لقب "ملك إسرائيل غير المتوج" الذي أعطاه البعض بنيامين نتنياهو لم يأتِ من فراغ، وإنما أتى من حقيقة أن هذا الشخص أكثر سياسي إسرائيلي فهم طبيعة مجتمعه والطبقة السياسية الحاكمة فيه.
وأبدى قدرة غير عادية على التلاعب بجميع خصومه وفرض نفسه على الساحة الداخلية والخارجية بالرغم من أنه لا ينظر إلى مصلحة دولته أو شعبه بقدر ما يفعل كل ما يفعله لمصلحته الشخصية، ولضمان عدم دخوله السجن في حال استمرت محاكمته دون أن يتمتع بالحصانة الممنوحة رئيس الوزراء حسب القانون الإسرائيلي.
ربما كان هذا أحد الأسباب التي دعت الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للدعوة علانية لمنح نتنياهو عفوا من الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، لعله بذلك يتخلص من العقدة التي جعلته- وما زالت- يصر على البقاء على رأس الحكومة في إسرائيل بأي ثمن.
أقول "ربما"، لأن ترمب نفسه محاط بالكثير من المشاكل التي أثارتها ملفات إبستين التي يحاول وأدها بأي ثمن كذلك.
وبغض النظر عن دوافع نتنياهو للبقاء في سدة الحكم في إسرائيل، فإنه أثبت قدرة غير عادية على تجاوز جميع العقبات التي وضعت في طريقه والتي كان الواحد منها كفيلا بأن يودي بالفعل بقادة قبله، كما حدث مع أولمرت وبيريز، وغيرهما.
مع دخول إسرائيل عاما انتخابيا، يبدو أن آمال أحزاب المعارضة الإسرائيلية بإسقاط نتنياهو قد بدأت تخفت، وذلك على الرغم من وجود عدة ملفات متفجرة في الداخل الإسرائيلي يمكن لكل واحد منها أن يفكك الحكومة ويسقطها، وعلى رأسها قانونا الميزانية، والتجنيد الإجباري.
قانون التجنيد كان يشكل أحد أخطر المطبات التي هددت بسقوط نتنياهو؛ بسبب الغضب الواسع من مطالب الأحزاب الدينية في الكنيست والحكومة بتوسيع قاعدة استثناء الحريديم من التجنيد الإجباري، وما شكله ذلك من صاعق هدد بتوسيع الفجوة بين الأحزاب الحريدية التقليدية، وأحزاب الصهيونية الدينية التي كانت تصر على التجنيد الإجباري.
فالأحزاب الحريدية التي كانت دائما تهتف بأن "الموت على يد العرب خير من التجنيد في جيش الكفرة"، تمكن نتنياهو كما يبدو من ترويض بعضها من خلال صفقات مالية قدمها لها في قانون الميزانية الذي كان يمكن أيضا أن يسقط الحكومة في حال عدم إقراره، لتعلن الأحزاب الحريدية الكبرى- وعلى رأسها شاس- موافقتها على تمرير قانون الميزانية بعد أن قدم لهم نتنياهو ما يشبه الرشاوى من ميزانية الدولة لصالح مدارسهم الدينية ومؤسساتهم الخاصة، وفي المقابل لينت هذه الأحزاب موقفها من قانون التجنيد.
أما أكثر الأحزاب الرافضة التجنيد الإجباري وهو "أغودات إسرائيل" الموجود ضمن قائمة "يهدوت هتوراه"، فإنه أصبح لا يشكل خطرا على القانون بعد استقالة أحد أعضائه- وهو يسرائيل إيخلير- من الكنيست، إذ انخفض عدد الذين ما زالوا يصرون على رفض القانون الآن لصالح الموافقين على القانون من جميع الأحزاب الإسرائيلية في الكنيست، ليحصل نتنياهو لأول مرة على 61 صوتا تم تأكيد موافقتهم على قانون التجنيد، وبذلك فقد ضمن نتنياهو تمرير القانون، رغم معارضة الأحزاب الحريدية.
بهذا يكون نتنياهو في طريقه لتجاوز أخطر العقبات التي كانت تهدد حكومته وشخصه، وذلك بعد أن عرف كيف يتعامل مع ابتزازات الحريديم وأطماع الصهيونية الدينية، ونجح أخيرا في إحداث شرخ واسع في المعارضة الإسرائيلية التي فجر أحد أهم رموزها، وهو بيني غانتس زعيم قائمة "أزرق أبيض"، قنبلة مدوية جديدة في أوساط المعارضة عندما أعلن أنه لا يستبعد المشاركة في حكومة مع بنيامين نتنياهو، وذلك لأنه "ليس مستعدا لترك إسرائيل للمتطرفين أو الاعتماد على الأحزاب العربية".
هكذا يعبث نتنياهو بالمعارضين والموالين له على حد سواء، فنراه يتحرك بمهارة بين تناقضات الأحزاب الإسرائيلية المختلفة لتكون النتيجة انشغالها ببعضها، وبقاء نتنياهو على عرشه حتى النهاية.
