شبكة قدس الإخبارية

خاص| تجميد الحسابات.. بنوك غزة تُضيّق الخناق على المواطنين

photo_2026-02-25_18-05-22
يحيى موسى

غزة - خاص قدس الإخبارية: تتناقض دعوة سلطة "النقد" والبنوك للمواطنين بالتوجه للتعامل خلال عمليات البيع والشراء عبر الدفع عبر التطبيق البنكي عبر الحسابات البنكية والمحافظ الإلكترونية، مع إجراءات يمارسها البنك وبعلم سلطة النقد تتعلق بإغلاق حسابات مواطنين، وتقييد عمليات التحويل بحد مالي معين يتم تجميد الحساب في حال تجاوزه، مع فاقم معاناة المتضررين والمواطنين بشكل عام عبر تقييد عمليات البيع والشراء، خاصة مع اعتماد معظم المحال التجارية في قطاع غزة على الدفع عبر التطبيق البنك، في ظل اهتراء العملات الورقية وقلة تداولها.

بلا سابق إنذار، تفاجأ الصيدلي أيوب علي خليفة بإغلاق حسابه في بنك فلسطين والذي فتحه قبل الحرب بثلاث سنوات، ما عطل كل معاملات شراء وبيع الدواء بصيدلية يملكها عبر التطبيق البنكي. وبالرغم من توجهه لفروع بنك فلسطين وقدم إيضاحات لفرع البنك في مخيم النصيرات وسط القطاع بأن استخدامه يقتصر على تسهيل معاملات الصيدلية، مع إبراز التراخيص والعقود، إلا أنه لم يستجب لطلبه منذ عام.

يحكي خليفة لشبكة "قدس الإخبارية" عن معاناته في محاولة فتح حسابه قائلا: "قدمت أكثر من عشر طلبات لاسترداد الحساب، وتوجهت لمكتب البنك بالسرايا بغزة، أعطاني أحد الموظفين رقم هاتفه المحمول لمتابعة الأمر، إلا أنه غير رقمه لاحقا"، واصفا، تعامل البنك بـ "السيء".

انعكس التجميد على حياة خليفة كحال الكثير من سكان القطاع ممن تجمد حساباتهم البنكية، ويقول: "بدأت أضع أموالي بحسابات متعددة، وكان أحد الأقارب قد أودع مبلغا بحسابي – قبل الإغلاق – وطلبه وحتى اللحظة لا أستطيع إعطائه المبلغ بسبب تجميد الحساب البنكي، بالتالي تراجعت عملية البيع بالصيدلية".

وعن مبرر البنك لإغلاق الحساب بحجة وجود حوالات كثيرة، قال: "كوني تاجر أبيع وأشتري فهذه الحوالات طبيعية في ظل غياب السيولة النقدية، كون لدي اثبات أن لدي صيدلية".

ويوميا يضطر خليفة بعد شراء أحد الزبائن للدواء للاتصال على شقيقه أو أحد أقاربه، للتأكد من وصول الحوالة البنكية، ويتكرر الأمر مرات عديدة خلال اليوم، وأحيانا يتأخر الرد على الاتصال، مما يؤدي لطول انتظار الزبون داخل السيارة، ما يدفعه في النهاية لعدم الرجوع مرة أخرى لشراء الدواء.

أما الطالب حمزة فأنشأ حسابا في بنك فلسطين للاستفادة منه في ظل عدم وجود سيولة والاعتماد الكلي على التطبيق البنكي في شراء السلع والمواد الغذائية، وبعد شهرين من فتح الحساب وفي ذروة أزمة التجويع وبعد وصول والده حوالة مالية بمبلغ بسيط جرى إغلاق الحساب بشكل كامل، وتجميد المبلغ المالي رغم "حاجة العائلة الماسة إليه خاصة أننا كنا نخطط للنزوح لدير البلح بسبب عودة واستئناف الحرب من جديد" يقول حمزة الذي طلب عدم الكشف عن اسمه كاملا لشبكة "قدس الإخبارية".

