شبكة قدس الإخبارية

في الخليل.. "الضربة التي لا تقضي عليك تزيدك قوة"!

عبد العليم السلايمة

عبق التاريخ، وعطر النبوة يفوح منها، أهلها أهل الكرم والالتزام، بلدتها القديمة الصامدة في وجه التهويد، مطبخها الشهي، وعنبها الألذ، وجبالها الأعلى.

إنها مدينة الخليل، تقع على بعد ما يقارب 35 كم إلى الجنوب من مدينة القدس، تشتهر بحرم الخليل إبراهيم عليه أفضل الصلاة والسّلام.

كما يقدسها المسلمون، يقول اليهود كذلك إنها مقدسة عندهم. بعد المجزرة الرهيبة التي ارتكبها المستوطن الحاقد باروخ غولدشتاين وقتل فيها 29 مصلياً فلسطينياً في فجر الجمعة الخامس والعشرين من شباط 1994، وقعت السلطة الفلسطينية الوطنية اتفاقاً مع الاحتلال، سمح بسيطرة الاحتلال على الجزء الأكبر من البلدة القديمة فيما يسمى بمنطقة H2. كما تضمنت تلك الاتفاقية تقسيم الحرم الإبراهيمي بين المسلمين واليهود.

الشيخ صالح الرازم إمام الحرم الإبراهيمي الشريف سابقاً يقول:"بعد المجزرة، تأسست لجنة إسرائيلية باسم "شمغار" خرجت بتوصيات مجحفة جداً بحق المسلمين، حيث تمت مصادرة ثلثي المسجد، بالإضافة لمصادرة الساحات الخارجية للمسجد لصالح اليهود".

وأضاف الشيخ قائلا:" يمنع المسلمون من دخول الساحات أو الأقسام المغلقة التي تم تحويلها إلى كنيس".

أما في الأعياد اليهودية، فيطال المنع كل المسجد ومرافقه. يقول الشيخ الرازم: في أعيادهم نمنع من دخول المسجد بشكل تام، حتى إن البوابة الرئيسية للسوق يُغلقونها تماما، ويمنع دخول أي مسلم منها، ونمنع بطبيعة الحال من رفع الأذان" .

إضافة إلى ذلك، فإن الأذان يمنع أيام السبت، فكما يقول الشيخ الرازم، لا يسمح برفع أذان أي صلاة أيام السبت، مؤكداً أن الأذان الوحيد المسموح يوم السبت هو أذان العشاء.

وفي يوم السبت السادس من نيسان توجهت إلى المسجد الإبراهيمي لفحص ذلك، وجلست أنتظر صوت الأذان، ولكني لم أسمعه. سألت أحد جنود الاحتلال فقال: "مفيش إلا أذان العشاء اليوم، بعد انتهاء السبت".

المستوطنون يصولون ويجولون وكأنهم أهل الدار

عندما تتوجه إلى منطقة السهلة والحسبة القديمة التي كانت عصب المدينة قبل المجزرة، ترى إنها كلّها أصبحت تحت سيطرة المستوطنين، يصولون ويجولون فيها كما يشاؤون، ولا يستطيع أحد دخولها إلا للمرور العابر فقط، عدا عن تعرضه للتفتيش في كثير من الأحيان، ومضايقة النقاط العسكرية الإسرائيلية المنتشرة بكثرة في المنطقة.

ملعب المدرسة الإبراهيمية ذلك الملعب الضخم والذي كان قديما سوق جمعة، تباع فيه البضائع القديمة ويأتي إليه أهل الخليل وقراها من كل حدب وصوب، أصبح الآن تحت سيطرة المستوطنين أيضا، وفي أعيادهم تراه ممتلئا بسياراتهم وحافلاتهم، بينما لا يستطيع أهل البلد الحقيقيون من الدخول إليه بسياراتهم.

في عيد الفصح اليهودي الأخير كان أحدهم ينادي بالعبرية: " الخليل لنا، تعالوا إلى هنا". وفي ليلة الاثنين الأخير قاموا بإطلاق كميات كبيرة من المفرقعات النارية بمناسبة بدء احتفالهم بإقامة كيانهم.

للمدارس من المعاناة نصيب

مدرسة المتنبي الأساسية للبنين الواقعة في وادي النصارى بالقرب من الطريق الموصلة للحرم الإبراهيمي تتعرض باستمرار لمضايقات من الجيش والشرطة والمستوطنين، حيث حاول جيش الاحتلال خلال أسبوع واحد – أسبوع عيد الفصح- اقتحام المدرسة ثلاث مرات.

الطالب باسل جابر أحد طلاب الصف الرابع في المدرسة تعرض للضرب على أيدي الجيش وحرس الحدود، قال لشبكة قدس:"أمسكني عشرة جنود، واتصلوا وأحضروا فرداص من حرس حدود، وبدأوا جميعهم بضربي، في البداية ضربوني خارج الجيب، بعدها أدخولي بالجيب، ربطوني بالكلبشات الحديد، وانهالوا علي بالضرب لكمات وركلات". بعد كل هذا الضرب سألوا الطفل: "إنت ضربت حجار؟".

مدرسة الخليل الأساسية للبنين التي تقع في مجمع المدارس على مفرق طارق لها نصيب آخر من المعاناة.

الأستاذ شكري جابر أحد معلمي المدرسة يقول إن مدرسته تتعرض يوميا للانتهاك من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي لأنها تقع بالقرب من الحرم الإبراهيمي وطريق مستوطنة كريات أربع، وهناك أيضا حاجز للجيش قريب من المدرسة.

