شبكة قدس الإخبارية

"إسرائيل" في مواجهة القنبلة الديمغرافية

مركز رؤية للتنمية السياسية

فلسطين المحتلة - قُدس الإخبارية: يجمع باحثو الديموغرافيا في "إسرائيل" على أن أحد أهم التحديات التي تواجه الاحتلال هي الميزان الديموغرافي بين السكان اليهود والعرب، أي النسبة المئوية لكل فئة سكانية مقارنة مع الفئات السكانية الأخرى في نفس المجتمع.

فتاريخيا سعت الحركة الصهيونية وبمساعدة الانتداب البريطاني، إلى استقدام أكبر عدد ممكن من اليهود الى فلسطين. وبعد إقامة الدولة عام 1948 هجّر الاحتلال القسم الأكبر من الشعب الفلسطيني واستمر في استقدام أعداد ضخمة من اليهود من أنحاء متفرقة من العالم. وبقي التهديد الديموغرافي يلاحق صناع السياسة في "إسرائيل"، لأن السيطرة على الأرض،من وجهة نظرهم، تعني تفريغها من أصحابها الأصليين وتشجيع هجرة اليهود إليها.

القنبلة الديموغرافية 

 القنبلة الديموغرافية هي تعبير عن الزيادة الطبيعية لدى مجموعة معينة من السكان في نفس المجتمع مقارنة بالمجموعات الأخرى. وفيما يتعلق بـ"إسرائيل"، فان التهديد الديموغرافي يكمن في الزيادة الطبيعية للسكان العرب داخل الخط الأخضر، وكذلك للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

تعتبر الزيادة الطبيعية لدى الفلسطينيين من الأعلى في العالم،وخصوصا في قطاع غزة وعند بدو النقب، حيث قد تصل نسبة هذه الزيادة إلى 4.5% سنوياً. أما الزيادة الطبيعية عند سكان الضفة الغربية وباقي فلسطينيي الأرض المحتلة عام 1948 فقد تصل نسبتها إلى 3.5% سنوياً.

مقابل ذلك فان الزيادة الطبيعية لدى اليهود تبلغ 1% سنوياً، وهذا بفضل اليهود المتدينين "الحريديم"، الذين يكثرون من الإنجاب لأسباب دينية تتعلق بتحديد النسل، ولإيمانهم بأن الذرية اليهودية مباركة، ولزيادة عدد الذين سيستقبلون المخلص، مع العلم أن المتدينين يشكلون عبئا ثقيلا على الدولة، فهم لا يتجندون للجيش ويرفضون الالتزام بكثير من القوانين المدنية بحجة معارضتها لتعاليم التوراة.

أصبحت التعبيرات المترادفة، مثل التهديد الديموغرافي، والخطر الديموغرافي، والقنبلة الديموغرافية، وتحسين الميزان الديموغرافي، تحتل مكانة واضحة في النقاش السياسي والشعبي والأكاديمي، ليس فقط لدى الأحزاب والحركات المتعاطفة مع اليمين المتطرف، وإنما أيضا لدى بعض الأوساط التي تسمي نفسها ليبرالية في المجتمع الإسرائيلي.

إحصاءات ذات مضمون سياسي

في سنة 1800،أي في عهدالدولة العثمانية، بلغ عدد اليهود حوالي (6.700) نسمة من أصل (274.850) نسمة هم مجموع السكان،أي ما يعادل 2.4%، وفي سنة 1878 ارتفع عدد اليهود إلى (15) ألفاَ،يضاف لهم(10)آلاف يهودي يحملون صفة "رعايا أجانب" وقد بلغ عدد اليهود عام 1882 (24) ألفاً، أي بنسبة 5.3 % من مجموع السكان.

