كثرت في الآونة الاخيرة حالات النصب والاحتيال التي وقع فيها عدد من الفلسطينيني، فأصبحت سيفاً مسلطاً على رقاب البسطاء، وما جنوه هو الحسرة والندم، والخيبة التي لم ترجع حقوقهم بل أذهبتها كأنها غبار. فقد وقعت في الأشهر الأخيرة عمليات احتيال متقنة عن طريق شراء سيارات من أصحابها بشيكات مزورة ومن ثم بيعها لمعارض سيارات في مدن مختلفة، ومن ثم يهرب الفاعلون من أيدي العدالة حتى لو اعتقل بعضهم فان الحق لا يمكن أن يعود دون اقرار من الجناة.
وقد تم تسجيل 22 حالة نصب بهذه الطريقة، كان أبطالها اربعة من مدينة نابلس بينهم امرأة تم اعتقالها لدى الشرطة الفلسطينية وآخر ايضا اعتقل فيما بقي قائد العصابة كما اصطلح عليها (ث.د) طليقاً حتى اللحظة، مع أحد معاونيه، والغريب ان المتضررين طرقوا كل الابواب ولم يسمعوا حتى الآن جواباً يشفي قلوبهم أو يعيد لهم جزءاً مما سلب منهم، غير التصبر والاحتساب.
حسين عزت شكارنة أحد الضحايا الذين تعرضوا لعملية نصب بعد بيعه سيارته من نوع متسوبيشي لانسر موديل 2011 بتاريخ 1142013 بواسطة اعلان على أحد المواقع الالكترونية الاعلانية، أوهم أن شخصاً يعرف عائلته وبلده يريد شراء سيارته لزوجته، فتمّ تحديد موعد بينهما لفحص السيارة وسرد لنا ما جرى كالتالي:
"أعلنت من خلال الموقع الالكتروني عن رغبتي ببيع سيارة بتاريخ 11/4/2013 وهي من نوع متسوبيشي لانسر 2011 تحمل لوحة رقم 9525194 وفي مساء يوم الثلاثاء 16/4/2013 اتصل بي من ادعى أن اسمه أبو صدقي وأوهمني أنه يعرف عائلتي وبلدي ومنطقتي وأنه يريد شراء سيارتي لزوجته المُدرّسة. طلبتُ منه القدوم الى بيت لحم لفحص السيارة فاعتذر متعللاً بانشغاله في محلاته (المفروشات) في نابلس واتفقنا على اللقاء في اليوم التالي في نابلس مقابل الحرم الجامعي الجديد في تمام الساعة العاشرة والنصف تقريبا".
يكمل السيد حسين: "في اليوم التالي حضر اثنان، أحدهما ادعى ان اسمه خالد/أبو صدقي زوج المدرسة والآخر أخوه أحمد، انطلق أحمد بالسيارة وبعد برهة صعد اليها شخص ثالث ادعى أنه ابو مجدي أخو المدرسة المزعومة وعند مدرسة كمال بن جنبلاط للبنات صعدت الفتاة شهرزاد التي ادعت أنها مدرسة تريد شراء السيارة وقد احضرت معها مبلغ 50000 شيكل، علما انه اتفق على مبلغ 95000شيكل ثمن السيارة".
يقول حسين شكارنة أن هؤلاء الأشخاص ادعوا أن دائرة سير نابلس مزحمة، واقترحوا أن نذهب إلى دائرة سير طوباس عوضاً عن ذلك لفحص السيارة وتسجيلها. ولكن عند وصولهم طوباس اتضح أن الدائرة مغلقة بسبب الاضراب يومها تضامناً مع الأسرى. وهكذا اتفق الطرفان على اللقاء مرة أخرى في اليوم التالي في الساعة التاسعة صباحاً.
يروي حسين أنه التقى بهم في اليوم التالي الساعة التاسعة والنصف مقابل جامعة النجاح، وحضر الثلاثة بمن فيهم السيدة وغاب أبو صدقي. ويضيف حسين:"أخذ أحمد يتجول في شوارع نابلس بدعوى أنه يريد فحص السيارة وانه لم يجد الميكانيكي الذي يريد فحص السيارة عنده وتبين لي فيما بعد أن القصد من ذلك اضاعة الوقت".
"في نهاية الدوام بعد غلق البنوك أبوابها، في حدود الساعة الثانية عشرة و45 دقيقة توجهنا الى طوباس لتسجيل السيارة بحجة ان دائرة سير نابلس مزدحمة وهناك قرروا عمل تامين جديد للسيارة مما اخذ بعض الوقت ثم توجهنا الى دائرة سير طوباس وقبل التنازل مباشرة طلبت منهم دفع ثمن السيارة نقدا فحلف أحمد أنني سآخذ المبلغ كله نقداً، لأنهم كما زعموا أهل نعمة وثراء وأن المشترية مدرسة. وهكذا بعد حلف اليمين تنازلت عن السيارة لصالح السيدة المدعوة شهرزاد ولاحظت ان ختم الملكية أخذ وقتا كبيرا في الدائرة".
