شبكة قدس الإخبارية

الانتخابات المحلية بين ضباب القرارات بقانون ومنهج الإقصاء

d6d368f8a33cc0ffa19e2a1cd6ddcd17
عصام عابدين

أولاً: المبدأ الدستوري قبل القرارات بقوانين

الحق في الترشح للانتخابات حقٌّ سياسي ودستوري أصيل، لا يُمنح ولا يُسحب، ولا يجوز أساساً تعليقه على ولاء سياسي أو مرجعيات سياسية أو أي شكل من أشكال التمييز. حقٌّ محميٌ بقوة القانون الأساسي الفلسطيني (المادة 26)، وبموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المنشور في الجريدة الرسمية (المادة 25)، الذي يُلزم الدول بضمان مشاركة المواطنين في الشؤون العامة والترشح في انتخابات دورية حرة، دون قيود إقصائية أو تمييزية.

وعليه، ومن حيث المبدأ، وقبل الدخول في أي تفاصيل تشريعية أو إجرائية، فإنه لا يجوز أصلاً تحويل الترشح من حقٍّ عام إلى امتياز مشروط، ولا إعادة تعريفه كأداة فرز سياسي. فالانتقال بالحق من دائرة الحماية الدستورية إلى منطق الاشتراط السياسي يُشكّل بحد ذاته انتهاكاً مباشراً ومؤكداً لأحكام القانون الأساسي المعدل (الدستور الفلسطيني) والمعايير الدولية الملزمة لدولة فلسطين، ويُفرّغ الحق من مضمونه، قبل البحث في تفاصيل تلك القيود أو في تبريراتها.
ثانياً: الخروج عن الدستور والمعايير الدولية
أي قيد يُفرض على الحقوق الطبيعية والدستورية، ومن بينها حق الترشح، لا يُترك للأهواء أو التقديرات السياسية، بل يخضع لاختبار صارم ومستقر في القانون الدستوري والقانون الدولي لحقوق الإنسان، يُعرف بالاختبار الثلاثي. ويشترط هذا الاختبار اجتياز القيد لثلاثة مستويات مُتلازمة مُجتمعة وبنجاح، لا يُغني أحدها عن الآخر. المستوى الأول هو "مبدأ القانونية" ويقتضي أن يكون القيد منصوصاً عليه في القانون بنص واضح ومحدد وخالياً من المصطلحات الفضفاضة أو الضبابية وألا يؤدي إلى تفريغ الحق من جوهره. والمستوى الثاني هو "مبدأ الضرورة" أي أن يكون القيد التشريعي ضرورياً لتحقيق هدف مشروع ومألوف في مجتمع ديمقراطي لا مجرد خيار سياسي أو إقصائي. أما المستوى الثالث فهو "مبدأ التناسب" ويقتضي أن تكون الوسيلة أقل القيود مساساً بالحق ومتناسبة مع وظيفته الحِمائية.

وانطلاقاً من هذا الإطار الملزم، فإن اعتماد ما يُمكن وصفه بـ "منهج الضباب التشريعي" في المادة (16) المتعلقة بمنظمة التحرير الفلسطينية، سواء في صيغتها الأصلية أو المعدلة، يفشل في اجتياز "المستوى الأول" من هذا الاختبار، أي مبدأ القانونية. فالنص يعتمد عبارات عامة وغير مُعرّفة تشريعياً، ويمنح مجالاً واسعاً للتقدير السياسي المفتوح، بما يُحوّل القيد من أداة تنظيم إلى أداة إقصاء. ويُشكّل انتهاكاً مباشراً للحق في الترشح المكفول في القانون الأساسي الفلسطيني والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وهذا المعيار في فحص القيود المفروضة على الحقوق السياسية ليس محل اجتهاد، بل هو مستقر في نصوص العهد الدولي، والتعليقات العامة الصادرة عن اللجنة المَعنية بحقوق الإنسان، وفي التطبيق القضائي المقارن، والقانون الأساسي، ولا سيما عند المساس بجوهر الحقوق السياسية.

وبالنظر إلى التعديلات الأخيرة على قرار بقانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية 2025 فإنها تنحرف كلياً عن هذا الإطار، إذ لا تكتفي بتنظيم إجراءات الترشح، بل تدخل معايير سياسية مفتوحة وغير مُعرّفة تشريعياً، بحيث تُستخدم كأداة تقييم مُسبق للمرشحين. وبذلك، لا نكون أمام تنظيم للحق، بل إعادة هندسة لمضمونه، بما يُفرغه من حمايته الدستورية، ويُخضعه للتقييم السياسي، في تعارض مباشر وانتهاك مؤكد لأحكام الدستور والمعايير الدولية الملزمة.

