نحيي نحن فلسطينيو الداخل في 30 آذار من كلّ عام ذكرى يوم الأرض الخالد، الذي تعود أحداثه لعام 1976، عندما حاولت سلطات الاحتلال مصادرة آلاف الدونمات من أراضينا ضمن مخطط تهويد الجليل، فما كان من جماهير شعبنا إلا أن توحدت في انتفاضتها في القرى والمدن العربية التي هبت منتفضة ضدّ مخططات المصادرة، واستشهد على اثر هذه المواجهات بين الفلسطينيين وجيش الاحتلال ستة شهداء. هذا سردٌ سريعٌ لمن لا يعرف ما هو يوم الأرض.
لكن السؤال الأهم هنا هو: ما الذي يجعل يوماً كهذا مميزاً في تاريخ الشعب الفلسطيني؟
وأنا هنا أجيب لأُذكّر من نسي بأن ما ميز هذا اليوم لم تكن دماء الشهداء التي أريقت ولا التظاهرات التي نظمت دون إذن من شرطة الاحتلال أو جيشه. بل إن ما ميّزه هو انكسار حاجز الخوف من تلك العصابات التي هجّرت إخوتنا وأجدادنا وسرقت بيوتنا وسكنتها وأصبحنا بعدها شعب اللاجئين. وعندما اتخذت هذه العصابات شكلَ المؤسسات باسم الدولة حاصرتنا بالحاكم العسكري حتى بات التنقل في وطننا بين قرية وقرية بإذن الحاكم العسكري، فعزلتنا عن بعضنا وعزلتنا عن العالم العربي حتى شعرنا بأننا أقلية منعزلة في شرق أوسط عربيّ، فيه أقلية يهودية مارست ما مارسته من جرائم بشعة، ارهبت بها أصحاب البلاد بجرائم التطهير العرقي، ليبنوا "وطناً" لهم فوق مآساينا.
لم تكن أهمية يوم الأرض بالتظاهرات بل بتفجير الثورة التي كسرت المحتل وحافظت على الأرض، فمنعت مصادرة بضعة آلاف من الدونمات التي كانت تعود ملكيتها في المعظم لملكيات شخصية، لكنهم انتفضوا جميعاً لمنع مثل هذه السيطرة على أراضي الجليل وإفشال مخطط التهويد والاستيطان.
ونحن اليوم في الذكرى الـ 37 ليوم الأرض نقف أمام مخططات تسلبنا المزيد من الدونمات مما تبقى من مخزوننا من الأراضي، وذلك بعد أن قُلصت ملكيتنا إلى ما يقارب 2% من مساحة فلسطين التاريخية، علماً أننا وفق حدود دولة الإحتلال فإن تعدادنا السكاني الذي يعادل ما نسبته 20% من نسبة السكان يضمن لنا ما يفوق هذه النسبة. ومن نافل القول هنا أننا أمام مؤسسة قامت أصلا على ما سلبتنا إياه من أراضٍ ووضعت ضمن أهم مخططاتها السيطرة على ما تبقى منها.
نحن من وجدت فينا خطراً ديمغرافياً يجب تشتيته ومنع تمركزه في منطقة جغرافية واحدة، فلم تقتصر محاولات مؤسسات هذه الدولة على السيطرة على ما سمته املاك الغائبين الذين هجرتهم، ولا على املاك لم يتم استغلالها بعد من قبل اصحابها بذرائع مختلفة، بل تجاوزت ذلك إلى هدم بيوتنا التي نسكنها، فأصدرت أوامر الهدم لبيوتنا، بحجة عدم الحصول على تراخيص بناء من لجان تتفن في وضع شروط تعجيزية أمام الفلسطيني الأعزل من كل دعم، وحيداً يظّن أن صراعه فريد، لكنه صراع مليون ومئتي ألف فلسطيني في الداخل.
