شبكة قدس الإخبارية

النكبة والكنبة

أفنان عودة

تلازم استخدام كلمة "النكبة" على لسان الفلسطينيين قبل حدوث حرب ١٩٤٨ بأعوامٍ عديدة، وكان ومازال استخدامها بينهم عند حدوث أمرٍ ما فيه من الحزن والفجيعة نصيبًا لأحد أفرادهم، "عطية انتكب، زتوناته ماطلعنش السنة". ويكأن ترديد هذه "النكيبات" على ألسنتهم لم يكن إلا تمهيدًا من القدر لاستقبال النكبة العظمى، النكبة التي أخرجهتم من أرضهم أوجعلتهم تحتها أو عذبتهم فوقها !

لن أطيل المقدمة تعريفًا بالشق الأول من المقال (النكبة) وخوضاً في أحداثه، فستٌ وستون عامًا كانت كفيلة بتقديمها، وإفراز آثارها إلى بلاد الطوق لمشاركة شعوبهم في معايشتها. فالنكبة هنا باتت من أكثر المصطلحات المرتبطة بالقضية الفلسطينية والمعروفة لدى الجميع، وإن كنا لاننكر أنَا لانزال نعاني من نكبة أخرى صنعها بعض المتأخرين في المعرفة وهي "نكبة الجهل في النكبة! ".

لنسلط الضوء هنا إذًا على الشق الآخر من المقال "الكَنَبة"، والتي يبرز عليها أربعة أصنافٍ مختلفة من الحضور الجالسين عليها، يرفعون المذياع لأفواههم لإيصال أفكارهم "وفاءًا من وجهة نظرهم " للقضية، ولربما تخفيفًا من عبء جلد الذات لأنفسهم تجاه مايحدث، فمنهم نتيجة ذلك من رُزق حسن الظن بنفسه أنه "هُديَ إلى الطيب من القول" ومنهم من ابتُليَ بها! ولنتطرق سريعًا إلى وصف حال هذه الأصناف الأربعة:

الصنف الأول : المفرطون تفاؤلًا

ذلك الصنف الذي تصل فيه الرؤية المتفائلة نحو ما أنتجته النكبة من أحداث إلى إفراطٍ عجيب في "التفاؤل"، بل والسعي إلى نشره بين أفراد المجتمعات كافة، من غير وجود "تطور أوتحرك" من قِبلهم أومن غيرهم يوازي ويبرر هذا الكم من الكذب في نشر الأمل ! فتراهم في إحياء ذكرى يوم المأساة هذه ينظرون إليه بنظرة اليوم الذي رُزق فيه الشعب الفلسطيني الكثير من الشهادة في سبيل الله، وبرز فيه الكثير من الأبطال، وتعلم فيه الفلسطيني كيف يصنع من الخيمة مدرسةً وإرادةً وإصرارًا.. فقط، فقط لاغير.. دون التطرق إلى المآسي الحاصلة هناك. وإنه "لولا الخجل" يكاد هؤلاء أن يختموا يوم إحياء هذه الذكرى من كل عام فيما بينهم ب "هابي نكبة داي"! ماذا يأتي من وراء هذا االتفاؤل المنشور برحابة وغير المتبوع أو مسبوق بعمل سوى انهيار يصيب المتعاطين له إذا لم تأتي الآمال حسب توقعاتهم ! ثم ماذا يودي بهذه النتيجة إلاّ فعل اليأس والإحباط لديهم؟ أين واقعية ضبط التفاؤل عند هؤلاء من الست والستون عامًا التي مازلنا نفشل فيها من رفع "حق العودة" من وسط قارة طاولة المفاوضات! وأين هم من حقيقة الفشل في توحيد الصف الفلسطيني؟..الخ التعامل الصحيح مع الهزائم لايكمن بإعطائها الظهور ونشر تفاؤل كاذب، النصر يحتاج إلى مواجهة هذه الهزائم والالتفات إليها والتعمق في أسبابها ومن ثم رميها بثقة وراء ظهور الأبطال! الصنف الثاني: المتشائمون المُحَبِّطون وهنا نتناول النقيض تمامًا للصنف الأول، إنها النظرة اليائسة المتشائمة من نتائج تؤدي إلى عودة اللاجئين إلى الأرض واستيعاد الوطن المحتل ونحوه. هذه العناصر التي لاترى إلا أن معظم مانتج من أحداث على الأراضي الفلسطينية لم تكن إلا مكسبًا للصهاينة ولمشروع دولتهم، أما العرب من وجهة نظرهم فهم حالة ميؤوس منها بعيدون كل البعد عن مصالحهم. إنها رؤية لم تكتفي بالتقوقع داخل هذه العقول المستسلمة، بل أطلقها أصحابها لتنتشر باتجاه الأفراد المتحركين من خلال تكرار المُحَبِّطات عليهم، كأسئلتهم الاستننكارية المستمرة لأي فرد ينفق بقليل من وقته للتحرك "ماذا تفيد الحملات الإعلامية عبر الشبكات الاجتماعيه في المشروع النهضوي؟ ماذا يفيد وعي الأفراد للقضية؟ أليس النصر بيد الحكام لابيد الشعوب .. فالتستريحوا!" ..الخ.

