني جديد، يهدف إلى منع السكان من العودة إلى مناطقهم الأصلية، ويشكّل جريمة تهجير قسري محظورة بموجب القانون الدولي".

وأكد أن "هذه الممارسات تمثل انتهاكًا مباشرًا لبنود اتفاق وقف إطلاق النار، الذي يفترض أن يضمن وقف الأعمال العدائية، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لعودة السكان إلى مناطقهم ومنازلهم، لا فرض خطوط عسكرية جديدة داخل المناطق المأهولة، أو استخدام الاتفاق كغطاء لمواصلة السيطرة الميدانية بالقوة".

#غزة #الخط الأصفر