ومن أجل فهم الانقلاب الديموغرافيلا بد من الإشارة إلى أن نسبة اليهود في فلسطين الانتدابيةسنة 1882 كانت 5.3%، ثم ارتفعت إلى 50.6% سنة 1950، وإلى 63.8%سنة 1967 (فيطلسون، 2008). ورغم كل المحاولات التي تهدف إلى تهجير الشعب الفلسطيني وتشجيع اليهود للهجرة إلى فلسطين، إلا أن النسبة قد تعادلت في فلسطين الانتدابية في العام 2015 مما يجعل فكرة القنبلة الديموغرافية تساور كل من يؤمن بالانفصال عن الشعب الفلسطيني.

وتطور الحديث عن خطر التقارب في عدد السكان بين اليهود والعرب في فلسطين التاريخية خلال عام2015، حيث قال البروفيسور أرنون سوفير المختص في علم السكان: "إن نسبة اليهود في فلسطين التاريخية بلغت عام 1980 حوالي 64.7%، بينما انخفضت النسبة الى 49.9% عام 2000، ومن المتوقع أن تنخفض إلى 41.7% في عام2020 ".

أما آخر إحصائية أُجريت عشية رأس السنة العبرية عام 2015، فقد أشارت إلى أن نسبة السكان اليهود داخل إسرائيل بلغت 74% من مجموع السكان. (عوفر، 2015). والحديث عن الفرق بين هذه النسب والأرقام هو الذي يدفع متخذي القرار في إسرائيل إلى مناقشةالانفصال عن الضفة الغربية كما تم الانفصال عن قطاع غزة.

تراقب "إسرائيل" التهديد الديموغرافي في منطقة الجليل بشمال فلسطين المحتلة، حيث بلغت نسبة العرب هناك 56% سنة 2006،وبلغت النسبة في لواء عكا 65%، لذلك أقامت "إسرائيل" وزارة خاصة للجليل والنقب لمراقبة الميزان الجغرافي في هاتين المنطقتين، والعمل على استمراره لصالح السكان اليهود.

يكمن أحد التخوفات السياسية لدى "إسرائيل" في القوة التصويتية لدى العرب في انتخابات الكنيست، حيث يرى مراقبون أن قيام العرب في "إسرائيل" بترتيب صفوفهم ورفع نسبة التصويت في الوسط العربي، قد تؤدي مع الوقت إلى حصولهم على ثلث أعضاء الكنيست، وحينها سيشكل ذلك انقلابا انتخابيا يقلب "إسرائيل" الى "دولة كل مواطنيها" على حساب "الدولة اليهودية الصهيونية".

وأكثر ما يقلق الإسرائيليين هو التهديد الديموغرافي الحاصل في القدس، حيث بلغت نسبة العرب فيها عام 2006 حوالي 34%، ومن المتوقع وصولها إلى 38% عام 2020. لذلك، وبعد احتلالها عام 1967، قامت "إسرائيل" بضم الجزء الشرقي منها. وعلى مر السنوات التالية، ولتحقيق التفوق السكاني لصالح اليهود، قامت "إسرائيل" بالعديد من الخطوات التي من شأنها زيادة السكان اليهود عن طريق تشجيع هجرتهم إليها وتقديم التسهيلات والامتيازات لهم، وكذلك تخفيض نسبة المواطنين العرب عن طريق إجراءات انتقامية تهدف إلى تهجيرهم من المدينة المقدسة، مثل هدم المنازل ومنع البناء وسحب الهويات.

لكن في المقابل، يحاول بعض الإسرائيليين التقليل من أهمية التهديد الديموغرافي، مثل يورام أتنغر، القنصل الإسرائيلي السابق في نيويورك، الذي يعتبر أن التهديد قد زال في ظل الانسحاب من غزة، مع ضرورة الاحتفاظ بالضفة الغربية، حيث وصلت نسبة السكان اليهود في فلسطين الانتدابية بعد الانسحاب من قطاع غزة إلى 67%، ولذا فهو يعتبر أن التهديد الحقيقي هو في هجرة الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى داخل الخط الأخضر.

قوانين عنصرية للحفاظ على التفوق الديموغرافي اليهودي

عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على المحافظة على التفوق الديموغرافي اليهودي بعدة أساليب، أهمها تشريع القوانين التي تسمح وتشجع هجرة اليهود إلى فلسطين، وفي المقابل تشجع هجرة العرب من فلسطين عبر التضييق عليهم ومصادرة أراضيهم.

