شبكة قدس الإخبارية

خاص: "مجلس السلام" يدير حربا هجينة بإعمار غزة ويكرّس الوصاية الدولية

photo_2026-02-22_11-20-31

خاص قدس الإخبارية: عكس اجتماع ما يعرف بـ"مجلس السلام" بداية مرحلة جديدة في قطاع غزة عنوانها إعادة الإعمار المشروط والترتيبات الأمنية متعددة الأطراف، غير أن النقاشات التي دارت داخله، كما يراها محللون، تكشف عن صراع أعمق حول المرجعية السياسية، وطبيعة الحكم، وشروط الأمن في غزة ما بعد الحرب؛ صراع يتجاوز مسألة السلاح ليطال تعريف القضية الفلسطينية نفسها وحدودها في المرحلة المقبلة.

وعلى الرغم من التعهدات المالية التي تجاوزت مليارات الدولارات لإعادة إعمار القطاع، فإن العنوان الأكثر حضورًا في كلمات المتحدثين كان ملف “نزع السلاح” وترتيبات الأمن الانتقالي، بما في ذلك الحديث عن قوة استقرار دولية وجهاز شرطة انتقالية. هذا التركيز دفع مراقبين إلى اعتبار أن المقاربة المطروحة تُعيد تعريف الأزمة في غزة بوصفها أزمة إدارة وسلاح، لا قضية سياسية مرتبطة بواقع الاحتلال والصراع الممتد.

كما برز خلال الاجتماع غياب واضح للتمثيل السياسي الفلسطيني الرسمي، مقابل حضور لجنة تكنوقراط إدارية، ما فتح الباب أمام مخاوف من إعادة تشكيل المرجعية الحاكمة في القطاع تحت مظلة دولية، في وقت لا تزال فيه الوقائع الميدانية تشير إلى استمرار سيطرة إسرائيلية على مساحات واسعة من غزة، وسط غموض بشأن آليات الانسحاب أو الضمانات السياسية المستقبلية.

انحياز للرواية الإسرائيلية

الباحث في الشأن السياسي أحمد الطناني رأى أن الاجتماع كشف “حجم انحياز غير مسبوق” داخل مجلس السلام لصالح الرواية الإسرائيلية، معتبرًا أن غالبية المداخلات ركزت على سلاح المقاومة والإدارة الداخلية لغزة، مع تجاوز واضح لجذر الأزمة المتمثل في الاحتلال.

وقال الطناني لـ شبكة قدس الإخبارية إن التقديرات المسبقة كانت تشير إلى وجود انحياز، “لكن ليس بهذا الشكل وبهذه الدرجة”، مشيرًا إلى أن شخصيات مؤثرة في المجلس، إلى جانب أطراف من الإدارة الأمريكية، صبت اهتمامها على الخطط الاستثمارية والاقتصادية، بما ينسجم مع الطرح الذي قدمته إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب، والذي ينظر إلى غزة من منظور اقتصادي أمني.

وأضاف الطناني أن هذا التوجه ينذر بمحاولة “نزع الصفة السياسية عن جوهر الصراع”، وتحويل القضية إلى مسألة حوكمة وإدارة واستثمار، بدل التعامل معها كقضية تحرر وطني. كما حذر من تجاوز النظام السياسي الفلسطيني الرسمي عبر الاستعاضة عنه بلجنة تكنوقراط مرجعيتها مجلس السلام، ما يفتح الباب أمام إعادة صياغة البنية السياسية في القطاع خارج الإطار الوطني المعترف به.

ولفت الطناني إلى خطورة تغييب مسألة الانسحاب الإسرائيلي من النقاش، رغم استمرار السيطرة الإسرائيلية على أكثر من نصف مساحة القطاع، معتبرًا أن تجاهل هذه النقطة قد يؤدي إلى تكريس واقع “مؤقت دائم”، على غرار نماذج سابقة في الأراضي الفلسطينية. كما أشار إلى مخاوف من ربط إعادة الإعمار بشرط نزع السلاح، بما يحول هذا الملف إلى أداة ضغط وابتزاز سياسي في المرحلة المقبلة.

