فلسطين المحتلة - شبكة قُدس: في ظل استمرار الإبادة الجماعية التي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، لم تعد غزة وحدها ساحة الاستهداف، بل تتسع رقعة العدوان لتشمل الضفة الغربية، حيث تُدفع مخيمات اللاجئين نحو نكبة جديدة.
تقرير لموقع “ميدل إيست آي” البريطاني يكشف كيف يعمل الاحتلال على تدمير مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم، وتهجير سكانها، في سياق مشروع ممنهج لمحو الفلسطينيين، وتفريغ الأرض من أهلها، وطمس ذاكرة اللجوء وحق العودة.
وقال الموقع إن "تدمير إسرائيل لمخيمات اللاجئين في جنين وطولكرم، يقطع العائلات عن منازلهم ويفرغ المجتمعات ويعجل من محو الفلسطينيين"، مشددا على أن الإبادة الجماعية التي ترتكبها "إسرائيل" بحق الشعب الفلسطيني لم تكن مقتصرة أبدا على غزة وحدها.
ويضيف: "لم تكن الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني مقتصرة أبداً على غزة وحدها، ولا يوجد أكثر دلالة على ذلك من مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم التي شوهتها القنابل وخربها القصف، وتحولت إلى ما يشبه بيوت الأشباح بعد أن دمرتها إسرائيل وفرغتها من سكانها، في تحذير صارم للفلسطينيين من مغبة مقاومة الاحتلال والإبادة الجماعية".
وأسفر هذا المشروع الاستعماري الاستيطاني المستمر منذ عقود في فلسطين عن عدد من مستويات الطمس، بينما ركز العالم اهتمامه، وإن كان عبر عدسة مشوهة، على النكبة التي حلت بغزة، استمرت "إسرائيل" في تنفيذ خططها الهادفة إلى طمس الفلسطينيين ومحوهم من الوجود في الضفة الغربية.
ويشير إلى أن "توسيع المستوطنات، وهجمات المستوطنين على المزارعين تحت حماية القوات الإسرائيلية، وسرقة الماشية بشكل منتظم، وتدمير مدارس ومنازل القرى، والتهجير القسري للفلسطينيين في أحياء القدس الشرقية الشيخ جراح وسلوان، كل هذا يشكل محاولات حثيثة تهدف إلى تدمير الشعب الفلسطيني، كلياً أو جزئياً، وقطع أواصر الصلة بينه وبين وطنه التليد".
ووفق الموقع، فإن ما يجري بالضفة تذكير ساطع بأن هذه الإبادة الجماعية تستهدف جميع الفلسطينيين في كل أنحاء فلسطين التاريخية.
وقال، إنه ما بين الحادي والعشرين من يناير / كانون الثاني والتاسع من فبراير / شباط من عام 2025، شنت "إسرائيل" عملية الجدار الحديدي مستهدفة ما ادعت أنه "عناصر إرهابية" في ثلاث مخيمات من مخيمات اللاجئين في شمالي الضفة الغربية، وخلال العملية التي استمرت تسعة عشر يوماً، ما يقرب من أربعين ألف لاجئ من مخيمات جنين وطولكرم وعين شمس أخرجوا عنوة من بيوتهم وهجروا على أيدي القوات الخاصة الإسرائيلية المدججة بالسلاح، والتي استخدمت في ذلك العربات المصفحة، والطائرات المسيرة والجرافات.
وصفت الأونروا، منظمة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، الهجوم الإسرائيلي بأنه "أطول وأوسع أزمة تهجير منذ عام 1967." وتقدر المنظمة أن 43 بالمائة من مخيم جنين، و 35 بالمائة من مخيم نور شمس، و 14 بالمائة من مخيم طولكم، تم تدميرها أو ألحقت بها أضرار جسيمة.
بالنسبة للفلسطينيين، يقول كاتب التقرير: يعتبر التنقل عبر الضفة الغربية رحلة من العذاب اليومي. فنظام الطرق القائم على الفصل العنصري يعني أنه بينما تتصل المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية بالقدس وبتل أبيب بدون أي عوائق، يُجبر الفلسطينيون على التنقل عبر طرق وعرة ملتوية وغير مباشرة ويعبرون من أنفاق يكاد يسدها عدد لا متناه من نقاط التفتيش وبوابات الحواجز الصفراء الصارخة، فالرحلة التي تستغرق عشرين دقيقة عبر طرق المستوطنين تستغرق الفلسطينيين ثلاث ساعات أو أطول من ذلك.
واعتبر أن وجود أعلام إسرائيلية ضخمة على جانبي الطريق السريع كل عشرة أمتار، بالنسبة للمراقبين من الخارج، قد يعكس ذلك شعوراً عميقاً لدى الإسرائيليين بانعدام الأمان، ولكن بالنسبة للفلسطينيين، ما ذلك ببساطة سوى تكتيك آخر للترهيب.