في طريق العودة الى نابلس أصر أحمد على أن يعرج على سهل باذان بحجة اطلاعي عليه ففعل وذلك على ما يبدو لاضاعة الوقت، بعد ذلك عدنا الى نابلس والى مطعم قصر الجابي غادرنا من هناك أحمد مستقلاً السيارة لاحضار ثمنها، وبقيت أنا وبشار وشهرزاد في المطعم بانتظار احضار المبلغ. بعد حوالي ساعة ونصف حضر أبو صدقي، من يدعي أنه زوج شهرزاد وأحضر معه شيكا. رفضت استلام الشيك واخذ يتصل مع شخص وأظنه اتصالا وهمياً لأجل تبديل الشيك بمبلغ نقدي، فأجابني بأن الرجل ليس متوفراً المبلغ لديه الآن".
"هنا أخذ بشار أبو مجدي يشجعني على أخذ الشيك لأنه من الخطورة حمل مبلغ كبير كهذا إلى نحالين في بيت لحم، حيث أحضروا سيارة أقلتني الى مجمع نابلس وفي الطريق سألت السائق هل تعرف الشخص الذي اتصل بك للقدوم؟ فأجاب أنه يعرفه ووصفه بالرجل الثري الذي يملك الشقق والعمارات.
وفي يوم الاحد 21/4/2013 توجهت صباحاً إلى البنك العربي في بيت لحم فأفادني البنك بأن صاحب الشك له حساب بنك مغلق، توجهت بعد ذلك الى نابلس أعلمت الشرطة والمباحث بما حصل وعرفوني بالاسماء الحقيقية للعصابة المتخصصة في النصب على الناس من خلال شراء السيارات مقابل شيكات مسروقة أو بلا رصيد.
وعن سير الشكوى يقول حسين :"الدعوى حولت من نيابة نابلس الى المباحث وقد لاحظت تراخيا في القاء القبض على الجناة لجلبهم الى المحكمة حيث أخبرت المباحث ذات يوم عن مكان وجود العصابة وللاسف لم يحركوا ساكناً".
أكد شكارنة أن سيارته كمعظم السيارات التي تم شراؤها بالنصب والاحتيال (حسبما علمت من ضحايا آخرين) بيعت لشخص برتبة ملازم في المخابرات ثم باعها لأخيه، أي أن هذه السيارات يشتريها في العادة أشخاص في المخابرات مستغلين وضعهم الأمني مع علمهم اليقيني أنها تُشترى بطرق النصب والاحتيال.
ويقول شكارنة إن ثمن السيارة كان مخصصاً لتمويل دراسة ابنته في جامعة النجاح والتحضير لدراسة ابنه الذي يتأهب لدخول الجامعة. ويضيف ان ابنه الطبيب في مستشفى رفيديا في نابلس تم تهديده بنقله من هناك إذا أقدم على طلب حقه من جديد أو اللجوء إلى القضاء.
اللافت أن بعض المتورطين في مثل هكذا قضايا يعملون برتب عالية لدى أجهزة الأمن الفلسطيني، وبعض آخر من تجار السيارات وأصحاب المعارض، لا تهمهم الأوضاع الإنسانية التي تضطر البعض أحيانا لبيع سياراتهم. على سبيل المثال أحد الأشخاص الذين وقعوا ضحية الاحتيال باع سيارته ليعالج والدته المصابة بالسرطان والمتوفى زوجها وتعيل أسرة مكونة من ثمانية أشخاص. وآخر مناضل استشهد له أخوة اثنان بغضون شهرين أحدهما أثناء رفعه لعلم فلسطين وراية حركة فتح أثناء احتفالات الانطلاقة والأخر دهسه مستوطن بالقرب من مستوطنة أرئيل، وأخر باع سيارته ليسجل والدته في الحج.
يبدو أننا أمام عصابة منظمة محمية تعمل لحساب أشخاص متنفذين ومنتفعين يشترون منهم السيارات بنصف السعر وينقلون ملكيتها مباشرة. والغريب أكثر أن سجل المحاكم مليء بأسمائهم وقضاياهم التي فاقت الثلاثين ولكنهم ما زالوا طلقاء، مع العلم أن جوالاتهم مفتوحة ويمكن رصد تحركاتهم عبر الأقمار الصناعية. ويلوم البعض الثغرات القانونية في القانون الفلسطيني الجزائي الذي يسمح للجناة بالخروج من السجن بعد أشهر بدفع كفالة للمحكمة، في حين تبقى الضحية حائرة تبحث عمن يسترد لها حقها.



