الصلاة على أعتاب المسجد الأقصى تجسيد لرسالتنا بأننا أمة الحق في وجه القوة الغاشمة، أمة تمتثل لإرادة الله الحق الواحد ولا تخضع لفائض الجند والقوة والسلاح... الصلاة على الأعتاب هي رسالتنا بأننا بشر من قلب وعقل وروح قبل الأجساد، بشر لهم عقول تهتدي إلى الحق وقلوب تؤمن به وجوارح تمضي في ذلك السبيل، لا تُملي سلوكَها الغرائز والخوف والخضوع للقوة كما تريد حضارة إبستين أن تفرض على العالم.
الصلاة على الأعتاب رسالتنا لنقول بأننا إن عُدمنا كل سلاحٍ فلن نُعدم الإرادة، فتلك إرادة مبعثها الإيمان بأن لهذه الدنيا خالقاً منشِئاً مُسيّراً، أمره فوق كل أمر، ومشيئته فوق كل مشيئة، مآلنا إليه، نقدس ما أراده مقدساً رغم أنف كل قوة، فالمسجد #الأقصى مقدس إسلامي خالص، لا يقبل القسمة ولا الاشتراك حتى وإن كان محتلاً؛ سيبقى في قلوبنا أحد أقدس بقاع الأرض وأطهرها وأقربها إلى الله، رغم كل محاولات الاحتلال الممنهجة لتغيير هويته وتحويله إلى مقدس مشترك ثم إلى هيكل.
الصلاة على الأعتاب تقول بأنه حتى وإن كانت القوة الغاشمة تسمح للاحتلال بمحاولة فرض الوقائع فيه، إلا أن هذه القوة لن يستكان لها...
والصلاة على الأعتاب مراغمة وإعلان رفض، إعلان بأن إجراءات الاحتلال رغم قوته وعلوه في نظرنا باطلة ولاغية، ونتعامل معها في وعينا وكأنها منعدمة، فنذهب للصلاة فيه حتى وإن أعلن الاحتلال إغلاقه، لأن الاحتلال ببساطة ليس السلطة الشرعية التي تملك أن تقرر فيه، وليس له الحق في أن يملي القرارات بشأنه، فإرادة المحتل صفر في ميزان الإرادة الإلهية التي قررت مصير هذه البقعة المقدسة من فوق سبع سماوات، إرادة الاحتلال منعدمة في وعي أصحاب الحق، فهذا مسجدهم ولا يملك أحد أن يغلقه دونهم.
في زمن يظن الاحتلال فيه أنه قد قتل الروح في الشعب الفلسطيني وفي الأمة بل وفي البشرية كلها بحرب الإبادة على البث المباشر، وأنه لم يعد أحد يجرؤ على معارضته، أو التحرك بخلاف مشيئته، فالصلاة على الأعتاب استنهاض للروح التي لم تمُت، تثبت للمحتل بالتجربة العملية أن حرب الإبادة جريمة نعم؛ لكنها لم تقتل فينا الروح ولن تمنع إرادتنا من أن تتجدد، حتى وإن انبعثت من أبسط الأسباب بالصلاة على الأعتاب.
فالأقصى لمن يصلون على الأعتاب بوصلة استنهاض الإرادة وتجديد الروح، فالله استودع فيه من الأسرار ما جعله رايةً للحقِّ شاهدة، صخرة للحق ثابتة، من حيث يظن من ينظر لأسباب المادة أنه منكشف من كل سبب، إلا أنه مربوط برباط القلوب، تأتيه من كل صوب، فتُسيّجه وتحميه، وتشهد بأن الحق قائم ثابت لا يزيحه زبد الطغيان، وأن كل قوة عادية عليه مصيرها أن تتبدد على صخرته مهما كانت عاتية.
فالصلاة على الأعتاب رباط على الحق حتى يُظهره الله، والصلاة على الأعتاب مراغمة تغيظ الباطل وأهله حتى يُزهقه الله.



