شبكة قدس الإخبارية

إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

VTwiX
زياد ابحيص

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة المسجد الإبراهيمي في الخليل بإغلاقه وفقاً لتعليمات الطوارئ في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، ثم بعد ذلك بساعة، وفي الساعة 11:30 من صباح يوم السبت 28-2-2026، اقتحمت شرطة الاحتلال المسجد الأقصى المبارك وطردت المصلين منه، ثم أعلنت إغلاقه حتى إشعار آخر، تحت ذريعة الحرب وباعتباره "إجراء وقائياً".

لا توجد ملاجئ في منازل الفلسطينيين في الضفة الغربية، كما لا توجد ملاجئ عامة، والحال ذاته قائم في الشطر الشرقي من القدس، أما بين فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 فإن نحو 46% منهم على الأقل ليس لديهم مكان يلجؤون له من أي غارة وذلك وفق أرقام "مراقب عام الدولة" الإسرائيلي ذاته. باختصار، منع المصلين من المسجد، وإبقاؤهم في بيوتهم أو في أسواقهم أو شوارعهم ومنشآتهم لا يجعلهم أكثر أمناً، وما بعد حرب الإبادة في غزة، باتت فكرة حرص السلطات الإسرائيلية على سلامة أي فلسطيني لا تبعث على الضحك فحسب، بل ربما تبعث على الغثيان.

استهداف المسجد الأقصى والمسجد الإبراهيمي بهذه الإجراءات ينبع عملياً من رؤية إحلال ديني تتبناها الحكومة الصهيونية الحالية واليمين الصهيوني عموماً، ويقود هذه الرؤية تيار الصهيونية الدينية الذي بات التيار القائد في المجتمع الصهيوني، فهي تنظر للمسجد الأقصى بوصفه "جبل الهيكل"، ويجري كل فرد من أفرادها عملية إحلال ذهني عند ذكر هذه التسمية، فيزيل المسجد القائم ويتخيل الهيكل المزعوم، وكذلك الحال بالنسبة للمسجد الإبراهيمي الذي يرى فيه اليمين الصهيوني موقع "مغارة المكفيلاه"، أو "تربة آباء الشعب اليهودي".

باختصار، يهدف فرض إجراءات الطوارئ في الجبهة الداخلية على المسجدين لتحقيق هدفين: الأول تكريس السيادة الإسرائيلية المزعومة عليهما، باعتبار قرار فتحهما وإغلاقهما يتبع الحكومة الإسرائيلية وحدها، وتهميش الإدارة الإسلامية فيهما وهي الأوقاف الأردنية في حالة المسجد الأقصى والفلسطينية في حالة المسجد الإبراهيمي، ووضعهما في خانة المتفرج ومتلقي الإجراءات المفروضة عليه، أما الهدف الثاني فهو تكريس عزلة المسجدين، وبالذات المسجد الأقصى المبارك، إذ أن عزله عن المصلين وإغلاقه في شهر رمضان المبارك هو مناورة حية لإمكانية عزله والاستفراد به في أي وقت سواه.

ويمكن أن تُفهم خطورة هذا الإغلاق إذا ما وضعت في سياقها من زاويتين:

الزاوية الأولى: المحاولة التاريخية للتحكم بفتح الأقصى وإغلاقه: إذ أن محاولة انتزاع صلاحية فتح وإغلاق المسجد من الأوقاف استغرقت ما يزيد عن عقد كامل من الزمن، لكن لغاية التوضيح نتوقف عند مراحلها الثلاثة الأخيرة: وأولاها كانت في 14-7-2017 عقب عملية الجبارين الثلاثة التي أطلقت هبة باب الأسباط حين تحول قرار الصلاة على أبواب الأقصى إلى إرادة شعبية مقدسية وفلسطينية فرضت إزالة البوابات وفتح الأقصى. المرحلة الثانية جاءت في 23-3-2020، إذ جرى خلالها الانصياع لشروط الاحتلال في إغلاق المسجد تحت سيف وباء كورونا رغم أنه ساحة مفتوحة شاسعة يمكن ضبط التباعد فيها، واستمر هذا الإغلاق إلى ما بعد انقضاء رمضان وعيد الفطر حتى 31-5-2020 فيما كانت أسواق القدس والبلدة القديمة مكتظة بالمتسوقين. 

وكاد ذلك الإغلاق يتجدد حين أعلنت الحكومة الصهيونية تشديد قيود كورونا في 16-9-2020 إبان موسم الأعياد اليهودية حينها، لكن الأوقاف تراجعت عن إعلان "تعليق الصلاة" في اللحظات الأخيرة بعد الاعتراضات الشعبية والضغوط المتعددة التي رفضت مثل هذا القرار، فعمدت شرطة الاحتلال إلى تقييد الحركة خارج الأقصى لتفرض ما يشبه الإغلاق.

