شبكة قدس الإخبارية

إسرائيل في طريقها لإضفاء الشرعية على إعدام الفلسطينيين

israwe-3-1761226457
محمد القيق

 

يسعى الكنيست الإسرائيلي إلى تمرير مشروع قانون، في حال إقراره، سيسمح لسلطات الاحتلال بإعدام الفلسطينيين بشكل قانوني.

لم يحظَ هذا التطور باهتمام دولي يُذكر، لكنه يُمثل بالنسبة للفلسطينيين كابوسًا آخر يلوح في الأفق.

يُعدّ مشروع القانون جزءًا من الاتفاق الذي سمح بتشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الائتلافية في أواخر عام ٢٠٢٢. وقد طالب به إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الحالي، الذي قاد حملة قمع واسعة النطاق في الضفة الغربية على مدى السنوات الثلاثة الماضية.

في نوفمبر، اجتاز مشروع القانون القراءة الأولى، وفي يناير كُشِف عن بنوده: تنفيذ الإعدام في غضون ٩٠ يومًا من صدور الحكم، وعدم جواز الاستئناف، والإعدام شنقًا.

سيواجه الفلسطينيون المتهمون بالتخطيط لقتل إسرائيليين أو تنفيذ الحكم عقوبة الإعدام. وقد دعا بن غفير مرارًا وتكرارًا إلى إعدام الفلسطينيين، وكان آخرها خلال زيارته لسجن عوفر حيث صوّر نفسه وهو يُشرف على إساءة معاملة المعتقلين.

إن وصولنا إلى هذه المرحلة ليس بالأمر المفاجئ. فعلى مدى عقود، تجاهل المجتمع الدولي مصير الأسرى الفلسطينيين. خلال العامين والنصف الماضيين، لم يُسجّل أي رد فعل عالمي يُذكر على الممارسات الوحشية التي يتعرض لها الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية، سواء وُجهت إليهم تهم رسمية أم لا. وتُعدّ مساعي إسرائيل لتقنين إعدام الفلسطينيين الخطوة المنطقية التالية في سبيل القضاء على القضية الفلسطينية.

«أسرى» أم محتجزون؟

إن استخدام مصطلح «أسرى» للإشارة إلى الفلسطينيين المحتجزين لدى إسرائيل مُضلّل، إذ يُجرّد هذه القسوة من سياقها، ألا وهو الاحتلال العسكري والاستعمار الذي يعيشه الفلسطينيون. أما مصطلحا «أسرى حرب» أو «محتجزون» فهما أدقّ بكثير، لأن الفلسطينيين يُقتادون إما لمقاومتهم الاحتلال أو دون أي سبب على الإطلاق، بهدف ترهيب عائلاتهم ومجتمعاتهم.

حالياً، أكثر من ثلث الفلسطينيين المحتجزين لدى إسرائيل رهن «الاعتقال الإداري»، أي أنهم لا يواجهون أي تهم رسمية، ومن بينهم نساء وأطفال. كما يُحاكم الفلسطينيون في محاكم عسكرية منحازة بشكل صارخ ضد السكان المحتلين.

كنتُ أنا نفسي ضحية لهذا النظام القمعي من خلال الاعتقال التعسفي.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، اقتحم جنود إسرائيليون منزلي في رام الله واقتادوني، عذبوني وعزلوني لأسابيع دون أن يخبروني حتى بالتهمة الموجهة إليّ.

وفي النهاية، لفّقوا لي تهمة "التحريض" دون تقديم أي دليل. أبقوني رهن ما يسمونه "الاحتجاز الإداري"، وهو في الحقيقة اعتقال تعسفي. استمرت الانتهاكات، وخلال إحدى جلسات الاستجواب، هددني ضابط إسرائيلي بالاغتصاب.

عاملوني كالحيوان، محروماً من أي حقوق أو حماية قانونية. مُنع ممثلو اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارتي. لم يُفرج عني إلا بعد أن دخلت في إضراب عن الطعام لمدة ثلاثة أشهر، وتدهورت حالتي الصحية إلى مستوى خطير.

حدث هذا لي قبل عشر سنوات، قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بفترة طويلة. حينها، كان المجتمع الدولي يتغاضى عن انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي من خلال الاحتجاز الإداري وسوء المعاملة.

بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، تدهورت أوضاع أسرى الحرب الفلسطينيين، حيث انتشر التعذيب والتجويع والإهمال الطبي. قُتل ما لا يقل عن 88 فلسطينيًا في مراكز الاعتقال الإسرائيلية منذ ذلك الحين. والتزم المجتمع الدولي الصمت، مكتفيًا بإصدار إدانات ضعيفة بين الحين والآخر.

تقنين ما هو غير شرعي

يُعدّ سوء المعاملة الوحشي التي تمارسها إسرائيل بحق الفلسطينيين المعتقلين انتهاكًا صريحًا لاتفاقيات جنيف التي انضمت إليها. وبحكم كونهم تحت الاحتلال، يُعتبر الفلسطينيون فئة محمية، ولهم حقوق حرمتهم منها السلطات الإسرائيلية بشكل ممنهج.

ومع ذلك، فقد تقبّل المجتمع الدولي هذه الانتهاكات الصارخة. وتحت ستار مكافحة الإرهاب، حوّل الخطاب الدولي الفلسطينيين من شعب محتل إلى تهديد مشتبه به للأمن الإسرائيلي والدولي.

ولم تنجح حتى الصور المروعة وشهادات الاغتصاب الجماعي في مراكز الاعتقال الإسرائيلية في دحض هذا التصور الخاطئ.

في هذا السياق، لا يُعدّ مشروع قانون عقوبة الإعدام اقتراحًا متطرفًا؛ بل يندرج ضمن نمط المعاملة الوحشية للمعتقلين الفلسطينيين.

من وجهة نظر الفلسطينيين، يُعدّ هذا القانون أداة أخرى من أدوات الانتقام الإسرائيلي. وإذا ما أُقرّ، فإنه سينشر المزيد من الخوف، ويُضعف أي مقاومة سلمية ضد الاعتداءات العنيفة التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني وممتلكاته.

يمثل هذا القانون كابوسًا لكل عائلة لديها فرد مسجون في إسرائيل. فقد بلغ بهم اليأس حدًا لا يُطاق بسبب انقطاع المعلومات عن أحبائهم منذ حظر الزيارات وسط ارتفاع حاد في عدد الوفيات داخل مراكز الاحتجاز.

والأكثر فظاعة هو احتمال تطبيق القانون بأثر رجعي، ما يعني أن أي شخص يُتهم بالتخطيط لقتل إسرائيلي أو التسبب فيه قد يُعدم.

 تُشير تقارير حديثة في وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى أن الحكومة الإسرائيلية تتعرض لضغوطٍ للتراجع عن تطبيق القانون. وقد طُرحت بعض الاقتراحات لتعديل النص لجعله أكثر قبولاً. لكننا نعلم أن إسرائيل ستُقدم في نهاية المطاف على إعدام الفلسطينيين. وكما فعلت مع قوانين أخرى، ستُمارس مناوراتٍ خادعة لتقليل ردود الفعل، لكنها ستُواصل في الوقت نفسه ما تُريد فعله.

وبينما تُواصل إسرائيل اجتياحها لمعيارٍ قانوني دولي آخر، فإن أقصى ما يُمكن أن تحصل عليه هو "دعوات لضبط النفس" أو "بيانات إدانة". وقد مكّنها هذا الخطاب الضعيف من شنّ هجومها على القانون الدولي على مدى العقود القليلة الماضية، وخاصةً خلال العامين والنصف الماضيين.

إذا أراد المجتمع الدولي إنقاذ ما تبقى من النظام القانوني الدولي وحفظ ماء الوجه، فقد حان الوقت لتغيير نهجه جذرياً.

بدلاً من الاكتفاء بتصريحاتٍ ضعيفة حول احترام القانون الدولي، يجب عليهم فرض عقوبات على إسرائيل. لا ينبغي استضافة المسؤولين الإسرائيليين المتهمين بارتكاب جرائم ضد الفلسطينيين، بل يجب محاسبتهم.

عندها فقط يمكن أن يكون هناك أمل في عودة جميع الأسرى الفلسطينيين سالمين وبسلام، وهو أمر تم الاتفاق عليه بالفعل خلال اتفاقيات أوسلو. وعندها فقط يمكن أن يكون هناك أمل في وقف المساعي الإسرائيلية لتقويض القانون الدولي لكي تتمكن من التصرف كما تشاء في فلسطين.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0