تفترش أم أمجد صباح كل يوم إحدى الزوايا في شوارع القدس العتيقة، تعرض للمارة بسطة خضارها برغم كل العقبات التي يضعها الاحتلال في طريقها. في الخامسة صباحاً تستيقظ أم أمجد وتحمل بضاعتها التي حصدتها في اليوم السابق، وتخرج من بيت لحم محاولة الدخول إلى القدس دون أن يكون بحوزتها تصريحاً إسرائيلياً يسمح لها بدخول "بلدها". تجلس أم أمجد في نفس الزاوية اذا نجحت في العبور "عبر الحدود"، وتبيع ما جادت به أرضها من الملوخية والعنب والخوخ وغيرها، حسب الموسم.
أم أمجد في الخمسينيات من عمرها، منذ أكثر من عشرين عاماً تدخل إلى القدس بدون تصريح، تحاول من هنا ومن هناك، من خلال الالتفاف حول حواجز الاحتلال، يما يتخلل ذلك من مشي متواصل لساعات طويلة في طرق وعرة أحيانا، في رحلة البحث عن منفذ يدخلها إلى مكان كسب رزقها.
تروي أم أمجد عن برنامجها اليوميّ:" كل يوم أصلي الفجر وادعي الله تعالى لكي يسهل طريقي، فأنا أمرّ من طرق التفافية ومتعثرة لكي أدخل القدس. أحيأنا أمر بسلام، وأحيأنا أخرى اضطر للعودة بعد أن تقفل كل الطرق بوجهي، وإذا صادفتُ دورية في الطريق اضطر للانتظار حتى تذهب، أو أغير طريقي".
أم أمجد ارملة، وأم لستة، أربع بنات وولدين، يتعلم بعضهم في المدارس وبعضهم في الجامعات، تدرك أن الظروف صعبة، ولكنها لا تأبه بتضحياتها عندما تراها ثمناً لمستقبل أبنائها. تقول:"أريد أن أرّبي أولادي وأعلمهم، أريد أن أربيهم ليعيشوا حياة أفضل من حياتي، أريد أن أرّبي رجلاً يستطيع الدفاع عن أرضه وعن كل الأمهات اللواتي يعانين من اجل هذه الارض، أعمل من أجلهم ولا أريد أن أفقد الأمل".
بعد ساعات طويلة تصل أم أمجد القدس التي لا تبعد عنها في الوضع الطبيعي أكثر من نصف ساعة، وفي شوارع القدس وبالأخص باب العمود في القدس تفترش النسوة الأرض، ويضعن أمامهن سلال الخضرة. أغلبهن يأتين من بيت لحم الأقرب إلى القدس، وتشاركهم أم أمجد التلحمية الأرض لتبيع خضارها. تقول: "الحمدلله أنا اليوم استطعت العبور غدا لا أعرف، لكني سأكافح دوما لكي أصل". لا يغيب عن أم أمجد أن تعبر عن داخلها المُستَفّز مما تمر به فتقول:"هذه أرضي وأريد ان أبيع المقدسيين أحبابي وأصدقائي، لا أستطيع أن أفهم كيف يمنعوني من دخول ارضي... الله اكبر عليهم!!".
[caption id="attachment_4252" align="aligncenter" width="384"]

أم أمجد بقرب بضاعتها في إحدى أزقة البلدة القديمة العام الماضي[/caption]
تجادلها تلك ويفاصلها آخر، ولا يدري أيٌّ منهم ما الذي مرت به قبل أن تصلهم، ترى هل يخطر ببالهم لحظة دفعهم ثمن ما يشترونه من خضراوات منها شكلُ الطريق الذي تسلكه؟ هل ما تتقاضاه من ثمن يُساوي هذا المشوار الطويل الذي تسلكه؟ تخبرني أم أمجد أنها لا تستطيع العودة بما يتبقى من خضار إلى المنزل، فلا مكان لها في ثلاجتها الصغيرة، فتضطر إلى رميها.
أما دولة الاحتلال فتعتبر هذه الحاجة ومثيلاتها خطراً على أمنها، وترى في تواجدهن في المدينة المقدسة مخالفة للقانون تسعى لعقابهن لأجلها، وفي هذا ما يفسر تمنع أم أمجد عن التقاط صورة لها. تغادر الحاجة أم أمجد في ساعات المغرب، بعد أن تكون قد باعت معظم بضاعتها أو كلّها، لتعود إلى بيتها منتظرة يوما جديدا من المعاناة والبحث عن طريق كسب الرزق.