لا يأتي الحديث عن ما يُسمّى بـ"مجلس السلام" في سياق عودة دونالد ترامب إلى الواجهة السياسية باعتباره مبادرة سلام بالمعنى الكلاسيكي، بل بوصفه تعبيرا مكثفا عن تحوّل أعمق في مقاربة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي: الانتقال من منطق الحل إلى منطق الإدارة، ومن السياسة إلى الضبط، ومن الحقوق إلى الاستقرار.
في الرؤية الترامبية، لا يُنظر إلى الصراع كقضية تحرر وطني تتطلب معالجة جذورها السياسية، بل كـ"مشكلة أمنية-إنسانية" يمكن احتواؤها عبر ترتيبات فوقية. هنا، يظهر "مجلس السلام" كأداة وظيفية لا تهدف إلى إنهاء الاحتلال، بل إلى تنظيم آثاره وتخفيف كلفته، خصوصا في غزة.
من عملية السلام إلى إدارة السلام
الفارق الجوهري بين ما يُسوّق له ترامب وما عُرف تاريخيا بـ"عملية السلام" هو أن الأخيرة -رغم إخفاقاتها- كانت تفترض وجود طرفين سياسيين، وحقوق متنازع عليها، وأفقا سياديا ما. أما "مجلس السلام" الترامبي، فيفترض غياب الطرف الفلسطيني كفاعل سياسي، ويستبدله بهيئة إدارية تُكلّف بإدارة السكان لا الأرض، وبضبط المجتمع لا تمثيله. بهذا المعنى، نحن أمام سلام بلا سياسة، واستقرار بلا عدالة، وترتيب أمني يُقدَّم كحلّ دائم.
تعطيل الفعل السياسي الفلسطيني
أحد الأركان الأساسية لهذا التصور هو الإقصاء الممنهج للفاعلين الفلسطينيين: لا حماس بوصفها حركة مقاومة، ولا السلطة الفلسطينية بوصفها كيانا سياسيا حتى وإن كان محدود السيادة، والبديل هو مجالس تكنوقراط أو "وجهاء محليين" تُمنح شرعية إدارية مشروطة بالالتزام الكامل بالوظيفة الأمنية أو سلطة فلسطينية تقبل بالدور الجديد. هذا الإقصاء لا يعكس فقط أزمة ثقة، بل يعكس قرارا سياسيا بتفريغ القضية الفلسطينية من بعدها التمثيلي، وتحويلها إلى ملف إدارة محلية تحت إشراف خارجي.
في العمق، ينسجم "مجلس السلام" مع ما يمكن تسميته بالضم الوظيفي: إسرائيل تحتفظ بالسيطرة الفعلية على الأرض والحدود والمجال الحيوي، بينما تُفوَّض إدارة السكان إلى هيئة محلية أو إقليمية تتكفّل بالخدمات والضبط الاجتماعي. الاحتلال هنا لا يزول، بل يتخفّى خلف واجهة إدارية متعددة الأطراف. وهذا ما يجعل المجلس المقترح أقرب إلى صيغة وصاية غير معلنة، تتناقض بوضوح مع حق تقرير المصير، وتلتف على الشرعية الدولية بدل احترامها.
غزة كنموذج تجريبي
غزة، في هذا السياق، تتحول إلى مختبر سياسي. فبعد الحرب، لا يُطرح السؤال الجوهري: كيف يُنهى الحصار والاحتلال؟ بل: من سيدير القطاع؟ ومن يضمن "الهدوء"؟ ومن يمول إعادة الإعمار مقابل الصمت السياسي؟ وهكذا تُعاد هندسة غزة من قضية وطنية إلى ملف إنساني-أمني، وتُختزل الحقوق في سلاسل مساعدات مأمولة، وتُربط الحياة اليومية بشروط الطاعة.
المفارقة أن ما يُقدَّم بوصفه "حلا واقعيا" هو في الحقيقة وصفة لتأجيل الانفجار لا منعه، فالتجربة التاريخية تُظهر أن إدارة الصراع دون معالجة أسبابه لا تُنتج سلاما، بل استقرارا وهميا هشا سرعان ما ينهار.
إن "مجلس السلام" الترامبي، في جوهره، ليس مشروع سلام، بل مشروع ضبط؛ لا يسعى إلى إنهاء الاحتلال، بل إلى إعادة تنظيمه بأدوات أقل كلفة وأكثر قبولا دوليا. وهو، بهذا المعنى، يشكّل انتقالا خطيرا من سؤال الحقوق إلى سؤال الإدارة، ومن السياسة إلى التقنية، ومن التحرر إلى التكيّف القسري.
والسؤال الذي يفرض نفسه، ليس ما إذا كان هذا المجلس قادرا على فرض الهدوء، بل ما إذا كان الهدوء القسري يمكن أن يحلّ محل العدالة إلى الأبد.