نعم نحن عزل أمام هذه المؤسسة، حقيقة لا تخفيها تظاهراتنا السنوية الهشة، تظاهراتنا التي يبدو أنّها تفتقد لمعنى رسالة يوم الأرض. كانت البداية لزرع الانتماء في البراعم الجديدة ولتمجيد الشهداء لكنها انتهت الى السير حول الدوارات التذكارية التي لا نقلل من أهميتها ورمزيتها لكن التفافنا حولها أعجزنا وأذبلها. هذه المسيرات التي سلبتنا غضبنا وسلبت هذا اليوم أهميته فباتت مشاركتنا في كلّ عام تقل بأعداد ملحوظة، وحتى بات صوت انتقاد المشاركين في التظاهرات أعلى من صوت الهتافات. فهل هكذا نحيي يوم الأرض؟ أما سئمتم قادتنا؟ أما سئمتم شبابنا؟
لا ننكر هنا أننا نقدّر كلّ مبادرة حسنة عملت على احياء يوم الأرض وحفظته لمدة 37 عاماً، لكنه احترام حذر يا سادة، نعم هو احترام حذر فهل نكتفي بتضامن عابر امام وسائل الاعلام بعد 48 مرة على هدم العراقيب؟ أم امام مخطط برافر الذي يقضي بمصادرة ما يقارب المليون دونم من اراضي النقب؟ أم نكتفي بتظاهرات هشة خجولة عرجاء أمام 12 عائلة في كفر قاسم مهددة بالتشرد بسبب أوامر هدم بيتها نتضامن معها في يوم الأرض فقط او عند اقتراب بلدوزرات الهدم التي تتسلل الى قرانا في ساعات الليل المتأخرة. نقف هائجين غاضبين أمام آلات الهدم ثم وماذا بعد؟
وقد يسألني سائل ماذا تريدين إذن؟ و أجيب أنني أريد أن نحيي يوم الأرض، لا أن نُحيي بكاء الأرض ولا عيدها، أريد لرسالة يوم الأرض أن تحيا فينا ولا أريد مهرجاناً خطابياً في نقب تنهشه مخططات وضعت لسلبه. برأيكم هل يكفي مهرجان خطابي بحضور هزيل. لا تعنيني الخلافات الصغيرة التي قد يتذرع بها البعض في التنظيم، وهنا اسألكم اذن لماذا أنتم قادة، ما دمتم لا تستطيعون تنظيم شيء مغاير؟
و لمن لا يعرف يجب أن يعرف أن أي شعب إذ تجند ضدّ اعتى مؤسسة فانه سينال حقوقه لا محال، ونحن كشعب فلسطيني حققنا المعادلة وانتصرنا هي ليست افكار اسطورية. فهل سمعتم بمعجزة بلعين؟ هل سمعتم عن انكسار الدولة أمام إرادة قرية؟ عندما أصر اهالي بلعين في تظاهراتهم السلمية الأسبوعية على استعادة ارضهم التي حاولت الدولة ضمها لها بواسطة الجدار الفاصل العنصري.
لكنهم بالصبر والإرادة أعادوا الأرض ربما ليس كلها لكنهم اعادوا أكثر من نصفها وكانت هذه أول مرة تتنازل فيها الدولة عن أرض للفلسطينين من الضفة بعد أن صادرتها. أهالي بلعين استعادوا الأرض وانتصروا لفلسطين لا لبلعين، عندما تمكنوا بذكائهم من تجنيد الإعلام لخدمة قضيتهم ونرى اليوم أبناء هذه القرية يخرجون من حدود قريتهم إلى حدود فلسطين فيبنون القرى على أراض تعلن "إسرائيل" عن مخططات لمصادرتها، لكن ذلك لا يعنيهم فبنوا قرية باب الشمس ولا يزالوا يبنون في كل يوم قرية والمؤسسة المدججة بالبلدوزرات والجنود تهدم. هم بذلك لا يبنون القرى فقط بل يبنون جسراً يصدرون فيه حق شعب في الحياة الى العالم وبهكذا أصبحت شهرة بلعين موازية لاسم فلسطين بل سفيرتها في العالم. فهل في هذا الدرس عبرة ؟
ماذا أعددنا نحن في الداخل للتصدي لهذه المخططات؟ السير من شارع الشهداء وصولاً إلى النصب التذكاريّ لشهداء يوم الأرض؟ وهناك سندفنه كما نفعل في كل عام نعم سندفن غضبنا،وينتهي يوم الأرض! صرخ من قبلنا توفيق زياد حين انتقد اقتراح للجنة المتابعة العليا فيما مضى بأن يتحول يوم الأرض لعيد الأرض! فردّ ساخراً هل سنتبادل التحيات في عيد الأرض؟! لا يا سادة، لسنا بذلك الترف لنمضي في إحياء يوم الأرض في مسيرات حول الدوارات.
انتفضوا أيها الشباب، اخرجوا من عباءة لجنة المتابعة العليا، واخرجوا من خنادقكم الافتراضية، تعالوا فهناك ما يستدعي الانتفاض والثورة، هناك المزيد من الأسلحة السلمية، هناك ما يحتاج روحنا الشبابية، وقوة ايماننا في القدرة على التغيير، هناك مستقبلنا وأرضنا. فلا تكتفوا بأن نلتقي في المسيرات الوحدوية او المهرجانات الخطابية، فلا جديد فيها ليطرح.
أوّجه حديثي هذا لكل صديق التقيته منذ عدة سنوات وتشاركنا الانتقاد ذاته حول طريقة إحياء هذا اليوم، وتذمرنا معاً. أنادي العائلات الشابة التي تحمل أبناءها على الأكتاف مرفرفة بعلم فلسطين صارخة بهتافات "هنا ضاعت فلسطين وهنا بدنا نرجعها"، لكن ليست في مثل هذه المسيرات ستعود فلسطين، ولن نحمي بيوتنا وحقنا في الوجود اذ استمرينا في احياء يوم الأرض بهذا الشكل. نحتاج أكثر من ذلك وأنتم أعلم مني بذلك.
مقالي هذا هو دعوة لاعادة حساباتنا في إحياء يوم الأرض ومعنى هذا اليوم بالنسبة لنا.