متابعات قدس الإخبارية: في ظل الحرب الجارية مع إيران، يتصاعد الجدل داخل الأوساط الإعلامية الإسرائيلية حول طبيعة المعلومات المتاحة للجمهور وحدود نشرها، في تحول لافت يتجاوز مجرد تغطية العمليات العسكرية إلى نقاش أعمق يتعلق بكيفية إدارة المعرفة ذاتها خلال زمن الحرب.
في خضم هذا الواقع، طرح الصحافي والمحلل السياسي رفيف دروكر، عبر القناة 13 الإسرائيلية، تساؤلات حول الغياب شبه الكامل لنشر مواقع سقوط الصواريخ أو عرض مشاهد اعتراضها، إضافة إلى غياب الأرقام الدقيقة المرتبطة بالهجمات. وأشار إلى تطور واضح في سياسات النشر يمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل: مرحلة النشر الدقيق كما في حرب 2006، ثم مرحلة التقديرات التقريبية، وصولًا إلى المرحلة الحالية التي تتسم بالامتناع شبه الكامل عن نشر المعلومات الحساسة.
من جانبه، قدّم الصحافي جدعون ليفي في صحيفة هآرتس قراءة أكثر حدة، معتبرًا أن الإعلام الإسرائيلي انتقل من الامتثال للرقابة العسكرية إلى ممارسة الرقابة الذاتية. وبحسب تحليله، لم يعد الامتناع عن النشر مفروضًا فقط من الخارج، بل أصبح سلوكًا طوعيًا تتبناه المؤسسات الإعلامية وتعرضه بوصفه التزامًا مهنيًا.
ويشير هذا الطرح إلى تحول أعمق في بنية العمل الإعلامي، حيث باتت وسائل الإعلام تمارس الحجب المسبق للمعلومات، مع إعلان التزامها بقيود الرقابة، ما يعكس نموذجًا أكثر تعقيدًا لإدارة تدفق المعلومات.
على المستوى الرسمي، أظهر تحقيق نشرته مجلة 972 أن السلطات الإسرائيلية تفرض قيودًا صارمة تشمل حظر نشر المواقع الدقيقة لسقوط الصواريخ أو تصوير الأضرار بطريقة قد تكشفها. وتأتي هذه الإجراءات استنادًا إلى تعليمات الرقيب العسكري، الذي يؤكد أن الهدف منها هو منع أي فائدة عملياتية للخصم.
وتنعكس هذه القيود بوضوح في التغطية الميدانية، خاصة خلال البث المباشر، حيث تُجبر وسائل الإعلام على تعديل زوايا التصوير أو قطع البث لتجنب كشف مواقع حساسة، كما يُحظر نشر مشاهد قد تظهر إخفاقات في عمليات الاعتراض أو تفاصيل دقيقة عن منظومات الدفاع.
وفي ظل هذه القيود، يلجأ بعض الصحافيين إلى أساليب غير مباشرة لنقل المعلومات، مثل الاستناد إلى مصادر خارجية، بما فيها وسائل إعلام دولية أو حتى بيانات صادرة عن أطراف معادية، في محاولة للالتفاف على القيود المفروضة.
أما على صعيد الإعلام الدولي، فقد أورد موقع تايمز أوف إسرائيل نقلًا عن وكالة فرانس برس أن إسرائيل شددت قيودها لتشمل حظر البث المباشر لأفق المدن أثناء الإنذارات، ومنع تصوير اعتراض الصواريخ أو مواقع سقوطها قرب منشآت حساسة، إضافة إلى حجب المعلومات المتعلقة بالخطط العسكرية.
وفي هذا السياق، أشار مراسل "سي إن إن" أورن ليبرمان إلى أن الرقابة اتجهت نحو مستوى غير مسبوق من التشدد، خاصة تجاه وسائل الإعلام الدولية، التي أصبحت خاضعة لقيود تمنعها من بث مشاهد قد تكشف دقة الصواريخ الإيرانية أو مواقع منظومات الاعتراض.
ويبرز هنا أيضًا دور وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي نقل الرقابة إلى مستوى أكثر مباشرة عبر التهديد باتخاذ إجراءات ضد وسائل الإعلام المخالفة، بما يشمل تدخل الشرطة عبر الاحتجاز والتحقيق.
وفي مثال عملي، أوقفت الشرطة الإسرائيلية فريقًا صحافيًا تابعًا لـ"سي إن إن تركيا" أثناء تغطية ميدانية في تل أبيب، بدعوى تصوير منشأة أمنية، في مؤشر على تشدد الإجراءات على الأرض.
ولا يقتصر التحكم بالمعلومات على الحجب فقط، بل يمتد في بعض الحالات إلى نشر محتوى مضلل، كما حدث عندما بث مراسل عسكري إسرائيلي مقطعًا قيل إنه يظهر قاذفات أمريكية فوق طهران، ليتبين لاحقًا أنه مقتطع من لعبة محاكاة. وتكررت حوادث مشابهة مع وسائل إعلام أخرى، ما يثير تساؤلات ليس فقط حول ما يُمنع نشره، بل أيضًا حول دقة ما يُعرض للجمهور.
في موازاة ذلك، تعكس بعض التحركات الرسمية محاولة لاحتواء الشائعات، كما في ظهور رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في مقطع مصور لنفي مزاعم انتشرت حول مصيره، في ظل بيئة رقمية تشهد انتشارًا واسعًا للمحتوى المضلل والمولّد بالذكاء الاصطناعي.
في المحصلة، تكشف هذه السياسات عن ثلاثة مستويات من التأثير:
أولًا، تأثير معرفي يتمثل في تشكيل وعي عام قائم على معلومات محدودة؛
ثانيًا، تأثير خارجي يخلق حالة غموض لدى الخصوم بشأن نتائج الضربات؛
وثالثًا، تأثير تحليلي يمتد إلى الأطراف الأخرى التي تبني تقديراتها على هذه البيئة المعلوماتية الناقصة.
وبحسب بيان صادر عن مراسلون بلا حدود، فإن الحرب الجارية شهدت تصعيدًا في القيود المفروضة على الإعلام في عدة دول، بما فيها "إسرائيل"، ما يعكس اتجاهاً إقليمياً نحو تشديد السيطرة على تدفق المعلومات في أوقات النزاعات.