ويحكي:" انعكس التجميد بشكل كبير على حياتي خاصة أنني كنت أخطط لاستخدام الحساب للتسجيل في المؤسسات الداعمة لطلبة الجامعات وتوفير المنح الدراسية، وجاء إغلاقه في وقت كنت استعد فيه للتقدم لامتحانات الثانوية العامة. إغلاق الحساب كان له دور سلبي على حياتي النفسية خاصة أن هدفي منه كما ذكرت الحصول على أي دعم مالي قد توفره بعض المؤسسات الداعمة للطلبة المتفوقين".

وبعد التواصل مع إدارة البنك عشرات المرات عبر الهاتف، لإعادة تفعيل الحساب والاستفسار عن سبب إغلاقه، إلا أنه في كل مرة كانوا يطلبون منه البيانات والانتظار لأيام. استمر الأمر عدة أشهر دون أي جدوى، وأخبروه أن الأمر مرهون بإعادة فتح فروع البنك في غزة رغم أحاجته الماسة للمبلغ المالي داخل الحساب نظرا لسوء الأوضاع في غزة وحاجتهم لشراء احتياجاتهم.

وبعد الإعلان عن إعادة فتح مكاتب البنك لاستقبال الشكاوي أو فتح حسابات بنكية، توجه حمزة لفرع البنك بمدينة غزة لتقديم طلب إعادة تفعيل وفتح الحساب من جديد، لكن المفاجأة كانت أنه جرى إغلاق الحساب بشكل نهائي، وأن بإمكانه سحب المبلغ المالي على حساب آخر دون ذكر السبب أو المبرر.

وقبل أشهر جمد البنك نحو 700 حساب محام ومواطن في قطاع غزة (من أصل 2000 محام) دون سابق إنذار، وسط اعتصامات احتجاجية وتدخل من النقابة، إلا أن البنك أرجع الأسباب لـ "تحديث بيانات" أو "عدم الاستخدام"، فيما دعت نقابة المحامين المتضررين لتوثيق الأسماء لرفع دعوى قضائية أمام المحاكم المختصة في رام الله.

بعد حوالة بنكية قيمتها لا تتعدى 2000 دولار، جمد بنك فلسطين حساب المحامي أحمد محمد النونو، والذي بات لا يستطيع استخدام أمواله المجمدة لإدارة شؤون حياته، ويضطر للاقتراض من الأصدقاء، ويقول لشبكة "قدس الإخبارية": "أرسلت شكوى للبنك، لأنه لا مبرر للإغلاق فالمبلغ الذي لأجله جمد الحساب قليل. البنك يضغط علينا ويصعب الحياة التي هي بالأساس صعبة".

وفي ذروة مجاعة تعرض لها قطاع غزة تعرض حساب المحامي حسام الوادية للتجميد لمدة شهر، قبل أن يعاد فتحه بطلب من نقابة المحامين بأن يرسل التحويلات ولا يستقبل لمدة شهر، قبل أن يعاد تجميده منذ يونيو/ حزيران 2025، ويحكي الوادية لشبكة "قدس الإخبارية": "أغلقوا حسابي بشكل كامل وبات الحساب "غير فعال".

وأضاف الوادية: "تذرع البنك خلال الحرب بوجود عملية تحديث بيانات، وأن القضية ستحل عندما تفتح فروع البنك بعد الحرب. وعندما أبرم اتفاق وقف إطلاق النار، ذهبت لفرع لبنك وأخبرني الموظف أنه ليس لديه صلاحية بفتح صفحتي، وهذا الشيء أخبرنا به مدير الفرع فلا يعرف سبب المشكلة"، معتبرا ذلك "حكما بالموت عليهم".

وتابع: "البنك وجهنا لسلطة النقد، وبدورها أعادتنا إلى البنك، ولم تتضح لنا المشكلة وسبب الإغلاق، حتى تدخلت النقابة ورفعنا دعوى قضائية برام الله منذ شهر بعد توقيع على توكيل النقابة برفع القضية"، لافتا، إلى أن تداول المحامين خلال الحرب عبر التطبيق كان محدودا، وانحصر عملهم في إبرام عقود بسيطة.

