شبكة قدس الإخبارية

سوريا الجديدة بين التطبيع والاتفاق الأمني: إلى أيهما أقرب؟

1-1807636
علاء الريماوي

أعاد الحديث عن عودة  المحادثات المباشرة بين الجانب السوري والإسرائيلي إحياء نقاشٍ حاد بين المشككين في النظام السوري الجديد والمؤيدين له، انطلاقًا من سؤال مركزي: هل تتجه سوريا نحو التطبيع الكامل والانخراط في المشروع الأمريكي للسلام؟

الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون انطباعية أو عاطفية، بل تتطلب منهجية تحليلية دقيقة تستند إلى الوقائع والسياق التاريخي وموازين القوة. 

وعليه، يمكن مقاربة هذا السؤال عبر سردية تاريخية ومقاربات تحليلية على النحو الآتي:

أولًا: هل سبق أن دخلت سوريا في مفاوضات مع إسرائيل؟

الإجابة نعم. فمنذ احتلال إسرائيل للجولان عام 1967، شهدت العلاقة السورية–الإسرائيلية مفاوضات مباشرة وغير مباشرة، بوساطات أمريكية وغير أمريكية، أبرز محطاتها:

 1. مفاوضات ما بعد حرب 1973، بوساطة أمريكية قادها هنري كيسنجر، وأفضت إلى اتفاق فك الاشتباك عام 1974.

 2. مؤتمر مدريد للسلام (1991)، شاركت سوريا في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل على قاعدة استعادة الجولان المحتل مقابل السلام.

 3. جولات التفاوض في عهد حكومة رابين، تعثرت المفاوضات بعد اغتيال إسحاق رابين رغم الرعاية الأمريكية.

 4. مفاوضات عام 2000، جرت برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وفي ظل حكومة إيهود باراك، واقتربت من التوصل إلى اتفاق إلا ان التعنت الاسرائيلي افشل ذلك.

 5. الوساطة التركية عام 2008، محاولة لإحياء المسار التفاوضي بين الجانبين، لكنها فشلت لأسباب سياسية وأمنية .

هذه المحطات تشكل الخلفية التاريخية التي سبقت إحياء مسار التفاوض مع إسرائيل في ظل القيادة السورية الجديدة.

ثانيًا: طبيعة المطالب السورية وموقف إسرائيل منها

تشير المصادر السورية والإسرائيلية المعتبرة إلى أن جوهر التفاوض تاريخيًا كان يقوم على قاعدة الأرض مقابل السلام، أي انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة مقابل توقيع اتفاق سلام شبيه بما جرى مع مصر والأردن.

غير أن المفاوضات كانت تفشل دومًا بسبب مجموعة معيقات إسرائيلية، أبرزها:

 1. الأهمية الأمنية للجولان: إذ تعتبره إسرائيل خط دفاع استراتيجي منذ حرب 1973، وترى أن الانسحاب منه يشكل خطًا أحمر يتقدم على أي اعتبارات اقتصادية أو سياسية.

 2. غياب الحافز الإسرائيلي: حيث لم ترَ إسرائيل ضرورة لدفع أثمان سياسية كبيرة لاتفاق مع سوريا، لأسباب تتعلق بطبيعة الحكومات الإسرائيلية وبحسابات الربح والخسارة.

 3. ضعف الصيغ التفاوضية: التي لم توفر لإسرائيل إغراءً كافيًا للدخول في مسار تنازلات حقيقية.

 4. منطق اليمين الإسرائيلي: الذي رأى أن إسرائيل حققت في سوريا ما تريده أمنيًا وعسكريًا من خلال يدها الطولى في المعالجات الأمنية في سوريا دون الحاجة إلى اتفاق رسمي.

ثالثًا: طبيعة المفاوضات الجارية اليوم

تشير التسريبات من مصادر سورية وإسرائيلية إلى أن المفاوضات الحالية تتركز على اتفاق أمني أكثر من كونها اتفاق سلام شامل. 

إذ يقوم الطرح الإسرائيلي أساسًا على:

 1. إنهاء الوجود الإيراني في سوريا وإغلاق مساحات نفوذه.