ثالثاً: استدعاء المجتمع المدني كغطاء إجرائي

تُظهر الوقائع على الأرض أن المادة (16) فقرة (2) من القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية (النص الأصلي) والتي تنص على ما يلي" يُشترط لقبول القائمة الانتخابية تقديم إقرار من مرشحي القائمة بقبول ترشحهم في القائمة، وبأنهم ملتزمون ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية وبالتزاماتها الدولية وقرارات الشرعية الدولية"بما تتضمنه من اشتراطات سياسية تتعلق بالالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية و"التزاماتها الدولية" وقرارات "الشرعية الدولية"، لم تكن مطروحة أصلاً خلال ما يُقارب أربعة أشهر من النقاشات التي جرت مع مؤسسات المجتمع المدني بشأن مشروع قرار بقانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية. وينسحب الأمر ذاته على شروط الترشح لعضوية المجالس القروية المنصوص عليها في المادة (19) فقرة (1) من هذا القرار بقانون.

إدراج هذه المواد تمَّ لاحقاً، بعد انتهاء المشاورات مع مؤسسات المجتمع المدني، ومن ثم جرى إقرار القرار بقانون ونشره بصيغته النهائية في الجريدة الرسمية، بما يُفرغ مفهوم التشاور من مضمونه الحقيقي، ويُدلّل على مدى الاستخفاف بالمجتمع المدني، شبه الغائب عن المشهد العام منذ سنوات، ويَحوّل مشاركته إلى إجراء شكلي يُستدعى لتوفير غطاء إجرائي، لا لبناء شراكة فعلية في صناعة القرار التشريعي. هذا المسار ليس استثناءً، بل نمط مُتكرر ومُمنهج، يتجلى كذلك في العمل الجاري على "مشروع الدستور الجديد" حيث يُستدعى المجتمع المدني كغطاء إجرائي، بينما تكون التوجهات قد حُسمت سلفاً. المشاركة هنا ليست أداة لحوكمة التشريع في غياب البرلمان، بل وسيلة لتسويغ قرارات قائمة تحت مظلة "التشاور" ومتطلبات "الإصلاح" في ظل التصدع المتسارع في بُنية النظام السياسي الفلسطيني ككل.

رابعاً: من قيد فضفاض إلى ضباب تشريعي مُوسَّع

يكشف الانتقال من الصيغة الأصلية للمادة (16) إلى الصيغة المعدلة تحولاً نوعياً في منطق القيد المفروض على حق الترشح، باتجاه توسيع الضباب التشريعي وتحرير القيد من أي معيار قانوني قابل للفحص. فالنص الأصلي، رغم مخالفته من حيث المبدأ للقانون الأساسي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، اشترط «الالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية وبالتزاماتها الدولية وقرارات الشرعية الدولية» وهي صياغة فضفاضة بحد ذاتها، لكنها – نظرياً– تُحيل إلى التزامات أو قرارات يمكن تحديدها أو حصر نطاقها أو إخضاعها لنقاش قانوني.

غير أن هذا النقاش، متى تعلّق باتفاقيات سياسية مثل اتفاقية أوسلو، يُحسَم سَلفاً في إطار القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، التي تنص في المادة على عدم جواز تنازل سكان الإقليم المحتل عن الحقوق المقررة لهم بموجب الاتفاقية، وفي المادة (47) التي تنص صراحة على بطلان أي اتفاق أو ترتيب يُبرم بين سلطات الإقليم المحتل ودولة الاحتلال حال مسّ بهذه الحقوق. ويُعزَّز هذا المبدأ كذلك بأحكام اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، التي تمنع استخدام الاتفاقات الدولية لتقويض قواعد آمرة أو حقوق أساسية محمية. وجميع تلك الاتفاقيات منشورة في الجريدة الرسمية (الوقائع الفلسطينية). وعليه، فإن أي محاولة لتحويل التزامات سياسية مخالِفة للقانون الدولي إلى معيار لتقييد حق دستوري، تُشكّل خروجاً إضافياً عن الإطار القانوني الدولي الملزم، قبل الدخول أصلاً في مسألة التعديل أو توسيعه.

