شبكة قدس الإخبارية

جريمة اختطاف رئيس دولة: حين تتحول القوة الى جريمة دولية

Screenshot 2026-01-04 at 8.03.20 AM
علاء ريان

ليس السؤال ما اذا كنا نحب مادورو أم نكرهه؟ ديموقراطيا أم ديكتاتوريا؟ منتخب أم غير منتخب؟ بل السؤال الحقيقي هو هل نريد عالما تحكمه القواعد، أم عالما تدار فيه السياسة بالاختطاف.

في النظام الدولي لا تقاس خطورة الأفعال بنتائجها المباشرة فقط، بل بما تكسره من قواعد، وما تحدثه من سوابق، فالسابقة أخطر من الحدث، لأنها تفتح الباب لتكراره، وتعيد تشكيل القواعد الناظمة للعلاقات الدولية، وأخطر ما يمكن ان يكسر اليوم هو القاعدة التي تقول ان رئيس أي دولة محمي بموجب القانون الدولي، وبموجب المعاهدات والمواثيق التي صادقت عليها دولته كلها أو بعضها وليس مستباحا بالسياسة.

من هذا المنطلق فان أي حديث عن اختطاف رئيس دولة ذات سيادة أو احتجازه أو اعتقاله باختلاف المسميات والظروف ونقله قسرا خارج اقليمه لا يمكن التعامل معه حصرا كخبر أو استعراض سياسي عابر أو مناورة عسكرية أو استخبارية ذكية، بل يجب وضعه في اطاره الصحيح وهو أن ما حدث مع مادورو جريمة دولية مكتملة الأركان تمس جوهر ميثاق الأمم المتحدة للعام 1951 وتضرب الأساس الذي يقوم عليه نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية للعام 1998.

القضية هنا ليست مادورو الشخص، والنظام السياسي الفنزويلي، انما زلزلة مبدأ خطير وسؤال خطير، هل ما زال القانون الدولي يحمي السيادة؟ أم ان القوة عادت لتكون مصدر الشرعية.

القانون الدولي والسيادة والولاية القضائية:

هناك مبدأ تاريخي تأسيسي في القانون الدولي يشكل جوهر السيادة المتساوية بين الدول، يمكن اقتفاء أثره حتى القرن الرابع عشر في كتابات الفقيه الأوروبي بارتولوس دي ساكسوفيراتو (1313-1357) والذي يعتبر من أوائل الفقهاء الذين أسسوا لنظرية الاختصاص الاقليمي والمساواة بين الكيانات السياسية، والذي أصبح لاحقا قاعدة قانونية أساسية في القانون الدولي العام، وتشكل الأساس النظري لحصانة الدولة أمام قضاء دولة اخرى وهذه القاعدة القانونية "لأنه لا يجوز لأي مدينة أن تضع قانونا لمدينة أخرى، لأنه ليس للند سلطة له على نده"، أي لا يجوز اليوم لدولة أن تمارس ولايتها القضائية على دولة اخرى لانهما متساويتان سياديا، وأن "حصانة الدولة تنبثق من الحصانة المتصلة تاريخيا بشخص صاحب السيادة ذاته"، ودلالة ذلك أن الحصانة لم تبدأ كحصانة للدولة كشخص معنوي بل بدأ كحصانة شخصية للملك أو الامبراطور ثم  جرى نقلها للدولة الحديثة.

ان رئيس الدولة في القانون الدولي ليس مجرد فاعل سياسي يمكن التعامل معه بمنطق الخصومة، بل هو التجسيد القانوني لسيادة الدولة، والمساس بحريته هو مساس بالدولة ذاتها، حيث يتمتع رؤساء الدول بحصانة شخصية كاملة أثناء توليهم مناصبهم، فلا يجوز توقيفهم او احتجازهم، أو اخضاعهم لأي ولاية قضائية أجنبية، ويسهم استحضار فكر بارتولوس في تقييم الممارسات المعاصرة للولاية القضائية الموسعة ولا سيما تلك التي تمكن قضاء دولة من اخضاع رئيس دولة اخرة لاختصاصه كما فعلت الولايات المتحدة في قضية مادورو.

