شبكة قدس الإخبارية

حين تُغَيَّبُ قدسية الجغرافيا

فلسطين-1.jpeg-720x470
أحمد الشيخ

أما آن الأوان أن تعي كياناتنا القُطْرية وتدرك أن كل معضلاتنا منشؤها تضييع الوعي بجغرافيتنا وانسلاخنا من قدسيتها العقدية والتاريخية والحضارية!

أيهما أجدر بالأسبقية والنظر والاعتبار: الجغرافيا أم التاريخ؟

قد يطرأ هذا السؤال في ذهن من يراقب مآلات جغرافيا الوطن العربي من البحر المحيط غربا إلى الخليج والبحر المحيط شرقا وجنوبا.

ولعلي آثرت أن أستعمل وصف هذه البقعة الجغرافية بالوطن وليس بالبلدان أو العالم العربي، ذلك لأن الجغرافيا، حين تكون وطنا، كان ويكون لها، منذ بواكير العمران البشري، قدسية لا تنمحي في القلوب والأذهان والعقول.

فهو إذن وطن عربي واحد لا بلدان لا يربطها ناظم جغرافي طبيعي حكم حركة أهله وناسه على اختلاف مللهم ونحلهم، منذ أن انطلقت أولى قوافل المهاجرين من أعماق الصحراء في جزيرة العرب قبل أكثر من 5 آلاف عام، لتستقر إما في البقاع الأخصب شمالا وغربا في فسطين وبلاد الشام عموما، وفي بلاد ما بين النهرين في عراق اليوم، أو في اليمن "السعيد" بخضرته وشواطئه على بحر العرب وبحر القلزم العربي الأحمر، كما كان يسمى ذات زمن عربي يوم كان للجغرافيا حساب ووزن أساس عند تصنيف الدول قدرة وتأثيرا واتساعا.

فالجغرافيا هي الشرط الأول لبناء كيان بمقاييس عالمية أو إمبراطورية. فلا بد أن تتوفر القاعدة الجغرافية أولا كي يصنع التاريخ فوقها وبها وخارج حدودها. فالجغرافيا إذن قبل التاريخ، والتاريخ من صنع البشر، والبشر بحاجة للجغرافيا ليكتبوا على صفحاتها تاريخها وطنا، وتاريخ العالم من حولها.

مهد أولى الإمبراطوريات

ليست صنعة الإمبراطوريات بالأمر الغريب على الوطن العربي، ففي مشرقه قامت أول إمبراطورية في التاريخ، وهي الإمبراطورية الأكادية التي أنشأتها قبائل هاجرت من صحراء جزيرة العرب، وامتدت أراضيها في الفترة من 2334- 1154 ق.م لتشمل بلاد الرافدين وبلاد الشام كلها، وأجزاء من الأناضول، وإيران، ووصلت حملاتها العسكرية إلى الخليج العربي، وسواحل عمان.

أما في مغرب هذا الوطن، فقد أنشا الفينيقيون الكنعانيون، المهاجرون كذلك من صحاري جزيرة العرب، إمبراطورية تجارية واقتصادية وعسكرية في أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد، امتدت من بلاد الشام إلى اليمن وشمال أفريقيا، وذات زمن أيضا انطلق صاحبها حنه بعل من  قرطاجنة ليقف عند أبواب روما.

ومع أني لا أريد أن أسترسل خائضا في الماضي البعيد، فينبغي، ما دمنا نتحدث عن صنعة الإمبراطوريات في الوطن العربي، أن نشير إلى النقلة الإيمانية والحضارية التي قدمها الإسلام للعالم منذ أن أقام محمد، صلى الله عليه وسلم، دولته في المدينة، ثم امتدت لتصبح إمبراطورية، أعادت في بضعة عقود من الزمن تعريف حدود الجغرافيا والتاريخ.

تغييب قدسية الجغرافيا إرث قديم

إذن في ضوء هذا الإرث الزاخر بالوحدة الجغرافية وبالتاريخ النابع منها، كيف ولماذا أصبحت هذه الجغرافيا العربية وأهلها شذر مذر، كما تقول العرب؟ من يتحمل مسؤولية هذا التضييع للجغرافيا والتاريخ من أعمق أعماقهما، حتى يكاد الآن ينمحي إدراك الجغرافيا من الوعي الجمعي لمن يعيشون في هذا الوطن العربي؟

صحيح أن للأيام سننا من التداول بين الناس ترفع دولا وإمبراطوريات وتخفض أخرى، لكن شرط التداول لا يتم إلا بأيدي الناس أنفسهم. فحين يغيب عنهم الوعي بامتداداتهم الجغرافية، او يُغيبونه هم أنفسهم تقاعسا وتثبيطا يتحقق فيهم شرط التدافع والتداول بأيدي أعدائهم فيحيلونهم شذر مذر، كما هو حالنا اليوم، أرضا وناسا.