ولذلك، فإن فرص سقوط نتنياهو في الفترة الحالية أصبحت ضئيلة مع هذا التشرذم الواسع لدى الطبقة السياسية الإسرائيلية على اختلاف توجهاتها، ومن الصعب تصور الذهاب حاليا إلى انتخابات مبكرة في إسرائيل إلا في حالة واحدة غير مستبعدة؛ وهي أن يكون ذلك بإرادة نتنياهو الكاملة في حال شعوره بأنه بات في وضع يسمح له بالانتصار في أي انتخابات مبكرة والبقاء على رأس الحكومة القادمة.
وهذا الخيار لا يمكن استبعاده مع هذا الوضع بالرغم من أن المنطق يقول عكسه، فنتنياهو الذي كان المسؤول المباشر عن الفشل الإسرائيلي في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، نجح بالفعل في إغلاق هذا الملف بالتعاون مع وزراء الصهيونية الدينية، وتمكن من منع أي تحقيقات فعلية فيه، لأن إرادته السياسية في إغلاق هذا الملف التقت مع إرادة الثنائي سموتريتش، وبن غفير في تيار الصهيونية الدينية بالانقلاب على القضاء ومؤسسات الدولة التي تضمن المراقبة والمحاسبة، وذلك على الرغم من اختلاف دوافع نتنياهو عن دوافع سموتريتش، وبن غفير من هذا الانقلاب.
فنتنياهو لم يكن يريد أكثر من إنقاذ رقبته من حبل المشنقة السياسية التي ينصبها له خصومه والتي ستودي به إلى السجن بتهم الفساد، أما سموتريتش وبن غفير فقد أرادا إنشاء دولة عميقة جديدة تغير الواقع في إسرائيل إلى الأبد لصالح أفكار ورؤية تيار الصهيونية الدينية.
لعل هذا الاطمئنان التام لدى نتنياهو كان السبب الأساسي لتوجيهه ضربة لحلفائه في الحكومة أخيرا بإعلان موافقته على المشاركة فيما يسمى "مجلس السلام" الذي أسسه الرئيس الأمريكي ترمب للدخول في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
ونتنياهو بذلك وضع حلفاءه في ورطة، فلا هم يستطيعون الآن تهديده بإسقاط الحكومة، باعتبار أن إسرائيل دخلت بالفعل في مرحلة التحضير للانتخابات القادمة بعد تسعة أشهر، ولا هم قادرون على إقناعه بالوقوف في وجه إرادة ترمب ومعاندته في هذه المرحلة الحساسة.
وبذلك ضرب نتنياهو عصفورين بحجر واحد؛ فألقم خصومه السياسيين في المعارضة حجرا بتقربه لترمب عبر هذه الخطوة، وحشر حلفاءه في زاوية لا يمكنهم معها معارضته إلا صوتيا ودون أثر يذكر.
جميع هذه الخطوات التي يقوم بها بنيامين نتنياهو لا تعني أنه أفضل سياسي في المنطقة أو في إسرائيل، لكنه في الحقيقة أكثر سياسي إسرائيلي متلون، وأكثرهم قدرة على اللعب على تناقضات المجتمع الإسرائيلي ونخبه السياسية.
فهو يتقن الرقص على جميع الحبال لمصلحته الخاصة، واعترافنا بهذه الحقيقة لا يعني الإعجاب به أو بأساليبه السياسية البهلوانية بقدر ما هو محاولة لفهم طبيعة هذا الشخص ومدى خطره على العالم اليوم، ونداء إلى السياسيين في منطقتنا بعدم الثقة- ولو قِيد أنملة- به أو بوعوده، فشخصية كهذه لا تتمتع بأدنى قدر من المصداقية ولا حتى النزاهة السياسية التي يمكن معها احترامه أو الثقة بكلامه مهما بدا منمقا.
نتنياهو ليس من النوع الذي يهمه صورته أو كرامته أو نزاهته، وهو مثال على السياسي المراوغ النفعي الذي لا يمانع من فعل أي شيء في سبيل تحقيق مصالحه.
فقد رأيناه بعد كل هذه الأحداث يقف أمام الكنيست الإسرائيلي قبل أيام يخطب فيه كالعادة ويتلقى الإهانات والصراخ والشتائم من هنا ومن هناك دون أن يرف له جفن أو يتغير له لون، أو حتى يهتم بالرد على خصومه ولو بابتسامة ساخرة.
فهو يعلم أن كل ما يسمعه هنا وهناك ليس أكثر من أصوات تمر وتنقضي، ويبقى في النهاية نتنياهو متربعا على عرش مملكته.
إن على ساسة العالم العربي والإسلامي اليوم أن يروا الصورة الحقيقية لنتنياهو بعد عقود من التلاعب الذي أتقنه بالمنطقة والعالم، فوعود هذا الشخص ليست أكثر من هراء في نظره هو قبل غيره، وكما لعب بخصومه وحلفائه السياسيين في دولته، فإنه لا يرى ما يمنعه من اللعب بالعالم كله في سبيل مصلحته الشخصية فقط، ومثل هذا السياسي ليس جديرا حتى بالتعامل معه، والأجدر توجيه الجهود السياسية بالكامل لوضعه في مكانه الطبيعي وهو المحكمة الجنائية الدولية.



