متابعة – شبكة قدس: لم يكن دخول حزب الله اللبناني إلى المواجهة مجددا مع الاحتلال، في خضم العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران، مفاجئا بقدر ما كان متوقعا، في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في جنوب لبنان وتوسعها جغرافيا، ومواصلة استهداف المواطنين والمقاومين، إضافة إلى ضرب محاولات إعادة تأهيل البنى التحتية.
ويرى مراقبون أن الحزب وجد في أجواء هذه الحرب زخما سياسيا وميدانيا قد يسعى إلى توظيفه لتحجيم ما يصفه بـ”العربدة الإسرائيلية”، ومنع الاستفراد بلبنان، فضلا عن محاولة التأثير في الترتيبات النهائية التي قد تفرزها الحرب.
وبحسب تقارير قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” الصادرة في ديسمبر/كانون الأول 2025، سُجل أكثر من 10 آلاف خرق إسرائيلي للقرار 1701 منذ بدء التهدئة، بينها 8100 خرق جوي و2600 نشاط عسكري شمال الخط الأزرق. وأسفرت هذه الخروقات، وفق التقارير، عن استشهاد نحو 350 لبنانيا، معظمهم في غارات جوية، إلى جانب استمرار وجود القوات الإسرائيلية في خمس نقاط حدودية استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية.
ومع مطلع عام 2026، شهدت وتيرة الغارات الجوية تصعيدا واضحا، إذ أفادت تقارير بتنفيذ عشرات الغارات خلال شهر يناير/كانون الثاني وحده، في مؤشر على انتقال "إسرائيل" من سياسة الاحتواء الجوي إلى نمط ضغط جوي مكثف. وترافق ذلك مع توسيع رقعة الاستهداف لتشمل مناطق شمال نهر الليطاني، في تجاوز عملي للخطوط المنصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار والإطار التنفيذي للقرار 1701.
كما استهدفت "إسرائيل" مناطق قريبة من الحدود اللبنانية السورية، ولا سيما في محيط الهرمل، معلنة أنها قصفت معابر غير رسمية وخطوط إمداد تستخدم، بحسب روايتها، في نقل وسائل قتالية إلى حزب الله.
ولم تقتصر العمليات على الأهداف العسكرية، إذ شملت تدمير بنى تحتية ذات طابع مدني، بينها معدات بناء وآليات ثقيلة في عدد من قرى الجنوب.
وبررت "إسرائيل" هذه الضربات بالادعاء أن تلك المعدات تستخدم لأغراض عسكرية، خصوصا في ترميم أنفاق أو تحصينات تابعة لحزب الله، غير أن تقارير إنسانية صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” أشارت إلى أن هذه العمليات ألحقت أضرارا واسعة بالبنية التحتية المدنية، وأثرت مباشرة على قدرة السكان على العودة وإعادة الإعمار.
وبالتوازي مع العمليات الجوية والبرية، تطورت طبيعة العمليات الخاصة لتشمل توغلات سرية وعمليات اختطاف عبر الحدود؛ ففي 9 فبراير/شباط 2026، نفذت قوة إسرائيلية خاصة عملية داخل بلدة الهبارية جنوب لبنان، أسفرت عن اختطاف عطوي عطوي، أحد مسؤولي الجماعة الإسلامية، ونقله إلى داخل الأراضي المحتلة للتحقيق.
وتنسجم هذه المعطيات، التي تعد انتهاكا للسيادة اللبنانية وللاتفاقات القائمة، مع تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي أكد في خطاب متلفز عقب المصادقة على الاتفاق أن "إسرائيل"، “تحتفظ بحرية عمل عسكرية كاملة” ضد حزب الله، مشددا على أن قواعد الاشتباك السابقة “لم تعد قائمة”.
انطلاقا من ذلك، يرى مراقبون أن خطوة حزب الله لا يمكن فصلها عن سياق الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، إلا أن بعض الأصوات في الداخل اللبناني استغلت توقيت الخطوة للحديث عن “حروب الوكالة”، في محاولة للتشكيك بدور المقاومة، متجاهلة في الوقت نفسه مسألة السيادة اللبنانية وما تنطوي عليه من دلالات سياسية وقانونية في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة.
من جهة أخرى، يشير باحثون في الشأن العسكري إلى أن عودة حزب الله إلى القتال تعكس محدودية قدرة الدول، مهما امتلكت من قوة وموارد، على كسر إرادة التنظيمات الأيديولوجية غير الدولتية، فالتعامل مع هذا النوع من الفاعلين يشكل تحديا بنيويا للجيوش النظامية، إذ تقيد طبيعة الصراع حدود القوة التقليدية وتبقيه مفتوحا على الاستدامة. وحتى عندما تحقق الجيوش حسما عسكريا أو عملياتيا، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق نصر سياسي نهائي، وهو ما تؤكده عودة هذه التنظيمات إلى ساحة القتال.
لكن ما سبق لا يلغي أن استشهاد علي خامنئي، بوصفه مرجعية دينية لحزب الله، شكّل عاملا حاسما في تسريع قرار الانخراط في المواجهة؛ فاغتيال شخصية بهذا الوزن لم يكن حدثا عابرا في حسابات الحزب، بل يمكن اعتباره الشرارة التي دفعته إلى حرق بعض المراحل قبل الدخول المباشر في المعركة.
كما أن المواجهة التي تخوضها إيران تُعد، في نظر الحزب، معركة مصيرية تمس جوهر توازنات المحور الذي ينتمي إليه، ومن هذا المنطلق، يصعب تصور أن يقف حزب الله على الحياد في صراع يهدد بنية النظام الإيراني نفسه، لما لذلك من انعكاسات وجودية عليه؛ فأي تحول جذري أو سقوط محتمل للنظام في طهران سيضع الحزب أمام تحديات غير مسبوقة منذ تأسيسه، سواء على مستوى الدعم السياسي والعسكري والمالي، أو على مستوى الغطاء الإقليمي الذي شكّل ركيزة أساسية في مساره.