على رأس هذه القوانين قانون العودة الذي شرع عام 1950 والذي نص على ما يلي: "كل يهودي يحق له أن يهاجر الى البلاد،والهجرة تكون بعد الحصول على تأشيرة مهاجر. تأشيرة الهجرة تعطى لكل يهودي يظهر رغبته بالهجرة إلى إسرائيل، إلا إذا ثبت لدى وزير الداخلية أن مقدم الطلب يعمل ضد الشعب اليهودي، أو يمكن أن يسبب خطراً على صحة الجمهور أو أمن الدولة، أو كان صاحب سوابق جنائية ويمكن أن يشكل خطراً على سلامة الجمهور".

وقامت "إسرائيل" أيضا بالتأكيد على القوانين الانتدابية مثل قوانين مصادرة الأراضي، كقانون تملك الأراضي لعام 1943، والذي على أساسه تمت مصادرة أراضي قرى دير الأسد والبعنة ونحف لصالح توسيع مستوطنة كرميئيل. وقانون الطوارئ لعام 1945 الذي ينص في بند رقم (125) على حق الدولة في الإعلان عنأي أرض أنها أرض مغلقة يمنع الدخول إليها، كما حدث مع قريتي إقرت وبرعم اللتين مُنع أهلهما من الرجوع إليهما.

وقامت "إسرائيل" أيضا بتشريع قوانين تمكُن من توسيع الاستيلاء على الأراضي لتسكين اليهود والتضييق على العرب لدفعهم إلى مغادرة فلسطين، ومن الأمثلة على ذلك: قانون أملاك الغائبين لسنة 1950، الذي يجيز للقائم على أراضي الغائبين(الفلسطينيين الممنوعين من العودة) نقل الأراضي إلى دائرة أراضي إسرائيل "الكيرن كييمت"(نويبرغر، 1998). واعتمادا على القوانين المذكورة تمت مصادرة عشرات الآلاف من الدونمات.

محاولة الحد من الهجرة المعاكسة

مما يزيد التخوف لدى المؤسسة السياسية الإسرائيلية من القنبلة الديموغرافية هو الهجرة المعاكسة،أي هجرة اليهود إلى الخارج. وتزداد الهجرة المعاكسة عند تردي الوضع الأمني، والذي بدوره يؤدي إلى تراجع الوضع الاقتصادي. لقدأفادت وزارة الاستيعاب الإسرائيلية أن عدد الإسرائيليين الذين يعيشون في الخارج بشكل دائم قد بلغ في سنة 2012 حوالي750 ألفا.

تخشى "إسرائيل" أن تصبح الهجرة المعاكسة أكبر من عدد القادمين الجدد، كما حصل عام 1953حيث كان عدد الذين هاجروا هجرة معاكسة حوالي (13000)، بينما بلغ عدد القادمين حوالي (10000) فقط (انوخ، 2001). لذلك تعمل إسرائيل، وبكل الوسائل الممكنة، على الحد من هذه الهجرة التي تخل بالميزان الديموغرافي.

استقدام الروس والإثيوبيين

إضافة إلى ما سبق، فقد عملت إسرائيل، ومن أجل الحفاظ على التفوق الديموغرافي،على استقدام مجموعات ليست يهودية خالصة كالروس والإثيوبيين. ففي بداية التسعينات،وفي عهد إسحق شامير،تم استقدام ما يقارب من مليون مهاجر من دول الاتحاد السوفياتي السابق، حيث تسبب ذلك في قلب الميزان الديموغرافي بين اليهود والعرب، وإحداث تغييرات واضحة في بنية المجتمع الإسرائيلي نفسه.

لا شك أن استقدام المهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي السابق أدى إلى إبطاء ارتفاع نسبة العرب، حيث وصلت نسبتهم عام 2006 حوالي 18.2%(ألموغ و هورنشطاين، 2008).