والقانون الدولي العرفي وأحكام محكمة العدل الدولية يقران بوضوح أن رؤساء الدول يتمتعون بحصانة شخصية كاملة خلال توليهم مناصبهم، هذه الحصانة لا تهدف لحمايتهم كأفراد بل لحماية استقرار النظام الدولي ومنع الفوضى، وقد استقر هذا المبدأ في العرف الدولي، واكدته محكمة العدل الدولية صراحة، باعتباره شرطا لاستقرار العلاقات بين الدول، فلو سمح باعتقال او اختطاف قادة دول اخرى لانفتح العالم على فوضى سياسية وامنية لا حدود لها.

وهنا حتى لا نقع في الخلط بين الولاية القضائية الاقليمية التي تمارسها الدولة تعبيرا عن سيادتها الوطنية، والولاية القضائية الدولية التي تمارسها هيئات قضائية دولية باسم المجتمع الدولي، ومقارنة قضية مادوروالتي سينظر فيها أمام القضاء الأمريكي، وقضية رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو امام الجنائية الدولية بتهم الابادة الجماعية.

في الحالة الأولى تشكل حصانة المسؤول الفردي (مادورو) قيدا اجرائيا لازما يحول دون ممارسة القضاء الوطني لاختصاصه على مسؤولي دولة أجنبية اتساقا مع مبدأ المساواة السيادية وعدم تدخل دولة في شؤون دولة اخرى.

أما في الحالة الثانية (نتنياهو) فان منطق الحصانة يفقد أساسه التقليدي اذ لا تمثل المحكمة الجنائية الدولية سيادة دولة في مواجهة سيادة دولة اخرى، وهو ما يفسر انتفاء الحصانة الشخصية امام المحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة 27 من نظام روما الأساسي والمعنونة بعدم الاعتداد بالصفة الرسمية.

ميثاق الأمم المتحدة:

"تمثل سيادة الدول المبدأ الدستوري الرئيس لقانون الأمم، الذي يحكمه مجتمعا يتألف في الأساس من دول تتمتع من حيث المبدأ بشخصية قانونية موحدة"، وتشتمل النتائج الطبيعية عن سيادة الدول المساواة بينها على ولاية خالصة وظاهرة على أرض معينة وعلى السكان الدائمين المقيمين، والالتزام بواجب عدم التدخل في مناطق تخضع لولايات خالصة لدول أخرى.

ان اختطاف رئيس دولة أو اعتقاله خارج أي مسار قانوني دولي معترف به يعني عمليا تعليق سيادة الدولة بالقوة، والتدخل في نظامها الدستوري، وفرض ارادة خارجية على قرارها السياسي. وهذا وحده كاف لاعتبار الفعل غير مشروع دوليا دون الحاجة لأي نقاش اضافي لأن هذه الخروقات الثلاث فيها تناقض واضح جلي وانتهاك صريح لميثاق الامم المتحدة الذي لم يكتب ليزين الخطب، بل ليمنع بالضبط هذا النوع من الأفعال.

المادة 2/4 من الميثاق تحظر استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد استقلال أي دولة، والقوة هنا بطبيعة الحال لا تعني فقط الجيوش والمليشيات والدبابات بل تشمل أيضا العمليات السرية والاختطاف عبر أجهزة الاستخبارات أو استخدام الوكلاء والمجموعات الخاصة بحيث يعتبر الفقه الدولي أن كل هذه الأشكال هو استخداما غير مشروع للقوة.

أما المادة 2/7 فتمنع بشكل واضح التدخل في شؤون الدول الداخلية، ولا يوجد تدخلا أعمق من خطف رأس السلطة التنفيذية لدولة ذات سيادة.

