مما لا شك فيه أن افصاح الدكتور فياض عن ملامح مشروع موزانة العام 2013 سيمر كسابق مشاريع الموازنة مرور الكرام، ذلك أن الرجل يجمع بين أمرين متناقضين بطريقة فريدة، فالرجل يتعامل باستخاف غير مسبوق بعقل المتلقي، وفي نفس الوقت يغلف ويسوق ما يقدم بطريقة غاية في الاتقان.
ورغم ما عانى منه الوضع المالي العام وما لحق العاملين فيه من معاناة بفعل سياساته المالية التي مست بجانب ذلك وبشكل جوهري استقلالية القرار السياسي الفلسطيني يواصل فياض نفس السيناريو السابق الذي يغيّب عوامل الدفع الاقتصادي الذاتية في ظل غياب تام للنمو المستدام.
عشرة أعوام مرت منذ قدم فياض أول مشروع موازنة باسمه كوزير للمالية، عشرة أعوام والسياسة المالية الفلسطينية تتأرجح بشكل محير، فيما يمارس الرجل ما يريد حتى وإن كان يناقض أبجديات إدارة المال العام أو يناقض ما انتهجه سابقا من نظريات وأسس للعمل.
جاء الرجل بعنوان عريض مفتاحه كلمتان دأب على استخدامهما، هما الشفافية والمحاسبة، وبعد عشرة أعوام نجح تماما في اعتماد حساب الخزينة الموحد، لكنه بقي وحده من يمتلك المقاليد خارج اطار المحاسبة، وأنتهج نوعاً جديداً من الشفافية قوامها شفافية بالحد الذي أريد أن افصح عنه.
بعد ذلك اعتمد سياسة أعلن عنها في اطار ترويجي مبهر، تماما كما فعل في الشفافية حين دفع ببوش الإبن عام 2003 أن يشيد به وبمستوى الشفافية الجديد، رغم ان ما عرضه آنذاك لا يعدو ورقة توضح اجمالي الانفاق والايرادات. كشف فياض عن تبنيه للنظرية الكنزية القائمة على أساس ضخ المزيد من المال العام رغبة منه كما قال في "إعادة الإعتبار للقطاع الخاص". صحيح أن الرجل دفع بتبني هذا الخيار قبل ذلك بعامين حين عمل في إطار صندوق النقد الدولي، لكن محاولاته تلك التي كنت شاهدا عليها كانت تواجه بشكل كبير بإدراك من وزير المالية آن ذاك محمد زهدي النشاشيبي وابنته عبلة لمآلات ما يريد في ظل عدم توفر مصادر تمويل كافية للانفاق العام.
بالفعل بمجرد تقلده مقاليد الأمر أخذ الانفاق العام منحى تصاعدياً غير مسبوق وتضاعفت فاتورة رواتب القطاع العام، تلك الفاتورة التي قال الرجل أنه جاء لضبطها، تواصل الأمر رغم النزعة العالمية للتقشف في الإنفاق العام، اعتمد هذا التوسع على ثلاثة مصادر أساسية، في مقدمها تمويل الجهات المانحة، يليه الاقتراض من المصارف المحلية، وثالثاً زيادة العبء الضريبي على القطاع الخاص.
اليوم من جديد، يقدم من جديد الدكتور فياض المشهد القاتم وكأي مشهد، يسبقه بتصريح عريض يقول فيه نجحنا بتجاوز الأزمة المالية، بالفعل جاء الأمر بجهود الرجل وحكمته ولم يكن نتاج رهن القرار السياسي الفلسطيني، جاء النصف مليار الأمريكي استجابة لحنكة الرجل ومهنيته، وجاءت المليار ومئتين الأوروبية لسواد عيونه.

يفتتح المشهد مدعيا أن الدين النظامي الخارجي المتعاقد عليه في نفس المستوى دون تغير منذ سنوات، قدم الرجل رقما مغلوطا عن نسبة الدين العام من الناتج المحلي، ، ولم يذكر أنه يستدين نحو مليار دولار من أموال الموظفين دون إذن منهم، وفي نفس الوقت لم يشر أنه يستدين نحو مليار وربع من المصارف بما يعادل أكثر من حقوق الملكية فيها، و يقترض نصف مليار اخر من القطاع الخاص، ذلك القطاع الذي كان دعمه غطاء للتوسع الحاد في الإنفاق فما عاد له بفعل سياسته أية ملامح.
أضحى المواطن البسيط رهينة لقرار الحكومة وأضحى في واقع الامر ممولا رئيسيا للحكومة، أما القطاع الخاص فغرق أيما غرق، ليس فقط لم يعد له وجود في السوق العالمي، فمستوى الصادرات التي تتركز في البضائع والخدمات ذات القيمة المضافة المنخفضة وصل إلى نحو 7% أكثر من 85% منها توجه إلى السوق الاسرائيلي، جلها منتجات غذائية يستورد السوق الفلسطيني سبع أضعاف قيمتها من السوق الإسرائيلي!
أما القطاع الصناعي فتدهور بشكل غير مسبوق لتصل نسبة مساهمته في اجمال الناتج المحلي إلى ما دون 10% بعد أن كان يحلق نحو 20% قبل استلام الرجل. أما القطاع الزراعي فقط بلغت مساهمته نحو 6% بعد أن كانت نحو 13%.
كل ذلك حدث ويحدث للأسف دون أن يقول أحد لفياض يكفي و دون أن يصدر أي تعقيب، دون أن يتساءل أحد لماذا يحقق قطاع غزة المحاصر معدلات نمو اقتصادي اعلى من تلك التي حققها فياض، يحدث ذلك وتجد سياسات فياض من يشرعن لها استمراراها وتخبطها، ويواصل سياساته التوسعية في الانفاق والاعتماد الواسع على الدعم الخارجي والتوسع الضريبي والاقتراض الداخلي.