لا أعلم إن أُتيحت الفرصة للمحظوظين من قبل لتناول الأكلة الشعبية الإسرائيلية «الفلافل» من أحد المطاعم في أزقة البلدة القديمة في أورشليم. هذا المطعم يمتلكه رجل سبعيني، ورثه عن أجداده الإسرائيليين. وفي كل مرة تتناول فيها الفلافل، لا ينفك اللسان عن التلذذ بها، كأنها المرة الأولى.
أهي وصفة الجد الأول ذات السحر المستديم، أم عراقة المكان ورائحة الأصالة هما السر؟
وماذا عن لباسهم الشعبي المميز الذي حاكته وطرزته نساؤهم اليهوديات منذ مئات السنين؟ الثوب الإسرائيلي بألوانه الزاهية وأشكاله المتنوعة، التي تعبّر عن مدن إسرائيل الممتدة من الشمال إلى الجنوب.
حسنًا، ربما يستشيط القارئ الآن غضبًا، وينكر كل تلك المعلومات الزائفة، لكن مع دأب الاحتلال المستمر والجاد في طمس الهوية وتدمير الأصالة الفلسطينية في جميع المدن، سيأتي قارئ بعد بضع سنين ويُصدّق هذه الرواية المزيفة.
وأنّى له أن ينكرها، وهو لم يرَ آثارًا عريقة تدل على وجود الفلسطيني في أرضه؟ والشاهد على ذلك حرب الإبادة الأخيرة على قطاع غزة، التي لم تترك حجرًا ولا بشرًا ولا شجرًا يشهد على وجود الفلسطينيين في أرضهم منذ آلاف السنين.
كانت سياسة الاحتلال في هذه الحرب واضحة كوضوح شمس الحرية الغائبة. فقد أرادوا حسم النزاع القائم على هذه الأرض منذ سبعين عامًا: إما نحن وإما هم. وبالنسبة لهم، لم ترتوِ الأرض بعد بما يكفي من دماء الفلسطينيين، ومحاولات التطهير العرقي للاستيلاء الكامل على الأرض لم تنجح.
وكلما حاولوا محو جيل كامل أيديولوجيًا ومذهبًا وتاريخًا، ظهر وريثه بنسخة أكثر تشبثًا بأرضه. فما كان منهم إلا محاولة اجتثاث آثار غزة من جذورها التاريخية الأصيلة.
فالأرض شعوب، وآثار، وممتلكات ثقافية تمتد لآلاف السنين. وإن تمكنوا من طمس الهوية الوجودية لهذا الشعب، سَهُل عليهم الباقي. لقد كانت هذه الحرب حرب إبادة فكر، وطمس أثر، وإخفاء تاريخ وماضٍ عريق شهد الحضارات اليونانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية.
وامتدت هذه الحرب لتنال من التراث الفكري والحضاري، باعتباره ركيزة أساسية من ركائز الحضارة والمدنية للشعب الفلسطيني. وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن إسرائيل لم تردعها أي قوانين دولية عن ارتكاب كل تلك الجرائم بحق الهوية الثقافية الفلسطينية في غزة.
تنص المادة (27) من لائحة لاهاي بوضوح على أنه، في حالات الحصار أو القصف، يجب اتخاذ جميع التدابير اللازمة لتفادي الهجوم على المباني المخصصة للعبادة، والفنون، والعلوم، والآثار التاريخية. لكن إسرائيل تجاهلت هذه القوانين، وارتكبت جرائم ممنهجة بحق الممتلكات الثقافية الحضارية، من مكتبات ومتاحف وجامعات ومراكز أرشيف ومواقع أثرية.
دور التراث الثقافي في الهوية الوطنية
يشكّل التراث الثقافي العصب الرئيسي للهوية الوطنية الفلسطينية، إذ يعمل كجسر يربط الماضي بالحاضر عبر شبكة من الرموز المادية واللامادية. فالمساجد الأثرية، والحِرف التقليدية، والأغاني الشعبية، ليست مجرد مظاهر جمالية، بل شهادات حية على الاستمرارية التاريخية للشعب الفلسطيني في أرضه.
وتشير دراسة أعدّتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية (2024) إلى أن 78% من الفلسطينيين يرون في التراث الثقافي أهم أدوات مقاومة محو الهوية، خاصة في ظل غياب السردية التاريخية الفلسطينية عن المناهج الإسرائيلية.
وقد دمّرت الحرب الأخيرة هذه الممتلكات بما تحتويه من كتب ومخطوطات ووثائق تاريخية، في استهداف واضح لكل ما يشير إلى الحق الفلسطيني في غزة.
المسجد العمري الكبير: رمز التراث الثقافي والديني في غزة
يُعد المسجد العمري الكبير أقدم وأكبر مسجد في قطاع غزة، وثالث أكبر مسجد في فلسطين. يقع في حي الدرج بالبلدة القديمة قرب سوق الزاوية التاريخي، ويمتد تاريخه عبر حضارات متعددة.
بدأ الموقع معبدًا رومانيًا، ثم كنيسة بيزنطية، قبل أن يتحول في عهد الخليفة عمر بن الخطاب إلى مسجد إسلامي. وفي ديسمبر 2023، أدى القصف الإسرائيلي المتعمد إلى تدمير أجزاء واسعة من بنائه التاريخي، في انتهاك صريح للقوانين الدولية التي تحمي المواقع الدينية والثقافية.
الكنائس المسيحية في غزة: إرث تاريخي تحت التهديد
تُجسّد الكنائس المسيحية في غزة عمق التنوع الديني والحضاري الفلسطيني. وتُعد كنيسة القديس بيرفيريوس، التي تأسست عام 425م، واحدة من أقدم الكنائس في العالم.
كما تعرضت كنيسة جباليا البيزنطية، ذات الأرضيات الفسيفسائية النادرة، لأضرار جسيمة طمست أجزاء واسعة من معالمها الفنية، في خسارة لا تُقدّر بثمن للتراث الإنساني.
الخاتمة
إن تدمير التراث الثقافي الفلسطيني في غزة ليس مجرد استهدافٍ لمبانٍ أو آثار، بل محاولة منهجية لطمس هوية شعب يمتد تاريخه لآلاف السنين. هذه المواقع ليست حجارة صامتة، بل ذاكرة حية تشهد على الوجود الفلسطيني المتجذر.
إن حماية هذا التراث مسؤولية إنسانية وأخلاقية تقع على عاتق المجتمع الدولي، لأن الثقافة الفلسطينية جزء أصيل من التراث الإنساني العالمي، لا يجوز محوه أو تزويره.