حرب هجينة بأدوات الإعمار

من جانبه، وصف المحلل السياسي وسام عفيفة اجتماع 19 فبراير 2026 بأنه لم يكن “مؤتمرًا عابرًا”، بل إعلانًا عن انتقال الحرب على غزة من صوت الطائرات إلى لغة التمويل والجداول الزمنية وخطط الانتشار الأمني.

وأوضح عفيفة لـ شبكة قدس الإخبارية أن التعهدات التي تجاوزت 7 مليارات دولار، إضافة إلى 10 مليارات أمريكية، ترافقت مع أحاديث عن قوة استقرار دولية قد تصل إلى 20 ألف جندي، وشرطة انتقالية قوامها 12 ألف عنصر، بينما تكررت كلمة واحدة في صلب النقاش: نزع السلاح.

ويرى عفيفة أن المعادلة المطروحة تبدو في ظاهرها بسيطة: “إعمار وغذاء مقابل أمن، وسلاح مقابل استقرار”، لكنها في جوهرها تعكس نموذجًا لما سماه “حربًا هجينة بالإعمار”، حيث يُعاد تشكيل الحكم والأمن عبر التمويل المشروط والشرعية الدولية والقوة متعددة الجنسيات، بعيدًا عن الإرادة الفلسطينية المباشرة.

وأشار إلى أن مدينة رفح تُطرح كنقطة اختبار لهذا النموذج، معتبرًا أن نجاحه هناك قد يمهد لتعميمه على كامل القطاع. كما تحدث عن ثلاثة مسارات محتملة أمام المقاومة: الرفض والصدام بما يحمله من كلفة مرتفعة، أو المقايضة السياسية عبر إعادة تموضع منظم للسلاح بضمانات واضحة، أو الانتظار الذي قد يقود إلى تفكك تدريجي وتسليم بلا شروط.

وختم عفيفة بالتأكيد أن معركة ما بعد الحرب لن تُحسم داخل القاعات المغلقة، بل في قدرة أي صيغة مقترحة على توفير الأمن اليومي للناس: “خبز، معبر مفتوح، مستشفى يعمل، مدرسة تعود”، معتبرًا أن من ينجح في ضمان هذه الأساسيات سيكسب المعركة السياسية.

تكريس الوصاية الدولية

أما الباحث في الشأن الإسرائيلي سليمان بشارات فاعتبر أن انعقاد مجلس السلام في جلسته الأولى “أنتج مخاوف وشكوكًا أكثر مما قدم ملامح اطمئنان”، مشيرًا إلى أن الخطاب الأمريكي تقاطع بشكل واضح مع الأهداف الإسرائيلية، خاصة في ربط إعادة الإعمار والحالة الإنسانية بملف تسليم سلاح المقاومة.

ورأى بشارات في حديثه لـ شبكة قدس الإخبارية أن هذا الربط يمثل إعادة إنتاج لمفهوم الحرب على الفلسطينيين، لكن بأدوات مختلفة وتحت عنوان “سحب السلاح”، محذرًا من أن ذلك قد يُستخدم لإعادة هندسة الواقع السياسي والأمني في غزة وفق رؤية أمريكية إسرائيلية مشتركة.

وتوقف بشارات عند ما وصفه بتذويب الكيانية السياسية الفلسطينية خلال الاجتماع، لافتًا إلى أن رئيس اللجنة الإدارية علي شعث لم يُمنح توصيفًا سياسيًا واضحًا أسوة ببقية المشاركين، ما يعكس توجهًا لإبقاء المرجعية الفلسطينية تحت مظلة دولية أوسع، بحيث يصبح العنوان المستقبلي لغزة “عنوانًا دوليًا بوصاية”، لا عنوانًا وطنيًا خالصًا.

وأضاف أن الاحتلال، رغم انعقاد المجلس والحديث عن قوى استقرار دولية، ما زال يتعامل مع غزة وفق حساباته الأمنية والسياسية الخاصة، مشيرًا إلى مخاوف من نقل نماذج السيطرة المعمول بها في الضفة الغربية إلى القطاع. كما انتقد غياب جدول زمني واضح وخطة تنفيذية محددة، معتبرًا أن هذا الغموض قد يحول ملف الإعمار إلى أداة مساومة سياسية، خاصة فيما يتعلق بسلاح المقاومة.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0