ان أي محاولة لتبرير هذا الفعل تحت أي شعار كان كجلب الديموقراطية او الحرية أو حقوق الانسان تسقط فورا لأن ميثاق الأمم المتحدة لا يجيز التدخل القسري الا بقرار مجمع عليه من مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع، كما أن ميثاق الأمم المتحدة لا يعترف بالعدالة الانتقائية ولا يسمح للدول بأن تنصب نفسها القاضي والجلاد في ان واحد.

ميثاق روما:

وضعت اللمسات الأخيرة على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في مؤتمر استغرق خمسة أسابيع في عام 1998، ودخل النظام حيز النفاذ في 1 تموز/يوليو 2002 بعد 60 تصديقا. وقد بدأ المحكمة الجنائية الدولية التي يقع مقرها لاهاي العمل 2003، وتقتصر ولايتها القضائية على أشد الجرائم خطورة مما يشغل اهتمام المجتمع الدولي ككل وهي الابادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان.

اختطاف مادورو ليس فعلا سياسيا وكفى، بل جريمة دولية بموجب نظام روما الأساسي وبأكثر من توصيف.

1- جريمة ضد الانسانية: المادة 7 من نظام روما تجرم الحرمان الشديد من الحرية البدنية اذا ارتكب في هجوم واسع أو منهجي، وحين يتم اختطاف رئيس دولة بقرار سياسي وبأدوات منظمة وضمن سياق تدخل ممنهج في شؤون دول اخرى فنحن لا نتحدث عن حادث معزول بل عن سياسة والسياسة حين تنفذ بالقوة تصبح جريمة.

2- جريمة العدوان بموجب المادة 8 مكرر من نظام روما الأساسي: صحيح أن جريمة العدوان تتطلب شروطا دقيقة، لكن المساس باستقلال الدول سياسيا عبر عملية قسرية عابرة للحدود تستهدف رأس السلطة فيها يمكن أن يرقى الى عمل عدواني حتى لو لم تطلق فيه رصاصة واحدة، لأن العدوان لا يقاس بعدد القتلى انما بندى كسر السيادة.
ولا بد من الاشارة بأن لا حصانة أمام المحكمة الجنائية الدولية، وهذا أحد اهم مبادئ نظام روما وهو اسقاط الحصانة عن الأفراد في المادة 27 منه. ويعني ذلك أن من خطط، وأمر،ونفذ يمكن أن يتحمل مسؤولية جنائية شخصية عن فعله مهما علا منصبه، بموجب المادة 28 من نظام روما الأساسي.

الخطر الحقيقي هو تطبيع الجريمة:

ان المشكلة لا تكمن فقط في الفعل، بل في تطبيعه حين يصبح اختطاف رئيس دولة مقبولا حيث تنهار فكرة السيادة وتنهار فكرة حصانة الدول ويتحول القانون الدولي الى أداة انتقائية ويعاد تشكيل العالم بمنطق القوة لا الشرعية، فاليوم مادورو وغدا أي رئيس لا ينسجم مع ميزان القوة، وهنا لا يعود احد امنا لا الدول الصغيرة ولا حتى المتوسطة، والقانون الدولي بكل عيوبه وجد ليمنع هذا الانحدار، والتفريط به بأي حجج سياسية او اقتصادية أو جنائية حتى لو احتمل أي منها الضرورة هو دعوى صريحة للفوضى الدولية.

الدفاع عن القانون لا الأشخاص:

قد يختلف العالم أو أي شخص في العالم مع مادورو، وقد يدان نظامه أو ينتقد، لكن ذلك لا يبرر تحويل رئيس دولة الى هدف اختطاف، فالقضية ليست دفاعا عن شخص، بل دفاعا عن ميثاق الامم المتحدة، فكرة السيادة، والحد الأدنى من القانون الدولي، فحين تختطف الشرعية لا يبقى سوى القوة، وحين تحكم العلاقات الدولية بالقوة وحدها، فان الجميع عاجلا ام اجلا سيدفع الثمن.