شبكة قدس الإخبارية

في ظل الحديث عن إعادة الإعمار.. "إسرائيل" تستكمل هدم ما تبقى من غزة

غزة-1736x1157
طه عبد العزيز

تضج مواقع الأخبار العالمية وأروقة السياسة الدولية بملف إعادة إعمار قطاع غزة كأولى متطلبات معالجة آثار حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة  للعام الثالث تواليًا، وبالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي لا يزال صامدًا للشهر الثالث والذي تموضعت بموجبه قوات جيش الاحتلال على ما يقارب 60‎%‎ من مساحته الكلية، فلم تهدأ ليوم واحد عمليات نسف المباني السكنية المتبقية في كل مناطق انتشار جيش الاحتلال، وإن ما تستدعيه الضرورة والمنطق كأولى جهود الإعمار أن يتوقف الهدم أولًا، إلا أن تكثيف جيش الاحتلال بكل معداته التدميرية وقدراته الهندسية واستعانته بشركات هندسية مدنية لا تزال تسابق الزمن في هدم ومحو كل ما هو متبق من مساحة الـ 60‎%‎ يؤكد وجود خلفيات ومخططات أخرى للتعامل مع بيئة القطاع ما بعد الحرب.

فكيف يمكن قراءة هذا السلوك والنهج الذي يتخذه جيش الاحتلال مسارًا له وتحت أي ذريعة يسوق هذا الحجم الهائل من التدمير؟

ذرائع عمليات النسف ومستقبلها

في الثاني من يناير للعام الجاري كشف موقع والا العبري أن "الجيش الإسرائيلي لم يتمكن حتى الآن من تحديد وتدمير أنفاق حماس المتواجدة داخل الخط الأصفر، لذلك أصدر وزير الجيش يسرائيل كاتس تعليماته بتكثيف جهود تحديد مواقع الأنفاق في تلك المنطقة باستخدام أكبر قدر ممكن من الأسلحة الثقيلة وفرق هندسية تعمل بنظام المناوبات المكثفة على مدار الساعة".

تبع ذلك خبر آخر سمحت بنشره رقابة الاحتلال العسكرية حول اكتشاف نفق عثر عليه لواء غولاني قبل نحو أسبوع، يبعد 800 متر عن السياج الحدودي مقابل كيسوفيم جنوب قطاع غزة، ويحتوي على جدران خرسانية، وإمكانية التحرك فيه وقوفاً، إذ قدم إعلام الاحتلال هذا "الكشف" والادعاء مسوغًا لهذا التقدير: "تقدر القيادة الجنوبية في الجيش أن اكتشاف المزيد من الأنفاق على جانب الجيش من الخط الأصفر سيستغرق عدة أشهر أخرى".

وفي إعلان رسمي آخر عنون المتحدث الرسمي باسم جيش الاحتلال تحركه على الأرض بأنه "تدمير البنية التحتية التابعة لحماس في منطقة الخط الأصفر بقطاع غزة"، وكل هذه التصريحات جاءت بعد انتهاء زيارة نتنياهو للولايات المتحدة الأمريكية، فيما يبدو أنه تهيئة وتوجه لما هو قادم من حيث التحرك على المساحات التي ينتشر عليها جيش الاحتلال في قطاع غزة والتي تعني التدمير التام والكامل لكل حجر ومبنى وبنية تحتية في كل ما هو وراء "الخط الأصفر".

ما وراء سياسة التدمير الشامل

يمكن فهم سياسة جيش الاحتلال وتكثيفه لمناوبات الهدم والنسف على مدار الساعة في عدة سياقات ترتبط بمعالجة وتصفير المهددات الأمنية من قطاع غزة، كما ترتبط بهندسة الواقع الجغرافي والاجتماعي لقطاع غزة ما بعد الحرب، وتسمح لسلطات الاحتلال بإعادة رسم القطاع ومكان تواجد سكانه ومدى كثافة تواجدهم وفق مخطط "إسرائيلي" كامل يهندس الواقع ويدير التعامل مع أهالي القطاع دون أي اعتبار لأبسط حقوقهم في تقرير المصير.

