خاص - شبكة قُدس: تتخذ سلطات الاحتلال الإسرائيلي يومًا تلو الآخر قرارات غير مسبوقة نحو السيطرة الكاملة على الضفّة الغربية ضمن إطار مشروع "الضّم"، وسط غياب أيّ ردود فعل فلسطينية رسمية حول ذلك، فيما تجمع القوى والفصائل خلال حديث مع "شبكة قدس" على ضرورة اتخاذ خطوات فعّالة من السلطة الفلسطينية نحو إلغاء الاتفاقيات مع الاحتلال الإسرائيلي.
وكان الكابينت الأمني- السياسي الإسرائيلي، قد صادق في اجتماعه مساء أمس، على سلسلة قرارات اقترحها وزير المالية في حكومة الاحتلال المتطرف بتسلئيل سموتريتش، ومعه وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس، من شأنها إلغاء اتفاقيتي "أوسلو والخليل" بشكل كامل، ما يؤدي لتعميق الضم الفعلي لمناطق في الضفة الغربية. ومن شأن هذه القرارات أن تغيّر لوائح أنظمة شراء الأراضي في الضفة الغربية، والسماح لقوّات الاحتلال هدم مبانٍ بملكية فلسطينية في مناطق "أ" و"ب"، إضافة إلى نقل صلاحيات التخطيط في مدينة الخليل ومحيط الحرم الإبراهيمي وبيت لحم إلى دولة الاحتلال.
وأدانت مختلف الفصائل الفلسطينية القرارات الأخيرة الصادرة عن حكومة الاحتلال، ووصفتها بأنها خطوة جديدة في إطار حرب الإبادة الممنهجة ضد الضفة الغربية. وفي هذا السياق، أكد عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أحمد مراد، في حديثه لـ"شبكة قدس"، أن قرارات ما يُسمّى بـ"الكابينيت" الصهيوني، والقاضية بإلغاء القانون الذي يحظر بيع الأراضي في الضفة الغربية للصهاينة، ونقل صلاحيات التخطيط والترخيص إلى ما يُعرف بـ"الإدارة المدنية"، إضافة إلى تشديد القبضة على المناطق المصنّفة (أ) و(ب)، تمثل تصعيدًا خطيرًا وخطوة متقدمة في مشروع الضمّ الزاحف، وانقلابًا علنيًا على الاتفاقيات الموقّعة، وفي مقدمتها اتفاق الخليل، فضلًا عن كونها خرقًا واضحًا لقواعد القانون الدولي.
وأوضح مراد أن هذه الإجراءات تأتي ضمن مخطط استعماري متكامل يستهدف حسم الصراع عبر فرض وقائع قانونية وإدارية جديدة على الأرض، وتقويض إمكان قيام دولة فلسطينية مستقلة. وأضاف أن ما يجري لا يندرج في إطار تعديلات إجرائية عابرة، بل يشكّل محاولة لإعادة هندسة الواقع القانوني في الضفة الغربية.
وأشار إلى أن تسريع وتوسيع الاستيطان وتعميق السيطرة الصهيونية على الأرض يجري تمهيدًا للضمّ الفعلي للضفة الغربية، وتكريس نظام فصل عنصري يجرّد الشعب الفلسطيني من أرضه وحقوقه، معتبرًا أن هذه الخطوات تأتي في سياق استثمار الحكومة الصهيونية للدعم الأميركي، واستغلال حالة العجز والصمت الدوليين لفرض أمر واقع يصعب التراجع عنه مستقبلًا.
وأكدت مراد أن المطلوب اليوم من السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير هو مغادرة مربع الانتظار والرهان، ثمّ الانتقال إلى استراتيجية وطنية شاملة تقوم على وقف العمل بجميع الالتزامات المقيّدة، وفي مقدمتها التنسيق الأمني، وتفعيل قرارات المجلسين الوطني والمركزي بشأن فك الارتباط باتفاق أوسلو، إضافة إلى الإسراع في تحقيق الوحدة الوطنية عبر حوار شامل يعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة والمقاومة.
كما شددت الجبهة الشعبية على ضرورة تبنّي المقاومة الشعبية الشاملة ودعم صمود الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس في مواجهة الاستيطان والضمّ، إلى جانب التحرك الجاد في المحافل الدولية لعزل الاحتلال وملاحقته قانونيًا بوصفه قوة احتلال تمارس سياسات ضمّ واستيطان غير شرعية. ولفت مراد إلى أن الشعب الفلسطيني، لن يقبل بفرض الوصاية أو بشرعنة الاستيطان، وسيواصل نضاله المشروع حتى إنهاء الاحتلال وانتزاع حقوقه الوطنية كاملة غير منقوصة.