لكن ورغم أن "إسرائيل" تدعي أنها تجمع شمل اليهود، ورغم أنها تسعى من وراء ذلك إلى الحفاظ على التفوق السكاني، إلا أنها واجهت أزمات جديدة، وتسببت بمشاكل اجتماعية خطيرة. فالروس يشعرون بالاستعلاء كونهم قادمين من دولة عظمى هي الاتحاد السوفياتي، ويتكلمون لغة عالمية، ونسبة الأكاديميين لديهم مرتفعة. لذلك فقد برز عامل ثقافي جديد في المجتمع الإسرائيلي، كان من معالمه بروز اللغة الروسية بشكل يكاد يوازي اللغة العبرية، والاحتفال بأعياد الميلاد الغربية، والمطالبة بالاعتراف بها كأعياد رسمية كباقي الطوائف.

أما الإثيوبيون، الذين يُعرفون بالفلاشا، فقد أضاف استقدامهم مشاكل اجتماعية جديدة لم يعهدها المجتمع الإسرائيلي، وذلك بسبب التشكيك بيهوديتهم وخضوعهم لعملية التهويد "الغيور"، التي تتضمن عمل حجامة دم لهم، وتعليمهم تعاليم الدين اليهودي، وتغيير أسمائهم، وغيرها من الإجراءات.

تنظر الغالبية البيضاء في المجتمع الإسرائيلي إلى هؤلاء الفلاشا نظرة دونية، شملت فصل أبنائهم في صفوف خاصة في المدارس، وفضيحة سكب دماء المتبرعين الإثيوبيين في المجاري مثال على هذا التمييز.

التصور الإسرائيلي لحل القنبلة الديموغرافية

حتى اليوم لم يتوصل الإسرائيليون على اختلاف انتماءاتهم السياسية والحزبية والفكرية إلى تصور معين يخلصهم من القنبلة الديمغرافية التي يخشون انفجارها في وجوههم. فهناك أفكار يتم تداولها للنقاش أحيانا ولجس النبض أحيانا أخرى. بعضها يتعلق بتبادل الأراضي مع السلطة الفلسطينية، والتخلص من منطقة المثلث ذات الأغلبية العربية، وبعضها يتعلق بتصورات حول الجليل والنقب، وربما يطرح بعضهم تصورات حول المواطنة والجنسية.

ومع استشعار الخطر الديموغرافي، يتصاعد الجدل السياسي حول الحل الأمثل، هل هو حل الدولة الواحدة أم حل الدولتين؟ فاليمين، كحزب الليكود و"إسرائيل" بيتنا والأحزاب الدينية، ليس لديه حل في ظل أيدولوجيته بشأن أرض "إسرائيل" الكاملة، ويحاول أن يظهر استخفافاً بالأمر. أما الوسط، وفي مقدمته حزب العمل، فيطرح حل إقامة الدولة الفلسطينية مع إمكانية تبادل للأراضي، وخاصة في منطقة المثلث. أما اليسار، ففي الغالب يطرح حل الدولة الواحدة ثنائية القومية.

الحل الأكثر تداولا في الأوساط السياسية، الإسرائيلية والعربية والدولية، هو الحل السياسي المرتبط بالانفصال عن الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذا ما أكده وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في مؤتمر سابان في الولايات المتحدة، ويؤكده مرارا الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيرس.

وأخيرا، شكُل البحث عن حل للخطر الديمغرافي هوسا للقيادة السياسية الإسرائيلية، تمثل في اقتراح غريب وعنصري قدمه البروفيسور ارييه أيسر،يوصي بتشريع قانون انتخابي جديد يمنح حق التصويت بناء على المستوى التعليمي، معتقدا أن ذلك يؤدي إلى خفض عدد الأعضاء العرب في الكنيست، حيث يقوم النظام الانتخابي على حرمان من لا يتقن الكتابة والقراءة من التصويت، وإعطاء من يمتلك التعليم المتوسط نصف صوت، على أن يكون التصويت عبر الحاسوب (ايسر، 2014).

إعداد: جلال رمانة - تحرير: عمر أبو عرقوب