أما المقدمة الثالثة التي انتزعت فيها السلطات الإسرائيلية صلاحية إغلاق أبواب الأقصى من الأوقاف الأردنية بشكل نهائي فكانت حرب الإثني عشر يوماً مع إيران، حيث أغلقت الأقصى ما بين 13-25 من شهر يونيو/حزيران 2025. واليوم يُعلن الإغلاق الشامل للأقصى إلى أجل غير مسمى بعد هذه المقدمات ليصبح وكأنه صلاحية مُسلّم بها لحكومة الاحتلال!

الزاوية الثانية: المقدمات السابقة للحرب بتوسيع العدوان على الأقصى في رمضان: استبق الاحتلال الصهيوني شهر رمضان المبارك بحزمة إجراءات أفصحت عن تبدل مستجد في نظرة الاحتلال إلى رمضان باعتباره شهر اختبار آلة التصفية، فما يمكن فرضه من تهويدٍ في رمضان يفتح الباب لأضعافه بعد رمضان. ويخطط الاحتلال بالفعل لموجة عدوانٍ بعد رمضان مباشرة، وتحديداً خلال "عيد الفصح" العبري الممتد ما بين 1-8 من شهر نيسان/أبريل 2026، وموضوعها المركزي سيكون فرض القربان في الأقصى.

خلال الأيام العشرة الأولى من رمضان، والتي سبقت العدوان على إيران، شهد الأقصى:

1.  محاولة تغيير طبيعة إدارة المسجد الأقصى، ووقف إدخال جميع احتياجات المصلين والموظفين لحين مثول رئيس مجلس الأوقاف أمام شرطة الاحتلال.

2.زيادة ساعة كاملة على وقت الاقتحام خلال رمضان، بما يمهّد لزيادة مماثلة بعد رمضان، ويوسع نطاق التقسيم الزماني المفروض في الأقصى.

3.  تجديد المسعى الصهيوني للتقسيم المكاني باستهداف دار الحديث الشريف، وهي الأقرب لمصلى باب الرحمة الذي حاول الاحتلال اقتطاعه من قبل في 17-2-2019 لتأتي هبة باب الرحمة وتمنع ذلك.

4.  منع الاعتكاف في ليلتي الجمعة والسبت الأولَيان من رمضان، وتهديد المصلين بكتيبة من القوات الخاصة كانت حاضرة بكامل عتادها أمام الجامع القبلي لطرد المعتكفين إن حاولوا الاعتكاف.

5.  طرح مشروع قانون من شأنه أن يضع المسجد الأقصى المبارك تحت سلطة الحاخامية الرسمية في الكيان الصهيوني.

6.  تعميق تغول شرطة الاحتلال على المصلين يومياً، بالدوريات الراجلة التي تطوف بأسلحتها فوق رؤوسهم وتقف بين صفوف الصلاة، وتفتش وتعتقل وتعتدي على المصلين بشكلٍ يومي.

وقد سبق الحرب تحريض من منصات المستوطنين على إغلاق الأقصى أمام المسلمين بشكل نهائي، ما يعني أن الانتقال لسقف إغلاق الأقصى تحت ذريعة الحرب جاء تتويجاً لمسار من الإجراءات التهويدية، وبتكامل بين المستوطنين والحكومة ولم يكن وليد "إجراءات احترازية" أو سلامة مزعومة.

أمام هذه الوقائع والمقدمات، فإن إغلاق الأقصى لا بد أن يُقرأ بوصفه أحد الأعمال الحربية، وباعتباره هدفاً مبيتاً لتحقيقه عند انطلاق العدوان، يرسي القواعد للتقدم في مسارات التهويد الأربع التي كان الاحتلال أصلاً يتحرك باتجاهها في الأيام العشر الأولى من رمضان، وهي المسارات الإجمالية لتهويد الأقصى على المدى الأبعد: الهيمنة على إدارة المسجد، وتوسيع وقائع التقسيم الزماني، وتجديد معركة التقسيم المكاني، وتعميق السيطرة الأمنية واستعراض الطقوس باعتبارها تأسيساً معنوياً للهيكل يمهد لتقسيمه المادي.

في المحصلة وبلا مواربة: إغلاق الأقصى عمل حربي بأدوات ناعمة، لا بد من التصدي له وإفشاله بكل وسيلة ممكنة.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0