قال أحدهم: "هنا سيكشف أمرنا ويلقى القبض علينا"، لم ألقٍ بالا لما قال، ولم أكترث، لأني كنت مشغلاً بحفظ خطواتي وترتيبها، واكتشاف مسالك سهلة متجنباً الصخور الوعرة، وأغصان الأشجار المتدلية، كانت غابةً كبيرة تعلو الوادي مرتفعةَ عنه على ظهر تله صخورها وعرة وبعض انحداراتها شديدة، كان الكيبوتس يمدها ببعض من الضوء المسترسل عبر الوادي إلا أن ضوء القمر كان له حضوره.
عند استراحتنا الثانية قال الدليل ملحاً: اطفئوا سجائركم ،واخفوا أضواء جوالاتكم وابقوها "سايلنت"، والزموا الصمت لئلا يشعروا بوجودنا، فلم يبق إلا القليل. صرخ أحدهم معاتباً الدليل على طول المسافة التي قطعها بلكنة فلاح فلسطيني غاضب: "قلتولنا ربع ساعة من بعد الفتحة وبنصل، وصار إلنا ساعة بنمشي ولا بتتخوثو ع سمانا"، رد الدليل حانقا: لم يتبق إلا القليل وأن البلدة نقطة تفرقكم، على مرمى حجر وها هي خلف تلك الأشجار، حتى نصل ابقوا جماعة واحدة".
كنا قد اقتربنا من بوابة الحراسة، سمعت نباح الكلاب المتواصل وقد شعرت بأنها أحست بوجودنا، ورأيت ضوء الكشاف المثبت على بوابة الحراسة والمسلط نحو الطريق الترابي يلتهمني، هرولت مسرعاً قاطعا الطريق، نحو الشق الآخر المتبقي من الغابة، إلى أن ترامى نباح الكلاب خلفي وبدأ يختفي شيئا فشيئاً، استعدت بعضاً من نفاسي بعد أن قال الدليل هنا زال الخطر وبإمكانكم أن تلتقطوا أنفاسكم وتستريحوا بعد أن أصبح الكيبوتس خلفنا ، استرحت قليلا بعدما كنت امشي تارةً وأركض لاهثاً تارةً أخرى، متتبعا خطى أفراد المجموعة كي لا أضلهم،اخذ البعض في لوم الدليل مجدداً على صعوبة الطريق، وعن إخفائه حقيقة مسافتها الطويلة قائلين: عند بيارات البرتقال قلت لنا أنها لن تحتمل سوى ربع ساعة مشياً على الأقدام، متجاوزة الساعة والنصف.
وخلال الصعود والنزول في الغابة، كنت قد أصغيت لصوت انبعث في داخلي بأن الدليل وحراس الكيبوتس "المرتشون" يتقاسمون أموالنا المدفوعة للدليل ولصاحب "الفتحة"، وما حراس الكيبوتس إلا شركاء في ذلك، يغضون الطرف عنا إثناء دخلونا فلسطيننا المسروقة بمقابل مبلغ مالي، فقد كنا نسير في الوادي المليء بالحجارة الملساء، بمحاذاة الكيبوتس المترامي على جبل ارتفع عن الوادي، بأضوائه التي بددت شيئاً من عتمة ليلتنا ووحشتها، قلت لأحدهم "لو أن أحداً من المستوطنين نظر من نافذته لرآنا" أي كيف لا يشعرون بنا ونحن قريبون منهم، وهذا ما وافقني به آخرون أيضا، وخوفي من الإمساك بنا أو الهجوم علينا غير مبرر، لأنه رغم كل هذه الخطورة المحاطة بنا إلا أننا لم نتعرض لشيء يذكر من الخطر المحدق الذي نخشاه، ولربما كان ما أصغيت له من نسج خيالي اصطنعته لنفسي، إلا أن هذا الشعور خفف عليّ وبعث الاطمئنان في قلبي إلى حدا ما.
تمتمات بعضنا وأحاديثنا، وأصوات نعالنا اخترقت هدوء المكان، بعد دخولنا عبر الفتحة الحديدية الصغيرة، والتي كانت عائقاَ أمام ذلك الشخص ذو الكرش المنتفخ، والذي طلب منه أن يقلص من كرشه بطريقة ما حتى يلج، دخلنا الواحد تلو الآخر، بدخول الرأس أولاً ثم باقي الجسد، وكان عددنا يقارب العشرين شخصاً أو أقل قليلا، مقسمين لمجموعات صغيرة حسب المدينة أو المنطقة التي سيُذهب إليها، إلا أننا في الوادي والغابة، وفي بيارات البرتقال بداية من الجانب الأخر لبلادي، كنا جماعة واحدة، نمشي خلف بعضنا البعض، حتى دخولنا البلدة من نهايتها ونهاية الغابة، كان الساهرون أمام ساحات منازلهم يرمونا بنظرات غريبة، لما أستسيغها ،وشعرت بمدى غرابتنا الوقحة التي عكرت صفوهم، استرحنا قليلا وتبادلنا بعض الكلمات مصحوبة بابتسامة أمان مع بعض كبار السن الجالسين أمام عتبات مسجد تلك البلدة، حتى جاءت السيارات التي اتفق معها الدليل مسبقا لنقلنا، فاستلقيت أنا ومجموعتي سيارة إلى مكان قريب من مدينة الناصرة، لتبدأ معه حكاية جديدة.