بدوره، قال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، أبو سامر موسى، في حديث مع "شبكة قدس"، إن القرارات الصادرة عن حكومة الاحتلال تمثل تصعيدًا خطيرًا وجريمة موصوفة تندرج في إطار سياسة التطهير العرقي والتهويد المنهجي. وأوضح أن هذه السياسات تكشف بوضوح مضي حكومة الاحتلال في فرض وقائع استعمارية بالقوة، بعيدًا عن أي التزام بالاتفاقيات الموقّعة، وفي مقدمتها اتفاقيات أوسلو.
وأضاف أن ما يجري في مدينة الخليل لا يمكن اعتباره إجراءً إداريًا، بل هو خطوة ضمّ فعلية تهدف إلى تفكيك الجغرافيا الفلسطينية، والتحلّل من جميع الاتفاقيات، وتمرير سياسات المتطرفين في الحكومة الحالية، التي تمثل تيارًا متطرفًا يسعى إلى ضرب الوجود التاريخي للشعب الفلسطيني، وتحويل الاستيطان غير الشرعي إلى أمر قانوني عبر تشريعات استعمارية باطلة تفتقر إلى أي شرعية.
وأكد موسى أن هذه القرارات تشكّل انتهاكًا صارخًا لاتفاقية جنيف الرابعة، وخرقًا فاضحًا لاتفاق الخليل، وتمهّد لضمّ رسمي جديد للأراضي الفلسطينية. وأشار إلى أن الصمت الدولي إزاء هذه الجريمة يجعل المجتمع الدولي شريكًا فيها، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ويؤكد فشل منظومته في حماية الشعوب الواقعة تحت الاحتلال. وأضاف أن ما يشهده قطاع غزة يوميًا من انتهاكات شاملة لكافة القوانين والمواثيق الدولية يشكّل دليلًا إضافيًا على أن هذا الكيان لا يرتدع إلا بفعل القوة.
وشدد القيادي في حركة الجهاد الإسلامي على أن الرد الحقيقي على هذه السياسات يقتضي تصعيدًا سياسيًا ودبلوماسيًا فلسطينيًا موحّدًا، وتفعيل المسار القانوني الدولي دون انتقائية، إلى جانب تعزيز المقاومة بكل أشكالها، بما فيها المقاومة الشعبية، في الخليل وسائر أنحاء الضفة الغربية، وفضح هذه الجرائم إعلاميًا باعتبارها مشروع ضمّ استعماري متكامل الأركان.
وانطلاقًا من ذلك، دعا موسى السلطة الفلسطينية إلى اتخاذ موقف واضح وصريح وقوي، بدل الاستمرار في حالة الخضوع أو السعي لاسترضاء الاحتلال والإدارة الأميركية. كما شدد على ضرورة أن تعمل منظمة التحرير الفلسطينية، رغم ما تعانيه من أزمة شرعية، والسلطة الفلسطينية، بصورة جادة لمواجهة هذا المشروع الصهيوني، من خلال تحقيق وحدة فلسطينية حقيقية، وإجراء انتخابات لا تُبنى على اشتراط الاعتراف باتفاقية أوسلو أو بما يُسمّى "الشرعية الدولية" التي فُرض الاعتراف بموجبها بالكيان الإسرائيلي.
واعتبر موسى على أنه منذ سنوات طويلة مضت بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، فإن الكيان الإسرائيلي والإدارة الأميركية لم يقيما أي وزن للسلطة الفلسطينية أو لمنظمة التحرير، خصوصًا بعد التخلي عن خياري المقاومة والجهاد، ما كشف زيف الرهانات على التسوية، وأعاد التأكيد على أن الحقوق الوطنية لا تُنتزع إلا بالنضال.
وأشار دويكات إلى أن الاحتلال الفاشي يستهدف الوجود الفلسطيني برمّته، دون أي اعتبار للاتفاقيات الموقّعة، وعلى وجه الخصوص اتفاق أوسلو، الذي تم تجاوزه عمليًا عبر سياسات الاحتلال وقراراته الميدانية. وأضاف أن قيادة السلطة الفلسطينية ما تزال تدور في حلقات مفرغة، متوهّمة أن اتفاق أوسلو المشؤوم، المرفوض من قبل القوى الفلسطينية، وما تبعه من بروتوكولات، وعلى رأسها بروتوكول باريس الاقتصادي، يمكن أن يشكّل أساسًا لحل سياسي، رغم أن الاحتلال نفسه قد أدار ظهره لها، فيما تستمر القيادة الفلسطينية بالتمسك بها من طرف واحد، وهو ما يعكس حالة العجز التي تعانيها.
وانطلاقًا من هذا الواقع، جدّدت الجبهة الديمقراطية دعوتها قيادة السلطة الفلسطينية إلى الدعوة الفورية لاجتماع وطني شامل يضم جميع القوى والفصائل الفلسطينية، بمختلف توجهاتها السياسية، لبحث هذا التصعيد المتواصل والخروج بآليات عملية تعزز صمود الشعب الفلسطيني وتواجه السياسات الصهيونية المدعومة أميركيًا. وأكدت أن هذه الدعوة ليست جديدة، إذ طالما طالبت بها الجبهة الديمقراطية وسائر القوى السياسية من أجل العودة إلى القرار الوطني الموحّد.