ويقول إن "إسرائيل تزداد ججرأة بسبب إحساسها بالأمان من الخضوع لأي مساءلة دولية. وفي ظل حكومة يمينية متطرفة، يهيمن فيها المستوطنون على عدد من الوزارات الأساسية، فقد صدرت الموافقة على إقامة تسعة وستين مستوطنة جديدة".
ويضيف: بمحاذاة مستوطنة إيلي، وهي مستوطنة ضخمة غير قانونية تزداد تمدداً واتساعاً، وتربض على رأس تلة، ببيوتها ذات السقوف الكرميدية، والتي تعبر بوجودها عن النية المبيتة لارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، بما يشكله وجودها هنا من تهديد لحياة السكان الفلسطينيين المحليين في قرى المنطقة، والذين يرون أشجار الزيتون في حقولهم تقتلع من جذورها، ويواجهون الهجمات العنيفة عليهم. وتشتهر إيلي بوجود أكاديمية بني ديفيد فيها، وهي أكاديمية للتأهيل العسكري، يتم داخلها تدريب المستوطنين ليصبحوا ضباطاً في وحدات النخبة الهجومية.
ووفقا للكاتب: كان بإمكاننا رؤية طريق مجاور لو كان يسمح لنا بالسير عبره لوصلنا إلى وجهتنا في طولكرم في أقل من نصف الوقت، ولكن إسرائيل تمنع جميع الفلسطينيين من استخدامه، وبدلاً من ذلك انطلقنا عبر الطرق الوعرة، نتوقف عند نقاط تفتيش غير متوقعة، حيث يقرر جنود عدائيون شباب ما إذا كان سيسمح لنا بالمضي قدماً في رحلتنا أم لا. في إحدى المرات سلكنا طريقاً بديلاً من أجل أن نتجنب إغلاقاً آخر، وصممت هذه الإجراءات التراكمية من الفصل العنصري من أجل تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم، الأمر الذي سيجبر الناس في نهاية المطاف على الرحيل.
وعن مخيم نورشمس، يقول: تحول المخيم الآن إلى مدينة أشباح مخيفة، وقد دمر بشكل كامل أو شبه كامل ما يقرب من ثلث مبانيه. ثمة مساحات شاسعة وفارغة من الأرض شقتها في قلب مخيم نور شمس الجرافات الإسرائيلية، التي دمرت المئات تلو المئات من البيوت بدعوى فتح الطرق أمام حركة العربات المصفحة والدبابات، وتم رسم نجمة داود الزرقاء على منزل كان يؤوي ذات مرة عائلة لاجئ فلسطيني، تم تحويله الآن إلى قاعدة عسكرية. لا وجود لأحد آخر.
يصف اللاجئون للكاتب، كيف أن قوات الاحتلال وبمجرد غزوها للمخيمات، قامت بقطع جميع الاتصالات والمرافق والخدمات، بعد طرد السكان الذين يعيشون الآن على هامش الحياة.
وفي مخيمي طولكرم ونور شمس، تستمر ظروف حياة اللاجئين في التردي. في البداية، وفرت الأونروا الطعام والخدمات، ولكن ذلك توقف بمجرد أن حظرت "إسرائيل" عملياتها في المناطق الفلسطينية المحتلة، كما أنهم ممنوعون بموجب أمر عسكري من إعادة بناء بيوتهم المدمرة.
ويؤكد أن الاحتلال يسعى لتدمير المنازل ومعايش الناس ومرافق مجتمعهم، وارتكب الجنود الإسرائيليون سلسلة من الجرائم الأخرى، بما في ذلك السلب والنهب.
وعلى الرغم من أن كثيراً من اللاجئين يقولون إنهم سوف "يعودون ليقيموا على الركام"، إلا أن الواقع بائس. وذلك أن تدمير المخيمات وطرد السكان منها، وتوجه "إسرائيل" نحو اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، كل ذلك يعني أن فرص عودتهم باتت بعيدة، وحتى الاستئجار في أماكن أخرى من الضفة الغربية من قبل المهجرين الفلسطينيين بات أمراً صعباً.
ويشير إلى أن تدمير مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم عمل محسوب ومقصود من أعمال الإبادة الجماعية. فمن خلال تدمير المجتمعات وتفكيك الأونروا وطرد اللاجئين، تسعى إسرائيل ليس فقط إلى سلب ديار الفلسطينيين، ولكن أيضاً إلى طمس تاريخهم وتجاهل حقوقهم وتفادي مطالباتهم المستقبلية بالعدالة، بما في ذلك حق العودة.