فكيف إذن آل بنا الحال إلى ما نحن عليه؟ وهل غياب أهمية الجغرافيا في وعينا نتاج عهد قريب أم إن له جذورا ضاربة في تاريخنا، هي أبعد من واقعنا اليوم في زمن الكولونيالية الغربية، التي تجثم بكل جبروتها ومكر أهلها فوق جغرافيتنا منذ 200 عام؟

ولعل مراجعة غير عاطفية لتاريخ هذا الوطن العربي تقودنا إلى أبعد من الزمن الكولونيالي الغربي. فمنذ أن آثر خلفاء بني العباس، وخاصة المتأخرين منهم، دعة الحياة وطيب القصور على ميادين الجهاد والفتح وأهملوا الوعي بالإرث الإمبراطوري الذي ورثوه من الأمويين بالقوة، بدأت الجغرافيا تنحسر من تحت أقدامهم، وتداعى عليهم من حولهم، إلى أن اجتاح المغول بغداد عام 1258م، وانتهت في الواقع العملي الإمبراطورية العربية المسلمة.

ومنذ ذلك التاريخ لم تقم للعرب، قومية، إمبراطورية أخرى لا في المشرق ولا في المغرب بالمعنى الجغرافي الواسع للإمبراطورية، بما يشمل الوطن العربي من المحيط المتلاطم إلى الخليج والمحيط الآخر جنوبا.

نعم وقعت انتصارات مثل حطين وعين جالوت وقامت كيانات، ولكن لولا الإمبراطورية العثمانية، كما أزعم، لوصلت إلينا الأهوال التي ألمت بشعوب القارتين الأمريكيتين بعد أن بلغها المستكشفون الغربيون منذ منتصف القرن الخامس عشر الميلادي.

لقد وعى الأتراك حين كانت دولتهم متحفزة أهمية الجغرافيا، لمن يريد أن يحمي نفسه، فحمونا من شواطئ شمال أفريقيا إلى تخوم الخليج وبحر العرب. وهم أيضا دالت عليهم سنن التدافع والتداول حين تثبط خلفاؤهم المتأخرون، فأخذت الجغرافيا تتسلل من تحت أقدامهم.

غابت قدسية الجغرافيا فجاءت الكولونيالية

لقد أدركت الكولونيالية الغربية، وهي تواجه الإمبراطورية العثمانية أن انتزاع الوطن العربي شرقا وغربا من الأتراك، ينبغي أن يكون ويظل هدفا إستراتيجيا لا يمكن التخلي عنه، فبدأت باستعمار البلدان العربية بدءا بالجزائر ثم اليمن، ثم تقاسمت بريطانيا، وفرنسا وحتى إيطاليا بقية البلدان العربية غنائم استعمارية بعد اتفاقيات "سايكس بيكو" وحتى زماننا هذا، وإن اختلفت العناوين الرسمية والسياسية لبلداننا لتغشية العيون بأوهام الاستقلال، فها نحن اليوم شذر مذر، كل يقول "أنا أولا" فلا هو أول ولا هو حتى آخر؛ لأن الهاوية ما تزال تجرنا جميعا إلى القاع، ولن يتوقف انحدارنا حتى نستعيد الوعي بأن جغرافية هذا الوطن تمتد من شواطئ الأطلسي غربا إلى شواطئ الخليج شرقا وبحر العرب جنوبا، ومن قلب أفريقيا السمراء إلى الأناضول، وحتى تستقر في وعينا قدسيتها، فلا نقبل أبدا أن يعيث في حرمها الواسع أحد من الغرب أو الشرق، ولو كلفنا ذلك المهج وفلذات الكبود.

وربما يبدو الحديث عن الوحدة الجغرافية للوطن العربي، في ضوء أوضاعنا الراهنة، ضربا من الهلوسة أو أمنيات الخيال؛ لأن الدولة القُطْرية العربية بتشرذماتها توغلت وأولغت في اعتبارات الجغرافيا والتاريخ، ونفت من وعينا تلك القدسية للأرض التي قامت عليها حضارتنا قبل آلاف السنين، وتوجها الإسلام بتاج العقيدة.

ولا تتورع كياناتنا اليوم أيضا عن مصادرة كل حلم بالوحدة، ذلك لأنها نتاج حقبة الاستعمار الكولونيالي الغربي. وكلما امتد زمن التشرذم القُطْري ازدادت هموم تحقيق الوحدة، ولو على أقل مستويات التكامل السياسي.

نظرة للعالم حولنا

ولننظر إلى العالم من حولنا. أوروبا وعت أهمية محيطها الحيوي الجغرافي الأوسع فأقامت الاتحاد الأوروبي، وبفضله قلصت الفواصل بينها، ووسعت اعتبارات الجغرافيا لتصبح كل الأرض التي يقوم عليها الاتحاد محيطا جامعا انتفت بين دوله الحدود، رغم أن كل دولة منها ما تزال دولة قومية مستقلة في المنظور الجيوسياسي.

من هنا يمكن للمرء أن يفهم لماذا تعتبر دول الاتحاد الأوروبي الحرب في أوكرانيا وانتصار روسيا فيها، وهي الخصم اليوم كما كانت في حقب تاريخية سابقة، تهديدا لها، مع أن أوكرانيا ليست حتى الآن عضوا في الاتحاد.

