شبكة قدس الإخبارية

حكومة اليمين تُعلن السيادة بالقوة: الضفة تُسلَّم لفتية التلال وتُدفن الدولة الفلسطينية رسميًا

photo_2025-11-19_22-04-01.jpg
إبراهيم الأحمد

لم يعد ما يجري في الضفة الغربية قابلًا للتوصيف كـ"توسيع استيطان" أو "خطوات إدارية"، فنحن أمام انقلاب استراتيجي تقوده حكومة اليمين الإسرائيلي، يهدف إلى حسم الصراع من طرف واحد، وفرض السيادة بالقوة، وتسليم مفاتيح الأرض لفتية التلال تحت غطاء حكومي وقانوني كامل.

ما أقرّته حكومة اليمين الإسرائيلي في الضفة الغربية ليس قرارًا إداريًا ولا "تنظيمًا للأراضي"، بل إعلان سيادة بالقوة وتصفية سياسية نهائية لفكرة الدولة الفلسطينية. لأول مرة منذ عقود، تُسقِط "إسرائيل" علنًا أقنعة الاحتلال المؤقت، وتنتقل إلى مرحلة فرض الواقع بلا مواربة: قوانين تُلغى، أراضٍ تُفتح للنهب المنظّم، وصلاحيات تُسلَّم لفتية التلال باعتبارهم الذراع الميداني للدولة. ما يجري هو انقلاب كامل على أوسلو، وعلى القانون الدولي، وعلى أي وهم بإمكانية تسوية، في لحظة يمينية ترى في القوة وحدها أداة الحسم.

قرارات المجلس الوزاري السياسي الأمني الأخيرة تشكّل أخطر محطة منذ اتفاق أوسلو، ليس لأنها تغيّر الواقع فحسب، بل لأنها تُنهي أي ادّعاء إسرائيلي بأن الاحتلال مؤقت. الحكومة نفسها تعلن: لا دولة فلسطينية، لا انسحاب، ولا تفاوض.

"سموتريتش" يتحدث بوضوح: الدفن لا التنظيم

حين قال وزير المالية "بتسلئيل سموتريتش": نرسخ وجودنا في كل أرض "إسرائيل" وندفن فكرة الدولة الفلسطينية. لم يكن ذلك خطابًا انتخابيًا، بل إعلان سياسة دولة. الصحف الإسرائيلية رأت في التصريح ترجمة دقيقة لما جرى إقراره: نقل الضفة الغربية من إدارة عسكرية مؤقتة إلى فضاء سيادي إسرائيلي كامل.

"سموتريتش"، الذي يسيطر فعليًا على الإدارة المدنية، بات صاحب القرار الأول في الضفة، متجاوزًا حتى المؤسسة العسكرية، في ما وصفه محللون إسرائيليون بأنه "خصخصة الاحتلال لصالح المستوطنين".

تفكيك القانون تمهيدًا للضم

فتح سجلات الأراضي، إلغاء التشريعات الأردنية، وتوحيد آليات شراء الأرض بين الضفة والخط الأخضر، ليست إجراءات تقنية، بل نسف ممنهج لأي إطار قانوني يحمي الأرض الفلسطينية. "إسرائيل" لم تعد تتحايل؛ هي تشرّع الاستيلاء علنًا.

المحلل القانوني الإسرائيلي "ميخائيل سفارد" حذّر من أن هذه الخطوات تُغلق الباب نهائيًا أمام أي حل سياسي، لأنها تخلق حقوق ملكية "إسرائيلية" لا يمكن التراجع عنها دون صدام داخلي هائل.

الخليل وقبر راحيل: إعادة رسم السيادة بالنار الباردة

في الخليل، جرى سحب صلاحيات التخطيط والبناء من البلدية الفلسطينية ومنحها للإدارة المدنية والمستوطنين، في خطوة تؤسس لفصل إداري كامل عن المحيط الفلسطيني. الأمر ذاته ينطبق على قبر يوسف في نابلس، حيث تُنشأ إدارة مستقلة، ما يعني ضمًا صامتًا لمواقع دينية واستراتيجية.

هذه التحركات، وفق محللين "إسرائيليين"، تحوّل المدن الفلسطينية إلى جزر محاصرة داخل بحر استيطاني متصل.

