شبكة قدس الإخبارية

الانقسام القاتل: كيف فشلت قيادة نتنياهو في حماية "إسرائيل" من نفسها؟

1084416.jpeg

متابعة - شبكة قُدس: شهدت "إسرائيل" في العام الذي سبق هجوم السابع من أكتوبر، واحدة من أعمق أزماتها الداخلية منذ تأسيسها، تمثلت في الانقسام الحاد حول ما سُمّي بـ “الإصلاح القضائي" الذي قادته حكومة بنيامين نتنياهو. هذا الانقسام لم يكن مجرد خلاف سياسي، بل تحوّل إلى شرخ بنيوي هزّ ركائز النظام، ووصل إلى قلب المؤسسة العسكرية عبر ظاهرة الامتناع عن الخدمة في صفوف جنود وضباط الاحتياط. وكانت النتيجة المسّ المباشر بالقدرة العملياتية لجيش الاحتلال، وصورة الردع الإسرائيلي، وأعطت أعداء الاحتلال وخاصة حماس نافذة استراتيجية نادرة.

الأزمة لم تعد سياسية: الجيش في قلب الانقسام

داخل "إسرائيل"، دار جدل محتدم حول طبيعة الامتناع عن الخدمة: هل هو أداة ضغط سياسية فقط، أم أنه يمسّ مباشرة بالقدرة العملياتية للجيش؟ الوقائع أثبتت خطورة الموقف. "برغمان"، الصحفي المرموق والمتخصص في الشؤون الاستخبارية، أوضح في تقارير قبل الحرب أن امتناع الطيارين وجنود الاحتياط يضعف القدرة العسكرية لـ"إسرائيل"، ويضر  بجهوزيتها لتنفيذ عمليات واسعة ومعقدة.

انكشاف الانقسام على وسائل الإعلام أعطى المقاومة صورة واضحة: "إسرائيل" ليست فقط منقسمة سياسيًا، بل جيشها على وشك الانهيار. تحذيرات قادة جيش الاحتلال السابقين وأجهزة الأمن لدى الاحتلال من "تفكك الجيش" و"تآكل الجهوزية" وصلت مباشرة إلى الجمهور، وبالتالي إلى أعداء "إسرائيل".

نتنياهو عاجز: قيادة منهكة تواجه انهيار الثقة

الفشل المركزي يعود إلى نتنياهو شخصيًا، فبدل احتواء الأزمة، تركها تتفاقم وتُدار علنًا، بخطاب تخويني وزيادة الاستقطاب؛ فخطاب نتنياهو لم يكن وسيلة لإدارة أزمة، بل عاملاً في تعميقها.

ظاهرة الامتناع عن الخدمة في وحدات النخبة وسلاح الجو والاستخبارات مثلت ذروة هذا الانقسام؛ "برغمان" وصف ذلك بأنه تهديد مباشر لتماسك منظومة الاحتياط، العمود الفقري لجيش الاحتلال الإسرائيلي، أي أن القيادة السياسية هي المسؤولة عن تآكل القوة العسكرية، لا مجرد احتجاجات عابرة.

المقاومة تقرأ "إسرائيل": استثمار الانقسام بذكاء

وثائق استخباراتية لكتائب القسام، صيف 2023، تكشف أن حماس أجرت تقييمًا منهجيًا لتأثير الانقسام والامتناع عن الخدمة على سيناريوهات المواجهة، وقدّرت أن تعميق الأزمة سيؤدي إلى تراجع الجهوزية وتثبيط الميل الإسرائيلي للمبادرة العسكرية.

هنا يظهر ذكاء المقاومة؛ لم تخترع ضعف "إسرائيل"، بل قُرئ واستُثمر. "برغمان" أكد أن الانقسام والامتناع عن الخدمة يرسلان إشارات خطيرة للعدو، ويقوضان الردع. حماس فهمت أن الأزمة ليست لحظة عابرة، بل مسار تصاعدي، وأن القيادة وعلى رأسها نتنياهو عاجزة عن استعادة التماسك.

التحذيرات لم تُسمع: فشل القيادة يكشف عن ضعف استراتيجي

الضعف القيادي لنتنياهو انعكس في التناقض بين التحذيرات العلنية وعدم اتخاذ خطوات حاسمة. فقد حذّر هو ووزير حربه ورئيس الأركان من أن الامتناع عن الخدمة يضر بالردع ويشجّع الأعداء، ومع ذلك استمرت الحكومة في دفع سياسات مثيرة للانقسام، مما عزز قناعة الخصوم بأن "إسرائيل" غارقة في صراع داخلي يقيّد قدرتها على الرد.

"برغمان" وصف الوضع بأنه "ساعتان عمليتان متناقضتان": الجيش يضع قيودًا على جهوزيته، والقيادة السياسية تغذي الانقسام. النتيجة؛ فتحت "إسرائيل" أبوابًا لم يسبق لها أن فُتحت أمام خصمها.

الهجوم كان تتويجًا لفشل داخلي استراتيجي

هجوم 7 أكتوبر جاء ذروة قراءة استراتيجية دقيقة، تزامن مع الانقسام الأقصى، ومع شعور داخلي متزايد بأن القيادة فقدت السيطرة. خطاب المقاومة الذي صور جيش الاحتلال كقوة منهكة لم يكن دعاية فارغة، بل استند إلى صورة رسمتها "إسرائيل" نفسها، خلال أشهر من الانقسام والتوتر الداخلي.

أما نتنياهو، الذي حاول لاحقًا تصوير نفسه كـ "ضحية" أو كقائد واجه إخفاقًا استخباريًا معزولًا، فقد ظهر جزءًا من المشكلة الجوهرية؛ سياساته عمّقت الانقسام، وأضعفت التماسك الداخلي، وأرسلت إشارات ضعف للعدو: قائد غير قادر على توحيد شعبه، ولا على حماية جيشه.

الخلاصة: الانقسام الداخلي أقوى من أي تهديد خارجي

نجاح المقاومة لم يكن فقط تكتيكيًا، بل سياسيًا ونفسيًا واستراتيجيًا، واستغلت الانقسام الإسرائيلي بذكاء، وانتظرت اللحظة التي يصبح فيها الضعف الداخلي عاملاً حاسمًا. شهادات وتحليلات "برغمان" قبل الحرب تؤكد: الأزمة والامتناع عن الخدمة لم يكونا أحداثًا عابرة، بل مؤشرًا على هشاشة التماسك الداخلي، وانعدام قدرة القيادة على حشد الشعب والجيش في مواجهة تهديد وشيك.

الخطر الأكبر "لإسرائيل" لم يكن خارجيًا فقط، بل داخليا نابعا من قيادة فشلت في إدارة الانقسام، ومن زعيم بدا عاجزًا عن توحيد شعبه، ما دفع ثمن ذلك على مستوى الأمن القومي.