لن نتطرق هنا بالتأكيد لسرد الانتصارات التي حققها العرب بشكل عام والفلسطينيون بشكل خاص -وإن كانت قليلة- لرفع تشاؤم هذا الصنف، بل لنسرد واحدة من الانتصارات التي كان تراكم بعض الأمور الصغيرة، منها كالمشاركة في الحملات الإعلامية والتوعوية ونحوها، هي السبب في تحقيقها. هذه التحركات التي تكاد تكون في متناول الجميع قد لعبت دورًا كبيرًا في كسر رؤية بن غوريون المستقبلية والمتوقعة منه "الكبار سيموتون والصغار سينسون" . نعم إننا مازلنا نتذكّر ونُذكِّر، وصغارنا يتذكرون ويُذكِّرون وأحفادنا كذلك، وهذا بحد ذاته انجازٌ رائع، مع التأكيد على أنه لن يصل إلي حد الروعة المطلوبة إلا عند إلحاقه بمشروع سياسي قوي مضاد للمشروع الصهيوني يُطبَق على أرض الواقع!

الصنف الثالث : المُنظِّرون هذا الصنف يمارس دور التنظير في كل حدث يطرأ على الأراضي الفلسطينية (من غير أي تحرك شخصي) يعكس هذا التنظير. فرفع المذياع هنا والبدأ في الخطبة يبدو من أسهل مايكون بين أفراد هذا الصنف. نجدهم تارة ينتشرون على هيئة شيوخ يناشدون "أين أنتم يامسلمون، والله سيسألكم الله عن تخاذلكم"، وتاره أخرى على هيئة أفراد مؤثرين أو مثقفين في المجتمع يكررون نفس العبارة ولكن بنبرة أكثر مناسبةً لوضعية المؤثِّرين والمثقفين، وتارة أخرى على هيئة فرد بسيط من عامة الشعب ليصيح بذات الجملة أيضًا!. فترى كلمة "الخذلان" هنا تترنح بينهم، كأنها كرة قدم يرمي كلاً منهم بها إلى ملعب الأخر ليبريء نفسه منها، فيصبح ويمسي العاقل في حيرة البحث عن (صاحب الخذلان) الذي بات جميع أصناف المجتمع تُنَظِّر له وتوجه له الخطاب، فلا تستنج في نهاية التنظير هذا إلا أن فعل الخذلان بات فعلًا من غير فاعل يرفعه! الصنف الرابع: أصحاب الفعل والنظرة المتوازنة هنا الصنف الفريد من نوعه المختلف تمامًا عن سابقيه، فالتركيز على العمل هنا ملحوظ أكثر من الانشغال بالقول والتنظير. العناصر المنتمية إلى هذا الصنف لاتنظر إلا بعين التفاؤل المتوازن المتبوع بعمل صادق، والهزيمة لايتبعونها بتشاؤم مُحبِط و مُحَبَط، بل بتفكر عميق يحول من شأنه إلى ردة فعل مُكللة بالتفاؤل يكاد يُرى بالأعين البشرية بكل وضوح.

خلاصة الأصناف تعطي نتيجة تتلخص بمجتمع يحوي أفرادًا كثيري القول قليلي العمل، ولايوجد ثمة اختلاف أننا لو نحسن العمل كما نحسن القول لتوفرت لدينا فرص عظيمة توصلنا هرولة وليس زحفًا نحو المبتغى. أما الأصناف الثلاثة الأولى فلا أراها في حقيقة الأمر إلا " أمراض" خلفتها النكبة وانتشرت في جسم الشعب، ولن تُعالج هذه الأمراض إلا بانتشار الصنف الرابع فيها ليحتل هو الجزء الأكبر من الكنبة.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0