إنه الوعي بإملاءات الجغرافيا على الأمم، الذي يجعل أوروبا تتحفز كي تحمي جغرافيتها الواسعة، وهي تشاهد الحليف الأقوى على الجانب الآخر من الأطلسي ينذر ببوادر قطيعة معها.

ولأنها تعي ذلك فلا بد أن تسير في طريق جديد يحقق لها قدرا من الندية الفاعلة. فلا غرو أن تتوجس أوروبا خيفة حين قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وهو يزف للأمريكيين أنباء اختطاف الرئيس الفنزويلي، إن نصف الكرة الغربي كله "محمية أمريكية" لن يسمح لأحد بالتدخل فيها بأي شكل وتحت أي ظرف أو اعتبار.

مع تلك البشارة استحضر ترمب عقيدة مونرو وسماها عقيدة "دونرو" ليضيف لها شيئا من نرجسيته الكالحة التي نراه يحاول أن يصبغ بها العالم كله.

وصاحب هذه العقيدة في الأصل هو الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو حين أعلن في خطاب عام 1823 أن الولايات المتحدة لن تسمح بأي استعمار أو تدخل أوروبي في نصف الكرة الغربي، بما فيه القارتان الشمالية والجنوبية ولن تتدخل في المقابل في المناطق والبلدان التي كان يستعمرها الأوروبيون في بقية أنحاء العالم آنذاك.

ومع أن الولايات المتحدة لم تكن في الربع الأول من القرن التاسع عشر قوة عسكرية يخشاها الأوروبيون، فإن قادتها ممن تبعوا الآباء المؤسسين أدركوا مع صعود بلادهم المتسارع، وفتوة كيانها بعد 47 عاما من الاستقلال، أن الجغرافيا هي الشرط الأول لبناء كيان بمقاييس عالمية أو إمبراطورية.

من دون هذه العقيدة، التي تقدس الجغرافيا وتقدمها على كل اعتبار وتاريخ، لا تقوم الإمبراطوريات ولا تدوم، وحين تنتزع منها الجغرافيا، وهذه هي سنن التاريخ تنتهي الإمبراطورية ويذوي تاريخها، فلا يحسب المتحفزون والمنافسون لها حسابا.

بهذا الإدراك تتعامل الإمبراطورية الأمريكية مع العالم حولها وتضع خططها وحساباتها، بصرف النظر عن مدى صوابها وإحاطتها بكل تفاصيل الأوضاع حولها. فعندما هلّ القرن الحادي والعشرون كان الهم الأول للمفكرين وصانعي القرار الأمريكيين، والكتاب وصانعي الرأي أن يظل القرن الجديد قرنا أمريكيا كما كان القرن العشرون قبله، بجدارة بلغت ذروتها عندما انهار الاتحاد السوفياتي، وأصبح العالم يدور في فلك القطب الواحد.

ومع أني أشك في أن لدى دونالد ترمب بنفسه بعيدا عن مستشاريه مثل تلك الإحاطة الواسعة بشروط الجغرافيا الملزمة واللازمة لكل كيان إمبراطوري ليظل كذلك، أو وعيا بمخاطر إغفالها وتغييبها، فإن مطالبته بجزيرة غرينلاند وبجارته كندا الأكبر مساحة، وتوغله في فنزويلا، كل ذلك نابع من وعي متجدد بالجغرافيا وضروراتها لسيرورة الإمبراطورية.

ضرورة إحياء الوعي بالجغرافيا

أما آن الأوان أن تعي كياناتنا القُطْرية وتدرك أن كل معضلاتنا منشؤها تضييع الوعي بجغرافيتنا وانسلاخنا من قدسيتها العقدية والتاريخية والحضارية.

فلو كنا نعي ذلك هل كانت إسرائيل، وقد زرعها الغرب الكولونيالي في صميم جغرافيتنا لتجوس خلال الديار وتقتل وتدمر وتبيد في فلسطين وغزة منذ زهاء 80 عاما؟ وهل كانت لتسرح وتمرح في شرق وطننا ومغربه بطائراتها وعملائها وتملي علينا ما نفعله وما لا نفعله أو نتسلح به؟ وهل كانت بعض كياناتنا لتجد في إسرائيل ملجأ وحاميا؟

حين نحيي الإيمان بقدسية جغرافيتنا الجامعة لن يكون لأرض الصومال أن تنفصل عن الوطن الأم، وتعطي عدونا موطئا منه يتحكم بخناق أمتنا، ولن يكون لعيدروس الزبيدي أن يجعل من جنوب اليمن فك كماشة أخرى على رقابنا، ولن يكون لحميدتي دقلو أن يستبيح السودان ويقتل أهله ويجوعهم ويجعل من السودان سندانا لمطرقة كولونيالية قسمته وتعمل الآن على تقسيمه، ولن تكون فلسطين طبقا يقدمه أحد ما ثمنا للاعتراف بحقه بقطعة أرض أو بشرعية كرسي حكم.

أما كيف نحيي الإيمان بتلك القدسية للجغرافيا فذلك حديث له وقت آخر خشية الإطالة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.