ويقول جابر:"مع بداية عيد الفصح عندهم اعتقلوا ما يقارب الثلاثين طالباً، تركوا البعض منهم واحتفظوا بالآخرين لحين استكمال التحقيق معهم".

وأضاف الأستاذ يقول:"أحد الطلبة اعتقل لمدة عشرة أيام، وتمت محاكمته وتبرئته من التهم الموجهة له".

الطالب رامز جابر أحد الطلاب الذين تم اعتقالهم والتحقيق معهم قال بأنه والطلاب كانوا قادمين للمدرسة بشكل عادي، وكان الجيش عند الحاجز – المقام عند ديوان آل الرجبي، بعدها خرج الجيش من كل مكان، واعتقلوا الأولاد وكان من بينهم وضربوهم ضرباً مبرحاً.

وأضاف جابر: "حملونا بشاحنة جيش وأخذونا لشرطة الحرم، وبقينا سبعة من الثلاثين، أخذونا على شرطة ( جعبرة) وحققوا معنا، وقال لنا المحقق:" فيه حدا بيعطيكو مصاري علشان تلاطخوا علينا حجار"، "احنا ما رديناش عليه وقلنا له لا".

وأضاف:" حجزونا من الساعة السابعة صباحا حتى الثامنة والنصف مساء".

sd

البلدة القديمة تئن

والحديث عن الخليل لا يمكن بدون الحديث عن بلدتها القديمة. تمر منها فتجد كثيرا من المحال مغلقة، وتجد قليلا من الناس يتجولون فيها بعد أن كانت تغص بالناس.

السيد عبد المعز سدر صاحب مصنع حلقوم الخليل في البلدة القديمة قال:"المحلات التجارية نصف السنة بشوفوش الناس لكثرة أعياد اليهود" وأضاف:" الحقيقي أن المعاناة التي يعانيها أهل المنطقة كأصحاب محلات تجارية معاناة لا يعلم بها إلا الله، غيري بيفتحوا وبيسكروا أحيانا بيقولك والله ما استفتحنا، أحيانا باليومين بالثلاثة بيقولك ما استفتحنا".

أما السيد حمدي الدويك صاحب مخبز في البلدة القديمة فقال إن المستوطنين الذين يدخلون البلدة القديمة تكون عليهم حراسة مشددة على المداخل وعلى أسطح المنازل وإغلاق الحرم وعلى أبواب المحال التجارية، يعتدون على المحال فتجدهم يضربون صواني الخبز ببعضها أو يكسرن زجاج المحلات أمام الجيش، ولا يتكلمون معهم، بل يضحك الجنود ويصفقون للمستوطنين.

من جانبها السيدة نوال اسليمية رئيسة جمعية إذنا التعاونية للتطريز والأشغال اليدوية، والتي اختارت أن تفتح محلا في البلدة القديمة لدعم جمعيتها في البداية، ولكن لمّا وجدت الوضع هكذا، اختارت أن يكون وجودها نوعا من أنواع المقاومة السلمية، تقول السيدة اسليمية:" الاحتلال موجود في كل فلسطين، لكن البلدة القديمة تختلف عن كل فلسطين لأن المستوطنين عندنا ساكنين في وسط الناس، وهذا يشكل عائقاً كبيراً أمام الحركة السياحية والحركة الوطنية نفسها، لأن الفلسطيني عندما يسمع بوجود مشاكل في البلدة القديمة لا ينزل إليها"، وأضافت أنه لا يوجد أمان فالبيوت ممنوع أن تغلق، ولو أغلق المواطن باب منزله ينزل له المستوطن من السطح فأين الأمان.

السيد رائد أبو ارميلة أحد متطوعي مؤسسة "بيتسلم" الإسرائيلية قال:" في أعياد اليهود بالذات تدخل أعداد كبيرة من المستوطنين داخل البلدة القديمة، بيصير سرقات للمحلات، واعتداء على المواطنين، الجيش الإسرائيلي أيضا يعمل تغطية على المستوطنين ويدافع عنهم".

شارع الشهداء مغلق ومستهدف

دخلناه في إحدى الجولات مع حملة جولتنا في بلدتنا، وزرنا السيدة أم عبد السلايمه وكان لها كلمات مؤثرة فقد قالت:" هذا الشارع تآمر عليه المستوطنون واليهود، هذا الشارع مغلق بأمر من المستوطنين، مش بأمر عسكري، المستوطنين ما بدهم لا شجر ولا حجر ولا مسلم موحد الله في هذا الشارع، هذا الشارع بيستناكو انتو تعيدوا نبض الحياة فيه، أنا بيتي مفتوح الكو كلكو"، وأضافت السلايمه:" أنا الي في 25 سنة في هذ البيت أكلت فيهم أكثر من 25 مرة اعتقال، قبل 3 شهور تم سجني، .....، على السور هذا كانوا بالمئات، بيقولو هذا بيت الآباء والأجداد"، ثم قالت:" نزلوا على الأسطح بالمئات جيش مع مستوطنين يضربوا حجار، أشد وأوسخ أنواع التعذيب والعنف،..... الحجار كانت كبيرة".

تنهي أم عبد كلامها بجملة تخط من ذهب : "بفكروا من كل اللي بعملوه فينا راح نطلع، بالعكس:الضربة اللي ما بتقضي عليك بتقويك، كنا كل ضربة منهم احنا تقوينا أكثر ونصمد".

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0