شبكة قدس الإخبارية

عمر ماضي.. قرر نيل "الشهادة الأعظم" وفعل!

شيراز ماضي

الخليل – خاص قُدس الإخبارية: عاد من المدرسة بوجه حزين حاملاً شهادة الفصل الدراسي الأول بمعدل 88%، التقى بوالدته في البيت وبث لها حزنه وعدم رضاه عن معدل علاماته، لكنها طمأنته وقالت له: "مش مشكلة يما بتعوضها الفصل القادم"، فأجاب: "لا لا، أنا رح أجيبلك شهادة أعظم من شهادة المدرسة".

لم تكن هذه مجرد كلمات غاضبة من الفتى عمر ماضي (16 عاما) في لحظة أسف أو حزن، فالوعد الذي قطعه بشكل عابر أدخله حيزه التنفيذ بعد ذلك بوقت غير طويل.. فعمر ارتقى بتاريخ (10/شباط) الجاري خلال مواجهات في مخيم العروب شمال الخليل حيث يقيم مع عائلته.

بعد عدة أيام من وعده لأمه وإثر انتهاء الدوام المدرسي، ودع عمر أصدقائه قائلا، "سامحوني أنا بكرا مش رح آجي على المدرسة"، كما يروى زملاؤه في الصف، ثم عاد إلى البيت فوضع حقيبته المدرسية وقبل ابن شقيقته وتوجه إلى حيث اعتاد أن يذهب حيث المواجهات مع قوات الاحتلال، كما تقول والدة الشهيد عمر.

وتوجه عمر مع عدد قليل من أصدقائه إلى منطقة "المعسكر"، وهي منطقة يدرك مدى خطورتها كل من يسكن مخيم العروب، فهي قريبة من خط 60 وهو الشارع الالتفافي الذي يستخدمه المستوطنون، كما أنها مقابلة للبرج العسكري المقابل للمخيم، والذي يتربص جنود الاحتلال المتمركزين فيه بكل من يسير في المنطقة.

تقدم عمر حاملا حجارة لإلقائها على سيارات مستوطنين، لكن القناص الموجود في البرج كان له بالمرصاد، فأطلق عليه رصاصة أصابته أسفل صدره، واخترقت الكبد والطحال والرئتين وأدت لنزيف داخلي قوي، كما مزّقت الشريان الرئيسي للقلب وأدت لارتقائه شهيدا بعد دقائق من الإصابة حسب المصدر الطبي الذي عاينه.

والدة عمر علمت بإصابة أحد أبناء المخيم فأدركت دون أن ترى صورة للمصاب أو تسمع تلميحا أن المصاب هو ابنها، تقول، "كنت في البيت، وأجوا جاراتي خبروني انه في إصابة في المخيم، بس أنا كان قلبي بيحكيلي إنه ابني، فصرخت وقلتلتهم عمر استشهد، قالوا لي: لا مش عمر أجبتهم وقلت: والله عمر والله عمر"!

استشهد عمر الطفل المحبوب بين جميع أهالي مخيمه، صاحب الابتسامة الدائمة، والقلب الطيب المرهف، والذي يقدم المساعدة للجميع، الطفل التقي الورع، المتفوق جدا في دراسته، والذي انتظرت عائلته أن يحمل لها أفراحا كبيرة بالتفوق في الثانوية العامة بعد أعوام قليلة.

يقول شقيقه خضر، "كنت دايما احكيله انت ادرس وجيب معدل عالي، وأنا بوعدك إنك تدرس طب أو هندسة، حتى لو بدي اشتغل ليل نهار عشان أوفر مصروفك الجامعي".

ويضيف، "كان ينام جنبي بالفراش، أنا اليوم بفتقده. كمان كنت أحاول أمزح معه وكان يضحك، ضحكته خلص راحت وما رح ترجع" .. وتختنق الكلمات بدموع أبت إلا أن تسقط حزنا.

فيما يقول شقيقه معتصم، "أخوي زي الملاك، نزل على الأرض 16 سنة عشان يهدي الناس ويرغبهم بالدين.. كتير من أصحابه حكولي بعد استشهاده إنه عمر كان سبب هدايتنا".

ويتابع، "استشهاد أخوي عذبني، لإنه آخر مرة شفته فيها كانت قبل استشهاده بأسبوعين، ولما استشهد أنا كنت بشغلي بالداخل المحتل، وهيك الاحتلال حرمني من رؤية أخوي إلا في استشهاده".

12698397_1088249487918618_7908497106661070711_o

أما شقيقته هديل فتقول، "عمر ما بقدر أوصفه بكلمة، كان كتير حنون علي، كان دايما يستقبلني لما أزور أهلي، بعد استشهاده أنا رح افتقده، والله مش عارفة شو بدي أعمل لما اشتاقله".

وتضيف، "دايما بتخيل إنه كل هالناس اللي ببيتنا لمواساتنا، رح تروح ويرجع عمر يدخل علينا على الدار، لإنه هاد حلم اللي بنعيشه".

12719341_1088242104586023_3552145930159538684_o

ويشهد أهالي المخيم بمن فيهم معلموا عمر في المدرسة ورواد المساجد لعمر بأدبه وأخلاقه وتفوقه والتزامه، فيقول أستاذه في المدرسة نضال أبو عريش، "عمر كان طالب مجتهد ومؤدب ومحبوب من الكل، وبآخر يوم دوام اله بالمدرسة شفت وجهه بشع منه نور مش طبيعي، بس لو كنت عارف إنه رح يستشهد بنفس اليوم كان طلبت منه يشفع لي يوم القيامة".

وتوضح أم عمر، أنها كانت تلحق به إلى مواقع المواجهات بشكل مستمر وتعيده للمنزل بسبب خوفها الشديد عليه، لكنه كان يعود من طريق ثانية للمواجهات حتى إصابته قبل شهر من استشهاده برصاصة مطاطية في قدمه.

وتضيف، "هو كان كل يوم يحكيلي يما انا بدي استشهد، بس أنا كنت احكيله: لا بالأول كمل دراستك وادرس شيء منيح عشان تفيد بلدك فيه، بعدها اذا بدك تستشهد اقتل حدا من اليهود واستشهد".

وقبل استشهاده بيومين فقط خرج عمر إلى مدخل المخيم الرئيسي مقابل البرج العسكري خلال مواجهات اندلعت هناك، وأقدم على تكسير زجاج سيارة مستوطن على الخط الرئيسي، قبل أن يلوذ المستوطن بالفرار طالبا النجدة من الشرطة، كما تروي شاهدة عيان.

وتعلق والدته، "عمر ابني شهيد وبفتخر فيه، وهو الحمدلله أخذ الشهادة بجهد واستحقاق، مثل ما أي طالب بوخذ شهادة المدرسة باستحقاق".

نعم غيب الرصاص عمر، لكن جدران مخيم العروب ظلت بالرسمة التي خطها أبناء المخيم عليها تذكِّر أبناء هذا المكان والمارين منه أيضا بفتى المخيم ذو الشخصية الملائكية، تذكّرهم به كما يستحق.