 2. وقف خطوط إمداد السلاح إلى حزب الله والفصائل الفلسطينية.

 3. منع تشكّل قوى عسكرية معادية لإسرائيل داخل سوريا.

 4. الحفاظ على حرية العمل العسكري الإسرائيلي، وضمان ترتيبات خاصة في مناطق الدروز، مع بقاء نقاط أمنية إسرائيلية تتجاوز حدود الجولان.

 5. فتح مسار لاحق لاتفاق سلام من دون اشتراط الانسحاب من الجولان.

في المقابل، يدفع الجانب الأمريكي نحو اتفاق أشمل يتضمن:

 1. اتفاقًا سياسيًا ينهي حالة اللاسلم.

 2. اتفاقًا اقتصاديًا يشمل مناطق صناعية مشتركة، وفتح طرق تجارية، والتعاون في قطاع الطاقة.

 3. مأسسة التعاون الأمني عبر لجان تنسيق دائمة، على غرار التجربتين المصرية والأردنية.

 4. دمج سوريا استراتيجيًا في المنظومة الأمريكية سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

رابعًا: أين يقف الجانب السوري؟

النظام السوري يعيش حالة من الارتباك الشديد لحساسية المرحلة ومقارباته الداخلية والخارجية، فالمؤشرات العامة تدل على سعيه إلى انفتاح واسع على الولايات المتحدة، خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب والالتزامات السياسية المطلوبة.

أما في العلاقة مع إسرائيل، فما زالت هناك معيقات أمام اتفاق شامل، لكن الاحتمال الأقرب هو اتفاق أمني يلبي بعض المتطلبات الإسرائيلية، ومنها:

 1. إنهاء الوجود الإيراني العسكري.

 2. وقف خطوط إمداد السلاح.

 3. صيغة خاصة لمناطق الدروز.

 4. توسيع مناطق نزع السلاح.

 5. الدخول في غرفة تنسيق أمني مشترك.

 6. تطوير علاقات اقتصادية تدريجية تحت الضغط الأمريكي.

خامسًا: الفروق بين التفاوض سابقًا واليوم

 1. تغير جوهر المطلب السوري: سابقًا كان الانسحاب من الجولان شرطًا مركزيًا، أما اليوم فالمطلب يتركز على انسحابات من مناطق احتُلت خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

 2. تراجع مقومات الدولة السورية: سوريا تفاوض اليوم وهي دولة منهكة اقتصاديًا وعسكريًا.

 3. غياب التحالفات: تخوض سوريا التفاوض تحت ضغط أمريكي مباشر دون غطاء تحالفي.

 4. أولوية الإعمار والاحتياجات الإنسانية: وهو عامل لم يكن حاضرًا سابقًا بهذا الثقل.

 5. الهشاشة الداخلية: غياب التماسك الوطني يضعف الموقف التفاوضي ويفتح باب الابتزاز.

الخلاصة

المرحلة القادمة ستشهد ترسيخًا للعلاقة مع الولايات المتحدة وتبلورًا لعلاقة أوسع مع إسرائيل، يغلب عليها الطابع الأمني. المقاربة السورية تنطلق من منطق الاحتياج، وستُبرَّر المرونة العالية بضرورة تأمين شروط البقاء وإعادة الإعمار.

غير أن حالة عدم الاستقرار الداخلي ستُبقي سوريا في طور مخاض سياسي طويل، يمنعها من إنتاج سلوك سياسي منضبط في المدى القريب. تدرك إسرائيل ذلك جيدًا، كما تدرك غياب مظلة عربية أو إسلامية قادرة على حمل الملف السوري.

وعليه، ستظل سوريا في جوهر حركتها أسيرة البحث عن الحياة، تدفع في هذا المسار أثمانًا قاسية قد يصعب على مؤيدي الثورة السورية احتمالها، لكنها في الوقت ذاته ستمنح خصومها أوراقًا إضافية للمحاججة بصوابية مواقفهم من “سوريا الجديدة”.