•⁠  ⁠تصفير المهددات الأمنية: يحكم سلوك جيش الاحتلال في كل ساحات مواجهاته حاليًا هوس "المنطقة العازلة" والتي بدأ الاحتلال يمنحها الغطاء السياسي منذ الأسبوع الأول للحرب كذريعة لخطط احتلال طويل الأمد، إذ بدأ هذا في قطاع غزة بالترويج أن عرض المنطقة العازلة سيكون كيلو متر واحد، إلا أن مطامع الاحتلال تتولّد وتتكاثر كلّما سنحت فرصة، لينتهي الأمر برئيس أركان جيش الاحتلال إيال زمير بالدعوة لاعتبار الخط الأصفر حدودًا جديدة "لدولة إسرائيل" في تنكر وعربدة على كل ما هو متفق عليه وعلى كل القوانين الدولية بما فيها الموقف الأمريكي الرافض لهذا الموقف حتى الآن.

•⁠  ⁠"المدينة الخضراء" وإعادة هندسة الواقع الديمغرافي: كشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن تفاصيل خطة تعتمد على نقل السكان الفلسطينيين عبر خلق بيئة معيشية وأمنية قسرية في المنطقة الحمراء، وربط إمكانية الوصول إلى الحماية النسبية والخدمات الأساسية بالموافقة على الانتقال إلى مناطق محددة داخل المنطقة الخضراء، وذلك بعد إخضاعهم لعمليات فحص وتدقيق أمني واسعة النطاق، على نحو ينفي عن هذا الانتقال أي طابع اختياري حقيقي ويضعه في إطار التهجير القسري المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني، وتهدف في جوهرها إلى إعادة هندسة التركيبة الديموغرافية وإعادة رسم الخريطة السكانية والسياسية داخل القطاع، عبر فصل التجمعات عن بعضها البعض وفرز السكان على أسس أمنية وسياسية.

•⁠  ⁠نزع الملكية الفردية وتغيير شكل قطاع غزة للأبد: نشرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية تقريرًا حول "ضرورة وضع إطار عمل للملكية الفردية والتعويض وحل النزاعات، إذ تعد ملكية الأراضي قضية أساسية في ملف إعادة الإعمار". وجميع خطط إعادة الإعمار لا تتضمن التعامل مع قطاع غزة -بحسب ما يرشح حتى الآن في المواقع الإخبارية الدولية وما يتسرب من معلومات حول تصور شكل إعادة الإعمار- كما كان عليه قبل الحرب، بل يضع تصورات -لا تزال قيد البحث والتطوير- وخطط تراعي الجوانب الاستثمارية للجهات الدولية التي سيتاح لها العمل في بيئة القطاع، وتضع مخاوف "إسرائيل" واعتباراتها الأمنية كمحط اهتمام أول بعيدًا عن حق الفلسطينيين في غزة في تقرير مصيرهم.

وفي خلاصة المشهد يتضح أن الاحتلال يسابق الزمن في تفتيت ومحو شكل قطاع غزة ما قبل الحرب إلى شكل جديد يعالج مخاوفه الأمنية مستقبلًا، ويعيد رسم المشهد الديمغرافي والسياسي ويفرض التقسيم واقعًا على قطاع غزة، مع استمرار آماله في فتح باب الهجرة ونضوج أفق مستقبلًا يضمن تقليل عدد سكان القطاع لما لا يقل عن نصفه.

إلا أن فواعل رسم خطط الإعمار واليوم التالي للحرب لا يملك الاحتلال كل مفاتحها وليس بالضرورة أن يستطيع تحقيق كل ما يخطط إليه في حال امتلكت الأطراف المشاركة في صياغة خطة ترامب زمام المبادرة ووضعت سياسات مدروسة تفضي لإحباط ما يسعى الاحتلال لفرضه.