"فتية التلال": من ميليشيا هامشية إلى ذراع رسمية

التحول الأخطر يتمثل في منح "فتية التلال" دورًا مركزيًا. هؤلاء الذين وُصفوا سابقًا كخارجين عن القانون، باتوا اليوم أداة تنفيذ ميدانية تحظى برعاية وزارية مباشرة.

زيارة وزيرة الاستيطان "أوريت ستروك" ورئيس مجلس "بنيامين يسرائيل غانتس" لمزرعة "حيسيد عولام" قرب رنتيس، وغرس الأشجار في موقع استراتيجي يطل على محيط مطار "بن غوريون"، حملت رسالة واضحة: الاستيطان يتقدم نحو العمق لا الهوامش.

الاستيطان كعقيدة دولة

تصريحات "يوسي دغان" عن "مليون مستوطن في السامرة" لم تعد شعارات، بل تعبيرًا عن خطة رسمية مدعومة بقرارات حكومية وميزانيات وتشريعات. المحلل العسكري الإسرائيلي "عاموس هرئيل" اعتبر أن الحكومة تخلّت عن أي محاولة لإخفاء مشروع الضم، وهي مستعدة لتحمّل كلفته الأمنية والدبلوماسية.

السلطة الفلسطينية تُفرَّغ من مضمونها

توسيع صلاحيات الإنفاذ "الإسرائيلية" في المنطقتين (أ) و(ب) يعني عمليًا نسف ما تبقى من صلاحيات السلطة الفلسطينية، وتحويل مناطق الإدارة الفلسطينية إلى ساحات تدخل إسرائيلي مباشر.

الصمت الدولي: ضوء أخضر غير معلن

غياب ردود فعل دولية رادعة، والاكتفاء ببيانات القلق، منح حكومة اليمين مساحة زمنية لفرض وقائع لا رجعة عنها. المحلل الإسرائيلي "ألون بن دافيد" أشار إلى أن اليمين يقرأ هذا الصمت كضوء أخضر، ويستثمر انشغال العالم بالأزمات الكبرى.

التداعيات الأمنية: وصفة انفجار مفتوح

رغم محاولة الحكومة تسويق خطواتها كتعزيز للأمن، تُجمع تقديرات أمنية "إسرائيلية" على أن ما يجري هو وصفة مؤكدة لانفجار ميداني واسع. تسليم الأرض "لفتية التلال"، وتكثيف المصادرات، وتوسيع الإنفاذ في المنطقتين (أ) و(ب)، سيقود إلى احتكاك يومي مباشر دون أدوات احتواء.

"عاموس هرئيل" حذّر من موجة عمليات يصعب ضبطها، فيما أشار "رون بن يشاي" إلى أن تراكم القمع والاستيطان قد يفجّر الضفة على نحو يتجاوز الهبات السابقة، في وقت يعاني فيه الجيش من استنزاف وتآكل في الردع.

الخلاصة: نهاية أوسلو وبداية السيادة بالقوة

ما أقرّته حكومة اليمين ليس تعديلًا إداريًا، بل إعلان عملي عن نهاية مرحلة أوسلو. "إسرائيل" تحسم الصراع من طرف واحد، وتعيد رسم الجغرافيا بالقانون والسلاح والمستوطن. الضفة تدخل مرحلة السيادة المفروضة بالقوة وسط صمت دولي، ومخاطر انفجار أمني مفتوح.

إن ما تشهده الضفة الغربية اليوم هو نقطة اللاعودة. حكومة اليمين لا توسّع الاستيطان فحسب، بل تُنهي الصراع من طرف واحد، وتحوّل الأرض إلى غنيمة، والمستوطن إلى سيّد، والفلسطيني إلى عقبة يجب كسرها أو تجاوزها. السيادة التي تُفرض بالقانون والسلاح لن تجلب أمنًا، بل انفجارًا مفتوحًا، وستترك "إسرائيل" أمام واقع اشتعال دائم، وجيش مستنزف، ومواجهة لا يمكن إدارتها إلى ما لا نهاية.

إنها لحظة دفن الحل السياسي، وولادة مرحلة صراع بلا سقف تُكتب فيها الجغرافيا بالقوة، ويُختبر فيها صمت العالم، وتُفتح فيها أبواب مواجهة قادمة لا يمكن التنبؤ بحدودها.

 

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0