باتت مسيرة العودة حدثاً روتينياً، متكرراً ونمطياً، وقد غدت مثل سائر المناسبات الوطنية حدثاّ يفرقنا أكثر مما يجمعنا.
فلنبدأ مع تحديد اليوم الذي تقام فيه مسيرة العودة ليتزامن مع اليوم الرسمي لقيام دولة "إسرائيل" حسب التقويم اليهودي. لماذا هذه التبعية حتى في إحياء مناسباتنا الوطنية؟ لماذا هذا الانسياق خلف التحديدات الإسرائيلية، لماذا كل فعل لنا يكون عبارة عن رد فعل لإملاءات إسرائيلية.
إذا دققنا في الشعار المكرر "يوم استقلالهم هو يوم نكبتنا"، فلا بد أن ندرك أنه شعارٌ أجوف، يفقد النكبة جوهرها وينساق خلف المحتل. فهل يمكن حقاً اختصار نكبتنا بيوم واحد؟ أنسينا أن النكبة قد بدأت قبل هذا اليوم، وحتى قبل عام 1948 بكثير، وقد استمرت بعد هذا العام، وهي لا زالت مستمرة حتى يومنا هذا.
إن هذه المسيرة التي من المفترض أن تكون حدثاً يجمع شملنا ويوحد صفنا ويشدد على وجودنا هنا كأصحاب هذه البلاد، ويشدد على حقنا في العودة، تفتقد الكثير من الإبداع والتجدد مما يجردها من كل مفهوم للعودة. وقد بدا هذا واضحاً في مسيرة هذا العام إلى قرية "خبيزة".
إن من شارك في هذه المسيرة لا بد أن يكون قد استوقفه رفع الأعلام السورية خلال المسيرة، وبغض النظر عن مدى صحة أو بطلان مثل هذه التصرفات، إلا أنه ما استوقفني أكثر هو أن هذه الأعلام استثارت حفيظة منظمي المسيرة بشكل ربما كان مبالغ فيه بينما لم تحرك بهم شيئاً حفلة الشواء الموازية لمنصة الحدث. نعم شواء، في مسيرة العودة كان يباع للمشاركين اللحم المشوي، لا أدري إن كان ذلك من منطلق تجاري بحت ولكن اقتران الشواء باحتفالات "يوم استقلالهم" كفيل بمنع مثل هذا النشاط، وهو أيضاً يعيد إلى أذهاننا الأيام الأولى ل"قيام الدولة"، حيث كان أبناء شعبنا يخرجون للشواء في قراهم التي هجروا منها احتفالاً ب"الاستقلال"، برأيي قد كانت رائحة اللحم المشوي أدعى إلى أن تستفز منظمي المسيرة من مشهد الأعلام السورية التي حملت في المسيرة.
بالإضافة إلى ذلك فقد كانت مسيرة العودة اليوم أشبه بمهرجان للتسوق مع عربات الأكل السريع والتسالي، مما يضفي على هذا الحدث طابعاً تجارياً أكثر منه طابعاً وطنياً، ومما أضاف لهذا كان الخلل التنظيمي، حيث لم تتوفر أمكنة للجلوس لتستوعب غالبية المشاركين كما أن صوت المنصة بالكاد كان يصل الصفوف الأمامية، فلم يجد المشاركون بداً من الإنضمام لهذا المهرجان.
برأيي أنه إذا أردنا حقاً تنظيم حدثاً يليق بنكبتنا فعلينا أن نخرج من النمطية، أن نكون خلاقين في طريقة إحياء هذه الذكرى. علينا أولاً أن نحدد اليوم بأنفسنا، لماذا لا يكون مثلا في يوم النكبة في الخامس عشر من شهر أيار؟
لماذا لا يحدد التاريخ ليوافق تاريخ تهجير القرية التي ستتم إليها المسيرة؟ لنعود إليها في نفس تاريخ التهجير ولو لبضع ساعات وفي ذلك رمزية عميقة.
لماذا مثلاً لا تكون مسيرة العودة إلى إحدى القرى أو المدن المأهولة، مثل يافا، أو عكا؟ أو حتى العودة إلى اراضينا التي أقيمت عليها مدن إسرائيلية مثل "نتسيرت عليت" أو دير ياسين التي أقيمت عليها "جفعات شاؤول"؟ لماذا لا نعود إلى قرى ومدن يهددها خطر الاستيطان، مثل سلوان في القدس؟ لماذا لا نبني قرية جديدة على غرار "باب الشمس"؟
لماذا لا نعود إلى "لفتا" ونعيد إحياء بيوت "لفتا" مثل ما فعلوا في "اقرت"؟ باختصار، إن كنا ننوي العودة حقاً فعلينا أن نفرض خطابنا نحن، وعليه أن يكون خطاباً صادقاً، متجدداً، موافقاً لاحتياجات شعبنا ومتماشياً مع طموحات شبابنا، فلم تعد الخطابات المجترة والشعارات الرنانة كفيلة بسد رمقنا المتعطش للعودة.
تصبحون على عودة.



