متابعة - شبكة قُدس: في وقتٍ يروّج فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي لسيطرته الكاملة على قطاع غزة ومعابره، تكشف التحقيقات المتلاحقة واقعًا مقلقًا ومناقضًا تمامًا، أن جنود وضباط في قلب المنظومة العسكرية متورطون في شبكات تهريب واسعة، تعمل من داخل المعابر وتحت غطاء "المساعدات الإنسانية".
قضية لم تعد حثا جنائيًا معزولًا، بل فضيحة أمنية بنيوية تفضح ضعف الرقابة، وتفكك منظومة السيطرة، وتآكل الردع داخل جيش يدّعي إدارة واحدة من أكثر الجبهات تشددًا في العالم. ما يجري اليوم على معابر غزة ليس اختراقًا خارجيًا، بل انكشاف داخلي عميق يضع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أمام أحد أخطر اختباراتها منذ بدء الحرب.
اعتقالات تكشف فشل السيطرة على المعابر
التحقيقات التي نُشرت في الإعلام العبري، وعلى رأسه "كان" و"هآرتس"، أظهرت أن جنودًا نظاميين واحتياطيين، إلى جانب مدنيين ومتعاقدين مع وزارة الحرب، استغلوا دخول شاحنات المساعدات عبر معبر كرم أبو سالم لتهريب بضائع محظورة مقابل أموال طائلة.
وقد جرى توقيف عدد من الجنود، ومصادرة بضائع ومبالغ بمئات آلاف الشواقل، في قضايا وُصفت داخل جيش الاحتلال بأنها "محرجة وخطيرة".
ضباط وجنود يتجاوزون كل حدود المسؤولية
أبرز القضايا تمثلت في توجيه لائحة اتهام ضد ضابط برتبة نقيب وجندي من وحدة الاستطلاع البدوية، بعد ضبطهما وهما يهرّبان 4496 علبة سجائر إلى غزة مقابل 269 ألف شيقل نقدًا.
ورغم أن التهريب جرى في زمن حرب، وفي منطقة تُصنّف عسكرية مغلقة، قررت النيابة العسكرية لدى الاحتلال تخفيف التهم، لتشمل تجاوز صلاحيات وخيانة أمانة، بدل توصيفها كجريمة أمنية من الدرجة الأولى.
قيادات تعترف: النيابة تتعامل مع القضية بخفّة
مصادر عسكرية إسرائيلية مطلعة على القضية هاجمت قرار النيابة، معتبرة أن التعامل مع الملف تم في الخفاء وبعيدًا عن الرأي العام. وقال أحد الضباط: "لو وقعت هذه القضية قبل سنوات لربما أمكن تبرير التخفيف، لكننا في زمن حرب. التمييع الحالي رسالة خطيرة داخل الجيش".
ضعف الردع… وتشجيع غير مباشر
محامون عسكريون أقرّوا بأن العقوبة المتوقعة لا تتجاوز بضع سنوات سجن، وربما أقل، وهو ما يعكس، وفق تقديرات داخلية، فشلًا في الردع وانعدام الخوف من المحاسبة. ويرى هؤلاء أن القضية الحالية تمثل رأس جبل الجليد، في ظل بيئة عمليات فوضوية، وإغراءات مالية عالية، وغياب رقابة فعالة.
معابر بلا رقابة: أي شيء يمكن أن يمر
ضباط في القيادة الجنوبية أقرّوا بأن الرقابة على المعابر ضعيفة إلى حدّ خطير، وقال ضابط رفيع لصحيفة "هآرتس"، إن "هناك مئات الإسرائيليين يدخلون غزة ويخرجون منها: سائقون، مقاولون، عمال بنية تحتية، وأحيانًا جنود. لا أحد يفتش فعليًا ما في الشاحنات أو المركبات".
شاحنات بلا سيطرة
بحسب معطيات جيش الاحتلال، تدخل إلى غزة نحو 600 شاحنة يوميًا عبر معبر كرم أبو سالم، في وقت يعترف فيه قادة ميدانيون بعدم امتلاكهم الوقت أو الأدوات لتفتيشها. وقال أحد المؤولين: "نحن مشغولون بمهام قتالية طوال اليوم. لا توجد منظومة تفتيش حقيقية. المنطقة تعيش فوضى".
إعادة الإعمار… اختبار الانهيار المقبل
يحذّر مسؤولون عسكريون من أن المرحلة المقبلة أخطر، مع توقع دخول آلاف الشاحنات المحمّلة بمواد البناء ضمن مشاريع إعادة الإعمار. وبحسب تقديرات داخل جيش الاحتلال، فإن القيمة الاقتصادية لهذه المشاريع تصل إلى مئات المليارات من الشواقل، في منطقة تُدار فعليًا دون سيطرة أمنية حقيقية.
بضائع بلا حدود
جنود خدموا في قطاع غزة أفادوا بتوفر هواتف ذكية، حواسيب، دراجات نارية، مركبات، مشروبات كحولية وسجائر داخل القطاع. وقال أحدهم: "هذه الكميات لا يمكن أن تدخل من تلقاء نفسها. هناك تساهل، وربما تواطؤ".
الفضائح تُطمس… والصمت الرسمي يفاقم الانهيار
تقارير عبرية كشفت عن حوادث تهريب لم يُعلن عنها رسميًا، وجرى التعامل معها داخل الوحدات العسكرية بعيدًا عن الإعلام. وفي بعض القضايا، أُطلق سراح مشتبه بهم، أو خُففت الإجراءات بحقهم، ما عزز اتهامات بوجود تستّر ممنهج. فقد كشفت وسائل إعلام عبرية، عن حالات تهريب تم التستر عليها ولم يعلن عنها المتحدث باسم جيش الاحتلال.
ما تكشفه هذه الملفات ليس مجرد فساد فردي، بل انهيار خطير في منظومة الرقابة داخل الجيش الإسرائيلي؛ جيش يسيطر عسكريًا، لكنه يفشل أمنيًا وأخلاقيًا في ضبط جنوده ومعابره، وفي حرب تُدار بشعارات "الردع والسيطرة"، يتضح أن الثغرات في الداخل أوسع من أي تهديد خارجي.