وشدد دويكات على أن الوقت قد حان لحوار وطني شامل، دون استثناء لأي قوة سياسية، سواء كانت إسلامية أو وطنية، بهدف بلورة استراتيجية موحّدة قادرة على التصدي لهذه السياسات العدوانية، خاصة في ظل الجرائم المتواصلة في قطاع غزة ومحاولات فصله عن الضفة الغربية.
وأوضح دويكات أن الفلسطينيين يعيشون واحدة من أخطر مراحل قضيتهم الوطنية، وهي مرحلة تتطلب قدرًا عاليًا من الحكمة يستند إلى الوحدة الوطنية، وتفعيل جميع أشكال المقاومة في مواجهة الاحتلال. وأوضحت أنه لا خيار أمام الفلسطينيين اليوم سوى التوحّد لمواجهة المشروع الاستعماري الذي يستهدف الأرض والإنسان والهوية.
أما حركة فتح، أكدت على لسان عضو مجلسها الثوري، كفاح حرب، في تصريح لـ"شبكة قدس"، أن الاستيطان في الضفة الغربية مستمر بوتيرة متصاعدة، وما يجري في قطاع غزة ليس منفصلًا عمّا يحدث في الضفة، بل يندرج ضمن مخطط واحد عنوانه الكبير تهجير الشعب الفلسطيني والاستيلاء على أرضه.
وأوضحت أن هذه القرارات تأتي في سياق محاولة وضع هذا المخطط ضمن إطار قانوني داخل دولة الاحتلال، رغم أن جميع أشكال الاستيطان غير قانونية وتشكل خرقًا واضحًا لقرارات الشرعية الدولية التي تعترف بقيام الدولة الفلسطينية على أراضي عام 1967، ولا تعترف بشرعية الاحتلال، وتؤكد أن الاستيطان القائم والمخطط له غير شرعي بكل أشكاله.
وأضاف حرب أن دولة الاحتلال تتمرّد على قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي، وتتعامل مع نفسها باعتبارها فوق القانون، إذ لا تكتفي بتكريس الاحتلال. وأشارت إلى أن كل ذلك يتم في ظل شعور الاحتلال بالحماية بفعل استخدام حق النقض (الفيتو) داخل الأمم المتحدة بغطاء أميركي.
وأكدت أن الشعب الفلسطيني، بكل مكوّناته من سلطة وفصائل وقوى ومجتمع، يعاني من هذه الانتهاكات الصارخة ومن حالة التعالي على منظومة الشرعية الدولية وحقوق الإنسان. وردًا على سؤال قدس حول المطلوب من السلطة الفلسطينية لمواجهة هذه القرارات، شدد حرب على أن المهمة الفلسطينية الأساسية اليوم تكمن في مواجهة مشروع التهجير، والثبات على الأرض، وتعزيز صمود الشعب، والعمل على تحصين هذا الصمود من خلال دعم المواطنين، سواء عبر دور الحكومة والسلطة في تثبيتهم ومساندتهم وتعويضهم، أو من خلال دور الفصائل الوطنية التي يقع على عاتقها دعم الشعب في معركة الثبات والصمود.
ووصفت حرب حركة فتح بأنها "الفصيل الأكبر" وأنها تبقى إلى جانب أبناء الشعب الفلسطيني حاضرة معهم في الميدان، وتسعى إلى درء الأخطار التي تواجههم عبر تقديم المساعدة ضمن الإمكانيات المتاحة، إلى جانب السلطة الفلسطينية وكافة فصائل العمل الوطني، وذلك رغم الحصار المالي وقيود الحركة التي تفرضها الحواجز، وكثرة التحديات والانتهاكات، فضلًا عن قضية الأسرى وما يتعرض له قطاع غزة. وأكد أن هذه القضايا تشكّل العنوان الأساسي لمقاومة الاحتلال، إلى جانب الجهد الدبلوماسي والسياسي الهادف إلى تثبيت الاعتراف بدولة فلسطين وتوسيع دائرة الاعتراف الدولي بها.
وفي إجابتها على سؤال قدس، حول وجوب وقف العمل بالاتفاقيات مع دولة الاحتلال. قالت إن "أي خطوة تُقدم عليها السلطة أو الفصائل يجب أن يكون في إطار الإجماع الوطني، وبعد دراسة متأنية لتبعاتها وعواقبها، إذ لا يمكن لأي طرف، بما في ذلك السلطة الفلسطينية، أن يواجه هذا مشاريع الاحتلال منفردًا".