أمّا الصيغة المعدلة، فقد أعادت إنتاج القيد بمنطق أكثر اتساعاً وضبابية، حين اشترطت «الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وبرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة» وهنا لم يعد القيد مرتبطاً بالتزامات أو قرارات معينة يمكن تحديدها أو مساءلتها قانونياً، بل جرى إدخاله في منظومة سياسية مفتوحة تشمل توصيفاً تمثيلياً ووحيداً دون تفويض انتخابي مباشر، وبرنامجاً سياسياً ووطنياً غير مُعرّف تشريعياً، وقرارات شرعية دولية “ذات صلة” دون أي معيار يضبط معنى الصلة أو نطاقها أو حدودها. وبهذا، لا نكون أمام استبدال قيد بآخر، بل أمام توسيع منهجي للقيد وتحويله من شرط قابل للفحص إلى أداة تقييم سياسي شامل ومسبق، تُخضع حق الترشح لمنطق الولاء السياسي والتقدير المفتوح، لا لمعيار دستوري موضوعي. وهو ما يجعل القيد أشد انتهاكاً من سابقه، ويفشل بصورة أوضح في اختبار المشروعية الدستورية، قبل أي نقاش في تطبيقه أو آثاره.

ويكتسب هذا التحول خطورة إضافية إذا ما قورن بما غاب عن النصين معاً؛ إذ لم يتم استخدام مصطلح «القانون الدولي» بما يحمله من دلالة معيارية واضحة ومنظومة قواعد ملزمة، بل تم اللجوء في الحالتين إلى مصطلح «الشرعية الدولية» وهو مفهوم يحمل أبعاداً سياسية في المقام الأول ولا يُعبّر بالضرورة عن قواعد القانون الدولي ولا عن التزامات قانونية محددة المصدر. هذا الاختيار ليس تفصيلاً لغوياً، بل خيار تشريعي مقصود يسمح بفصل القيد عن إطار معياري منضبط، وربطه بتقديرات سياسية مُتغيرة وانتقائية، بما يُفرّغ القيد من أي معيار موضوعي، ويُقوّض مبدأ سيادة القانون كأساس الحكم في فلسطين ويُحوّل القيود على الحق في الترشح إلى أداة مرنة تُدار بالسياسة لا بالقانون.

وبذلك، فإن الإشكال المركزي لا يكمن في تعدد الصياغات أو توسعة القيود بحد ذاتها، بل في المنهج التشريعي الذي يفشل أصلاً في اجتياز شرط «القانونية» وفق المعايير الدستورية والدولية، ويُعيد تعريف حق الترشح كامتياز مشروط بالولاء السياسي لا كحق طبيعي وأصيل. هنا لا نكون أمام تنظيم مشروع للحق أو قيد استثنائي محدود، بل أمام نهج يُدار بقرارات بقانون، ويستند إلى منهج الضباب المتعمّد لإعادة رسم حدود المشاركة السياسية خارج منطق الحقوق، بما يسمح بالإقصاء تحت عناوين سياسية مُغلّفة بالتشريع، لكنها مُفرغة من أي مضمون دستوري أو حقوقي حقيقي.

خامساً: من خطاب الإصلاح إلى إدارة الإقصاء

لا يقتصر الإشكال في النص الأصلي الوارد في القرار بقانون المذكور وفي التعديلات الأخيرة على مضمون النصوص وحدها، بل يمتد إلى الخطاب الترويجي المرافق لها. فبالتوازي مع توسيع القيود وتكريس الضباب التشريعي، يجري الترويج لهذه التعديلات بوصفها خطوة إصلاحية أو تصحيحاً لمسار قانوني سابق، وكأن المسألة تتعلق بتخفيف الشروط لا بإعادة إنتاجها وبصيغة أوسع. وهذا الخطاب يؤدي وظيفة سياسية محددة: تهدئة الاعتراض، وتحييد النقاش العام، وقطع الطريق على إعلان مقاطعة الانتخابات الهشة أساساً، عبر إعادة إنتاج منهج القيود كحل توافقي. 

