شبكة قدس الإخبارية

يوميات أسير سابق.. رحلة "البوسطة"

مصعب شاور

أتذكرون قصة "البوسطة" وفيروز في أغنية "عهدير البوسطة"؟ يعيش الأسرى الفلسطينيون مأساة مع البوسطة ولا يرون فيها وجه "عليا وجوز عيونها السود"، لكن تتكحل عيونهم برؤية البلد السليب من شريط زجاجي بعرض لا يتجاوز 12 سم، وطول يمتد على طول حافلة "البوسطة" ولأني ممن تكحلت عينيه برؤية مروج فلسطين السليبة من شباك البوسطة، أحببت أن أشارككم التجربة.

السطر الأول: بوسطة للمرة الأولى 

الخميس 21/3/2013 صعدنا إلى البوسطة مصفدي الأيدي والأقدام، خرجنا من زنازين الاحتلال في سجن الجلمة متجهين إلى"معبار الرملة"، ونمضي في مثل هذه الحالة يوماً كاملاً ونحن نتنقل في الطرق بين السجون المختلفة. يصعد أسير ويخرج آخر أثناء مرورنا على عدة سجون احتلالية بالطريق حتى نصل الرملة، في منتصف الطريق تقريباً كنت وبرفقتي أسيرٌ آخر فيما يجلس أمامنا سجينان جنائيان إسرائيليان.

خلال الطريق بدأ السجينان الإسرائيليان بالحديث عن العدوان الأخيرعلى قطاع غزة وكيف كان رد المقاومة وضرب تل أبيب، ووصف حركات المقاومة في غزة بأنهم رأس حربة الارهاب في المنطقة، شكل الأمر إزعاجاً للأسرى الفلسطينيين، فوقفنا جميعاً على مقاعد البوسطة كي نتمكن من الوصول للنافذة والنظر الى الخارج من خلال الشبك، فرأينا مساجد وجبال وتلال جنة الارض فلسطين المحتلة، وبدأنا ننشد "راجعينلك راجعين لبلادي راجعين، بنروح عيله صغيرة وبنرجع ملايين" وبدأ ذاك السجين الجنائي بالصراخ لإسكاتنا .. إلا أن النظر لبلادنا كان يملؤنا أملاً بالحرية والرجوع لبلادنا المحتلة.. ويشجعنا على إعلاء صوتنا عوضاً عن خفضه أو الصمت.

b

مسار "البوسطة" الحديدة من الداخل والمحاطة بأسلاك حديدية على نافذتها ذات الـ 12 سم .. يستمر ليومين وأحياناً لثلاثة، فهي تخرج منذ الصباح الباكر من أقصى شمال فلسطين المحتلة، من سجن تلموند وتمر على شطة ومن ثم جلبوع ومنه إلى مجدو ومن ثم مركز تحقيق الجلمة فهداريم وهشارون" ومن الممكن هنا أن تخرج إحدى الأسيرات أو الاشبال، وبين التنقل في هذه السجون تتوقف البوسطة أقل القليل ساعة كاملة تحت حرارة الشمس وبرد الشتاء، يقضيها الأسرى على مقاعد من حديد دون غطاءٍ أو أسلوب تهوية جيد، وخلال هذة الفترة من الصباح حتى المساء عند وصولها معبار الرملة لا يسمح للأسير بقضاء حاجته إلا بعد صراع طويل مع  قوات "النحشون" الإسرائيلية.

بعد رحلة تجميع الأسرى من سجون الاحتلال والموزعة من شمال إلى جنوب فلسطين المحتلة، ينزل الأسرى إلى محطتهم "معبار الرملة" التي يجمع الاحتلال فيها الأسرى المراد نقلهم أو توجيههم إلى المحكمة أو المستشفيات بعد رحلة عذاب مستمرة ليومين، يتبعها يوم إقامة جبرية في المعبار... إلا أن هذه الاقامة الإجبارية لها أملها وإيجابياتها رغم الألم فهي الفرصة للقاء الأهل والمعارف من الأسرى الموزعين على سجون مختلفة في معبار الرملة وممكن المبيت معهم لليلة واحدة لها مذاق مختلف عن باقي ليالي السجن.

"المعبار" هو عبارة عن أكثر من محطة يدخل بها الأسرى قبل الدخول للغرف والمبيت بها وتبدأ أولى المحطات عند تجميع الأسرى في اقفاص حديدة الجانب والأرضية وسقفها مكون من "الزينكو وبداخل هذا القفص الصغير يوجد حمام صغير بلا جدران، عادة يوزع الأسرى على هذه "الاقفاص الحديدة" حيث يضم كلّ واحد من 20-30 أسيراً يوضعون بجوار السجناء الجنائيين، مما ينجم عن هذا "الخلط" المتعمد توجيه شتائم نابية من قبل الجنائيين للأسرى ورشق للمشروبات أو المأكولات تجاههم، فيم تبدو تفرقة السجان واضحة لصالح السجين الاسرائيلي من خلال تلبية مطالبه.

بعد تفقد كل أسير باسمه ورقم هويته يتم نقل الأسرى إلى غرف المعبار، ليباتوا ليلتها، ثم ينقلون بعدها إلى السجون التي جاؤوا منها أو التي يفترض نقلهم إليها، بعد تفقد أسمائهم وهوياتهم في صباح اليوم التالي.  عن سجن الرملة ومعبار الرملة " كان سجن الرملة سجناً للأسرى الأمنين سابقا ولكن الآن تم إغلاقة وإبقاؤه للجنائيين و للأمنيين فقط للمعابر وهو للتنقل من اقبية التحقيق الى السجون او من السجون الى المحاكم، وهو عبارة عن قسم واحد يضم 10 غرف وفي كل غرفة 10 ابراش وهذا يعني أن عدد الأسرى كل يوم هناك على الاقل يجتمع فيه 100 اسير، وممكن أن يقبع الأسير هناك 3 أيام بشكل متواصل ولا يتحرك من داخل الغرفة خصوصا عندما تكون البوسطة يوم الخميس وتمتد الى يوم الاحد، بسبب عطلة "السبت اليهودية".