وترافق مع إغلاق الحساب البنكي للوادية أيضا توقف محفظته الإلكترونية، ما أدى لمواجهة صعوبات حياتية كبيرة، "لولا وجود محفظة إلكترونية لزوجتي لكانت المعاناة أكبر، كالتي عاشها زملائي المحامون" يقول بمرارة.

ورأى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن قضية إغلاق الحسابات والتقييد التي تحدث أكبر من بنك فلسطين ذاته، ولها علاقة بضغوط خارجية تمارس تجاه البنك بحجة محاربة "الإرهاب"، والتي لا يجد أمام البنك خيارا إلا للاستجابة لتلك الضغوط، محاولا تفادي الوقوع في مشاكل مع الجهات الضاغطة، لافتا، إلى أن ذلك غير مبرر ويجب أن يتأكد من الممارسات "غير المشروعة" للحسابات ولماذا يتم التقييد، ويتحدث بشفافية عن معايير إغلاق الحسابات حتى يتجنب المواطن أن يكون فريسة لإغلاق الحساب.

ورغم وجود ما وصفه أبو قمر "الكثير من الإشكاليات" في تعامل البنك تجاه غزة، إلا أنه وخلال فترة من الفترات ساهم بشكل أو بآخر بمساعدة الناس بإتاحة التحويلات عبر التطبيق البنكي، وهي جزئية "تحسب للبنك"، في المقابل مطلوب من البنك حاليا، التوسع في فتح فروعه وعدم الاقتصار على فتح ثلاثة مكاتب له في قطاع غزة.

وأكد أبو قمر في حديثه لشبكة "قدس الإخبارية" أنه طالما تتم المعاملات بطريقة مشروعة فلا يوجد مانع من زيادة الحد المسموح، وقال: "نتحدث عن حسابات تتوقف نتيجة حوالات تصل إلى 2000 دولار شهريًا، وهذه مبالغ بسيطة مقارنة بارتفاع الأسعار ولا تساوي قيمتهم الحقيقية، ما يجعل المواطن يستنفد هذا المبلغ خلال أسبوع".

ورفضت إدارة بنك فلسطين التعليق لـ "شبكة قدس" على أسباب تجميد الحسابات وتفتح الشبكة الباب أمام البنك وغيره من المؤسسات المصرفية للرد

وبالرغم من أن سلطة النقد والبنوك كانت تسعى لتطبيق خطة "شمول مالي" بحيث يستخدم كل فرد بالمجتمع التعامل عبر الحسابات البنكية والمحافظ الإلكترونية، لكنها لم تنجح، إلا أن تطبيقها خلال الحرب نتيجة اهتراء العملات دون وجود بنية تكنولوجية في ظل انقطاع وضعف الإنترنت والكهرباء سبب الكثير من المشاكل وأدى لفشل عمليات بيع وشراء، وخلق معاناة لأهل غزة، إضافة لجهل كثير من المواطنين في التعامل معها مما عرضهم لعمليات نصب واحتيال.

ووفق القانون لا يحق للبنوك إغلاق أي حساب بنكي إلا بقرار قضائي أو بتعميم رسمي من سلطة النقد، وينص قانون المعاملات المصرفية رقم (9) لعام 2010، على أن الحساب البنكي عقد ملزم لا يجوز تقييده تعسفيا دون الرجوع لصاحبه أو توثيق الأسباب، وأن الإغلاق يجوز فقط في حال وجود شبهة جريمة مالية وفق قانون مكافحة غسل الأموال رقم (20) لعام 2015.

ونظم قانون التجارة الفلسطيني أحكام وقف الحساب البنكي في المادتين (113و 114) اللتين تنصان على أن الإغلاق يتم فقط بتعليمات من سلطة النقد.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0