ويقوم هذا الترويج على نقل النقاش من جوهر الحقوق إلى إدارة الانطباعات؛ من مشروعية القيد إلى “سوء الفهم”، ومن حماية الحق إلى “حساسية المرحلة”. وبهذا، لا يُناقَش النص بوصفه أداة إقصاء، بل يُعاد تسويقه كإطار جامع، فيما تُدار العملية فعلياً على نحو يُعيد ضبط المجال السياسي وإعادة إدماج الفاعلين ضمن قواعد مُحدَّدة سلفاً، لا نقاش بشأنها ولا مراجعة لها. ولا يبدو هذا المسار معزولاً عن سياقه الأوسع، بل ينسجم مع المنهج ذاته الجاري اعتماده في مسارات موازية، وفي مقدمتها مشروع الدستور الجديد ومشروع الأحزاب السياسية، بحيث يتم استعادة خطاب "الإصلاح" و"التحديث" كغطاء لإعادة هندسة المجال العام على منهج الإقصاء لا توسيع المشاركة أو حماية الحقوق.
كلمة أخيرة: عندما تُدار الانتخابات كأداة إقصاء 

لا يُمكن التعامل مع التعديلات الأخيرة على القرار بقانون كتعديل شكلي أو استجابة ظرفية لاعتراضات أو حتى كالتفافٍ إجرائي على طعنٍ قضائي، إذ إن ما يجري يتجاوز النصوص إلى قلب المنهج. فالمسألة لا تتعلق بحدود قيد هنا أو صياغة هناك، ولا تُختزل في مادة أُلغيت أو عُدّلت، بل بنمط تشريعي مُتكامل يُعاد إنتاجه بصورة ممنهجة، يقوم على إدارة الحقوق بمنهج الضباب، وإعادة تعريف المجال السياسي من خلال شروط فاعلة في الإقصاء. واختزال هذا المسار في جدلٍ إجرائي أو انتظار مسار قضائي لا يعدو كونه تسطيحاً لإشكال أعمق بكثير، لأن المنهج الإقصائي المفتوح قادر على إعادة إنتاج نفسه بصيغ جديدة متى اقتضت الحاجة. وهنا، تصبح الانتخابات أداة لإعادة الضبط لا للمساءلة، وتتحول المشاركة السياسية من حق إلى مسار مُفلتر سَلفاً، حدوده ومعاييره خارج منطق الدستور والقانون.

وما يُروَّج له بوصفه "تصحيحاً" أو "تخفيفاً" للقيود لا يعدو كونه إعادة تسويق للمنهج ذاته بصيغة أشد ضراوة وأقل صدامية، في معادلة تبادل الأدوار، هدفها تهدئة الاعتراض، وإفراغ النقاش العام من مضمونه الحقوقي، وقطع الطريق على مقاطعة انتخابات هشّة أساساً، عبر خلق انطباع زائف بالانفتاح والتوافق. هنا لا يُدار الخلاف حول الحق، بل حول توقيت الاعتراض وحدوده، ولا يُسأل النص عن دستوريته، بل عن مدى قابليته للتسويق. وبهذا، يُعاد توجيه البوصلة من حماية الحقوق لإعادة إدماج الفاعلين في "بيت الطاعة" السياسي تحت عناوين إصلاحية وغطاء سياسي.

ولا يُمكن فصل هذا المسار عن السياق الأوسع الجاري العمل عليه، سواء في مشروع الدستور الجديد أو في مشروع الأحزاب السياسية، حيث يتكرر المنطق ذاته: توسيع الهيمنة، تمييع المعايير، واستدعاء مفاهيم كبرى كالشرعية والإصلاح وما شابه، دون تعريف قانوني منضبط، بحيث تُستخدم كأدوات إقصاء. والنتيجة، ليست تنظيم التعددية، بل إعادة هندستها على نحو يُبقي المجال السياسي مفتوحاً شكلياً، ومُغلقاً فعلياً وبإحكام، أمام أي إمكانية للتغيير.

والخطر الحقيقي لا يكمن في نصٍ واحد، ولا في انتخابات واحدة، بل في تطبيع هذا المنهج، وتحويل الاستثناء إلى تقنية حكم، والضباب إلى أداة إدارة. وتتضاعف خطورته عندما يتم إصدار التعديلات، في خِضَم عملية انتخابية قائمة وجارية، ويُعاد تعريف شروط المشاركة أثناء المسار، لا قبله. فحين يُدار الحق بالتعديل، ومن ثم بالترويج، وتُعاد هندسة القواعد تحت شعار الإصلاح، لا نكون أمام خلل إجرائي، بل أمام مسار يُكرس النهج ذاته في طبيعة النظام. 

هنا لا يعود السؤال مَن يترشح، بل أي مواطَنة يُسمح لها أن تمر عبر صندوق الاقتراع، وأيها يُستبعد قبل أن يصل إليه.