تحيي الجماهير العربية في الداخل الفلسطيني الذكرى السابعة والثلاثين لأحداث يوم الأرض، والتي تعود جذورها إلى محاولة السلطات الإسرائيلية وبحجة "تطوير الجليل" إلى مصادرة 21 ألف دونم من منطقة "المل" وهي المنطقة الممتدة بين قرى عرابة البطوف ودير حنا وسخنين وعرب الهيب. في حقيقة الأمر كان قرار الحكومة يوم 13.2.1976 بمنع دخول الأهالي إلى أراضيهم في المنطقة المحظورة إسرائيليا تعبير عن الرغبة الصهيونية في صيرورة مشروع تهويد الأراضي العربية والسيطرة عليها لأهداف متعددة وبناء المستوطنات اليهودية على أنقاضها، وكشفت المخططات عن النية في بناء أكثر من 60 مستوطنة في الجليل عبر استيعاب الهجرات اليهودية وإحداث توازن ديموغرافي بين اليهود والفلسطينيين.
تهويد الجليل وتحويله إلى قطاع يهودي كشفت عنه وثيقة متصرف لواء الشمال في وزارة الداخلية والمعروفة بوثيقة "كينغ" العنصرية، علما بأن غالبية سكان الجليل أي ما يقارب 70% كانوا من الفلسطينيين وبلغة الأرقام بلغ عدد الفلسطينيين في عام 1973 ما يقرب 147 ألف عربي فلسطيني مقابل أقل 60 ألف يهودي، كل هذه العوامل دفعت الحكومة الإسرائيلية على الإقدام والاندفاع لمصادرة 21 ألف دونم من منطقة "المل" والمعروفة عسكريا بمنطقة رقم "9". الحادثة لم تكن عابرة ولكنها استندت إلى موروث فكري وأيديولوجي عميق متجذر في الحالة الصهيونية الاستيطانية وفي النفسية السياسية والاجتماعية اليهودية.
تصدت الجماهير العربية بشجاعة لهذه الممارسات القمعية وخرجت لتعبر عن غضبها واستيائها من كل القرى والبلدات العربية بشكل سلمي عبر المظاهرات مما أدى إلى مصادمات بين الفلسطينيين وقوات الأمن وحرس الحدود المدججة بكل أنواع السلاح بعد دخولها مستعدة للقمع، مما أدى إلى استشهاد باقة من أبناء وبنات الداخل الفلسطيني. كسر حاجز الصمت والخوف أذعر المؤسسة الإسرائيلية ودفعها للتراجع عن قراراتها ولكنها سرعان وعادت تحت مختلف الأذرع والمشاريع لتهويد وتهديد الأرض والمكان. لقد سطرت الجماهير العربية نقلة نوعية فريدة في سلوكها السياسي والاجتماعي وعبرت عن ارتباطها الوثيق لما تبقى من كرامتها بعد أحداث سياسية عظيمة جدا وما زالت محفورة في الذاكرة الجماعية.
يشير ابن خلدون في مقدمته على ضرورة دراسة الواقع والتاريخ لتطوير نموذج السلوك البشري والتعاطي السياسي والثقافي مع القضايا باستحضار التاريخ والتجربة، وقياسا على كلام المؤرخ وعالم الاجتماع ابن خلدون يجب استحضار التجربة الفلسطينية الفريدة وخاصة أحداث يوم الأرض وعدم الوقوف والتعبير عن هذه الذكرى من خلال إقامة المهرجانات والشعارات والخطابات الرنانة فقط، وان كان هذا الأمر مطلوب وواجب للأجيال، إلا انه غير كاف ولا بد من الإبداع للتعبير عن التضامن مع الأرض وإحياء ذكراها الغالية والثمينة بصورة ترتقي إلى دماء وتضحيات أبناء المجتمع، وقد بدأت الحركة الإسلامية في ذلك عندما ابتكرت سلوكا سياسيا إبداعيا غير مسبوق في التواصل والاحتفال بذكرى يوم الأرض من خلال التواصل مع ارض النقب الأكثر عرضة للتهديد والمصادرة والتهويد.
لا تتنظر الجماهير العربية اليوم ردة فعل تقليدية وخطابا سياسيا كلاسيكيا، فهناك حاجة أكثر مما مضى وفي ظل التحديات المتعاظمة إلى توحيد الصفوف وإحياء اللجان المتخصصة في شؤون الأرض والإنسان ومنها "لجنة الدفاع عن الأراضي" ولا يمكن لأي منصف تجاهل دورها التاريخي في الدفاع عن الأرض، إلا أنه قد طغى عليها المصالح الحزبية والشخصية الضيقة على حساب القضايا الوطنية. يجب أن لا يقتصر إحياء ذكرى يوم الأرض بمظاهرة أو أكثر في منطقة معينة، والاستياء الجماهيري من الأداء الحزبي يتطلب إعادة إحياء اللجان الوطنية وعلى رأسها لجنة المتابعة وإعادة بنائها وتفعيلها لا لتكون لجنة تنسيق خجولة وغير ملزمة فقط وإنما لتتحول إلى جسم تنفيذي وبرلمان عربي بديل للكنيست الإسرائيلي.
عمليات التهويد والمصادرة لا تتوقف، وهناك استهداف غير مسبوق لما تبقى من اراضٍ يملكها الأهل في النقب والجليل، فمشاريع "غولدبرغ" و "برافار" و "بيغن" التي تعتبر البدو في الجنوب مستوطنين وغزاة، وتشرع القوانين كقانون "تنظيم الاستيطان البدوي" الذي اقترح في العام 2012 كلها مؤشرات على حجم التحديات الراهنة والمستقبلية. هذه المخططات تستهدف هدم بيوت لأكثر من 20 ألف عائلة وتهجير أكثر من 15 قرية من القرى غير المعترف بها واقتلاع أكثر من 35 الف فلسطيني من النقب بهدف "تطوير النقب" وتجميع البدو في ثمانية بلدات دائمة. فهل هناك تحديات أكبر من هذه المخططات؟؟ وهل هذه التحديات تتطلب من الأحزاب العربية الانتظار والمراقبة من بعيد؟؟ وهل هذه التحديات تتطلب ردود فعل خجولة وهزيلة من بعض القيادات العربية؟؟ ألا تستحق هذه التحديات والمخاطر الترفع عن المصالح الحزبية والشخصية القبيحة؟؟ وهل يمكن البقاء بدون مؤسسات وهيئات وطنية عليا قوية وعملية تنفيذية في ظل المتغيرات في المنطقة؟؟
وفي النهاية لا بد من الإشارة إلى أن الجماهير العربية التي تحركت وسبقت كل الأطر والأحزاب السياسية وكسرت عصا الطاعة في يوم الأرض وفي هبة القدس والأقصى ومن قبل في أحداث الروحة عام 1998، وفي كثير من المناسبات الوطنية وعبرت عن حالة من الوعي والتسييس غير المسبوق من شأنها اليوم أن تسبق هذه الأحزاب وهي اليوم أكثر وعيا وتسييسا من الماضي، ويشهد على ذلك وعي الأجيال وحركة الربيع العربي.