فلسطين المحتلة - قُدس الإخبارية: "الرحيل الموجع" للفنان والمخرج السوري، حاتم علي، أثار حزناً وتفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، التي نعاه روادها واستحضروا أعمال الدرامية العظيمة.
في رثاء مخرج مسلسل "التغريبة"، قال الكاتب والباحث ساري عرابي في منشور على صفحته "بالفيسبوك": "تبقى أعماله التي حملت تاريخنا على بسطته الواسعة، بما فيه من زهو، ومجد، وانتصارات، وانكسارات، وأحزان، هي الأعمق، عمق ذلك التاريخ فينا. ربما رحيله من ضرورات استكمال حلقات الرداءة، في زمن الهبوط والعار".
تشارك حاتم علي مع الفلسطينيين في مأساتهم، فهو ابن قرية فيق السورية التي نزح أهلها عنها، بعد احتلال الجولان، وعرف معاناة أن تكون لاجئاً في مخيم.
يقول حاتم علي، في حوار سابق معه، مستعرضاً تجربته التي تشابهت مع "التغريبة" الفلسطينية: "أنا لست فقط أحد أبناء الجولان المحتل، الذين عاشوا تجربة تتقاطع في كثير من تفاصيلها، مع تجربة شخصيات المسلسل التغريبة، ولكنني أيضاً عشت طفولتي وشبابي، في مخيم اليرموك، وكنت في عام 1967 بعمر صالح الذي كان يحمله خاله مسعود، وكنت أيضاً محمولاً بالطريقة نفسها على ظهر أحد أخوالي".
وعن أثر هذه الذكريات على إخراجه للمسلسل، يروي الراحل: "بشكل أو بآخر استطعت أن أستحضر الكثير من هذه التفاصيل الواضحة أحياناً، والمشوشة في أحيان كثيرة، والملتبسة في بعض الأحيان، وأوظفها وأعيد تركيبها مستكشفاً إياها، في أحيان كثيرة من خلال العمل نفسه، وكثيرا ما سُئلت نفس السؤال وهو كيف يمكن لمخرج غير فلسطيني أن يقدم عملاً عن هذه القضية، وأنا شخصياً كنت أقول أن القضية الفلسطينية هي قضيتنا جميعاً كعرب".
ويسترجع الصحفي عدي جعار، مشهداً من "التغريبة" الفلسطينية، تناول فيه "أبو عزمي العلي"، الذي مثل شخصية القائد المتسلط الذي لا يهمه سوى الجاه والبطش بالناس، ليسقط في النهاية بالعمالة مع الاحتلال الإنجليزي.
المشهد الذي تناوله عدي، حين غضب "أبو عزمي" بعد أن لم يدرج الإنجليز اسمه في قائمة المطلوبين، يقول عنه: رسالة ربما أراد بها الرائع وليد سيف والراحل حاتم علي أن يستنهضوا بها كُثُرْ من أمثال أبو عزمي، في هذا الوطن العربي والإسلامي الحزين، الذين يمتلكون عدة وعتاد وجندٌ مجندة ومواكب وطائرات وزوارق وتشكيلات عسكرية، لا تثير حتى مجرد انتباه العدو، المنشغل بطالبٍ جامعي في فلسطين، قرأ بيانًا أمام الطلبة أو نشر أنشودة على "الساوند كلاود"، تُحرِض على المقاومــة، وتنشغل محاكمه بمحاكمة فلسطيني شارك في استقبال صديقه الأسير.
من جانبها، تقول الناشطة مرام سعدي: أظهر حاتم علي في مسلسل "الغفران"، العدوان على غزة كعلامة فارقة في الخط الزمنيّ للمسلسل و أضاء على هذا الجانب بشدّة، كأن ما قبل العدوان ليس كما بعده.
وتابعت في منشور على "الفيسبوك": لم يكن ليجعل أدق التفاصيل أن تمرّ بشكل عابر، و لم يكن ليجعلك تشعر بالملل في خياراته، هل هناك عمل فني عربي أجمل من "عصي الدمع" في إضاءته على معاناة النساء العربيّات؟ هل هناك تشابه بين التاريخيّ و بين العظمة المدهشة "التغريبة"؟
وتقول: ما أجمله في نهايات أعماله إذ يجعلها دعوة للتفكّر، فمثلاً في ختام الجزء الثاني من "الفصول الأربعة" كان على وقع النشيد الوطني السوري، أم أنه حين كرّم الراحل نزار قباني في المسلسل، جعل الراحل خالد تاجا يرفع قبعته و يحيّيه و يثني على شعب يحزن أشد حزن على شاعر رحل، كان يعلم أنه سيلقى حزناً في غيابه كهذا؟ من سيثني علينا؟.
وربط المهندس سعد الوحيدي، بين المشهد الذي توجه فيه "رشدي"، بمسلسل التغريبة، إلى المغارة وأخرج سلاح والده، ليمضى مواصلاً المسيرة، بالمناورة المشتركة التي أجرتها فصائل المقاومة، في غزة، وكل تاريخ الكفاح الفلسطيني الذي لم ينقطع.
وقال: "ظهر رشدي على باب المغارة الصخرية، ولاحقاً في الكرامة ومطارات الثورة وتل الزعتر وقلعة شقيف وسافوي وميونخ، في ليلة الطائرات الشراعية وكمائن عماد وحصار المهد ومعركة مخيم جنين، وليالي الاجتياحات الطويلة، في المنطار والزنة والشجاعية وخلف الخطوط.
"هبط من السماء مع خالد وميلود، شق عباب البحر مع دلال المغربي وبشار، خرج لهم من باطن الأرض مع بشير وأسامة، ونصب لهم الكمائن على الطرق الالتفافية مع العبيات ورائد"، يقول الوحيدي.
ويضيف: اليوم يغمض "حاتم علي" عينيه لا كاميرته، ورشدي ينفذ مناورات بالذخيرة الحية، وبارودة "العبد وحسن" قد أنبتت رشاشات وراجمات وطائرات مسيرة ومضادات دروع موجهة، والفتى اليتيم اللاجئ الواقف على باب المغارة، قد استحال إلى آلاف الجند المقاتلين في وحدات نخبة وكوماندوز بحري يصطفون على أبواب "غزة" المغارة الجديدة.
ويتناول الباحث كمال الجعبري، مشهداً من مسلسل اخر أبدع فيه حاتم علي: في إحدى حلقات مرايا، يلعب الفقيد حاتم علي، دور الصحفي المشتبك مع مجتمعه المرابط في القهاوي والحواري، وهناك يلتقي بكاتب عصامي طحنه الفقر والتهميش، ويخبره عن حاله وعن قلة الوفاء التي تعرض لها، فلم يجد ذاك الصحفي مفراً من أن يكتب خبر وفاته لتمتلئ الصحف والقنوات بأخباره وأعماله، وفي نهاية اللوحة التي انتهت بضحكات ياسر العظمة وحاتم، يتبادل الاثنان حديثاً حول أن قومنا لا يدركون مكانة المتميزين والصادقين فيهم، إلا حينما موتهم، وهذا ما حدث اليوم مع فقيد القدس، الباحث المناضل والداعي للرباط فيها والصامد فيها حتى الموت، طاهر النمري.
شارك حاتم علي في تمثيل وإخراج عدة أعمال درامية هامة، بينها مسلسلات: الزير سالم، وصلاح الدين الأيوبي، وعمر بن الخطاب، والتغريبة، وغيرها.







