ترجمات عبرية - خاص قدس الإحبارية: مرة جديدة، يتكشّف أن أخطر ما يهدد كيان الاحتلال لا يأتي من الخارج، بل ينبع من داخل بنيته الحاكمة ذاتها. إذ يفضح تقرير لجنة الغواصات حالة التفكك وغياب الحوكمة داخل منظومة اتخاذ القرار، ويكشف كيانًا تُدار شؤونه الأمنية في الظل، بلا سياسة واضحة ولا رقابة فعلية، حيث تُتخذ قرارات استراتيجية بعقلية ارتجالية لا بعقلية أمنية.
ويقدّم التقرير، الصادر عن لجنة التحقيق الرسمية برئاسة رئيس المحكمة العليا السابق في دولة الاحتلال القاضي آشر غرونيس، صورة قاتمة لحجم الإخفاقات البنيوية التي رافقت صفقات الغواصات وقطع السلاح البحري، كاشفًا عن خلل عميق في العلاقة بين المستوى السياسي والمؤسسة العسكرية، وعن تغييب متعمّد لآليات الرقابة والمحاسبة على مدى سنوات.
غياب سياسة أمنية وتحويل القرار إلى شأن مغلق
ووفق خلاصات اللجنة، فإن المستوى السياسي في حكومات الاحتلال تخلّى عمليًا عن مسؤوليته في بلورة سياسة أمنية شاملة، وترك المؤسسة العسكرية تعمل في حالة من الغموض والانفصال عن رقابة مدنية حقيقية. فبدل وضع استراتيجية واضحة لإدارة المخاطر وبناء القوة العسكرية، جرى اتخاذ قرارات جزئية ومتفرقة، دون رؤية كلية، ما خلق – بحسب التقرير – خطرًا حقيقيًا على أمن كيان الاحتلال.
وأكدت اللجنة أن القرارات المتعلقة بصفقات التسلح الكبرى كان يجب أن تمر بمسار مهني منظّم وشفاف، تُناقَش فيه الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية مجتمعة، وهو ما لم يحدث فعليًا في الملفات التي جرى فحصها.
«الكابينت»… هيئة شكلية بلا تأثير
ويُظهر التقرير أن المجلس الوزاري المصغّر للشؤون الأمنية والسياسية («الكابينت») لم يؤدِّ دوره المفترض، وتحول عمليًا إلى أداة تصديق شكلية على قرارات صاغتها المؤسسة العسكرية سلفًا. وأقرّ عدد من أعضاء «الكابينت» خلال إفاداتهم بأنهم لم يكونوا شركاء حقيقيين في صياغة السياسات، بل مجرّد «ختم مطاطي».
ولمعالجة هذا الخلل، أوصت اللجنة بإنشاء هيئة استشارية دائمة للمستوى السياسي تضم مختصين مهنيين، بما يتيح تحدّي تقديرات الجيش ومراجعتها، وهو دور أخفق مجلس الأمن القومي في القيام به. كما وجّه التقرير انتقادات حادة لوزارة الأمن في دولة الاحتلال، التي اكتفت بدور المنفّذ لقرارات الجيش، دون امتلاك جهاز مهني مستقل لصياغة سياسة بناء القوة.
تحذير من عبثية في صفقات السلاح الخارجية
وفي فصل لافت، حذّرت اللجنة من سلوك مهمل وغير مسؤول في ملف بيع وتصدير وسائل قتالية عبر دول حليفة إلى أطراف ثالثة، معتبرة أن هذا الملف الاستراتيجي أُدير دون توجيه واضح، وبما عرّض أمن كيان الاحتلال لمخاطر جسيمة. ودعت إلى إقرار آليات إلزامية تضمن توثيق جميع الاتصالات والقرارات، بعد الاستماع إلى مختلف الجهات المهنية ذات الصلة.
كما حمّلت اللجنة مسؤولية الإخفاق لوزراء ورؤساء حكومات سابقين، مشيرة إلى أن مجلس الأمن القومي تجاوز صلاحياته القانونية، وتورّط في تنفيذ قرارات وعلاقات تجارية، بدل الاكتفاء بدوره الاستشاري.
سلاح البحرية في دائرة الاتهام
أقسى الانتقادات في التقرير وُجّهت إلى سلاح البحرية في جيش الاحتلال، الذي خرج – وفق اللجنة – عن القواعد المتّبعة في عمليات الشراء والتزوّد، ونسّق مواقفه مع جهات تجارية، وقدّم معطيات انتقائية ومجزوءة لصنّاع القرار. وأوصت اللجنة رئيس أركان جيش الاحتلال بفتح تحقيق معمّق في الثقافة التنظيمية داخل السلاح، وتحديث الأنظمة التي تنظّم العلاقة بين الضباط والمستوى السياسي.
وفي الخلاصة، شددت اللجنة على أن إخفاقات مشابهة سبق أن كُشفت في تقارير مراقب الدولة ولجان تحقيق أخرى، لكنها لم تُعالَج بجدية. واعتبرت أن معالجة هذا الخلل باتت «حاجة وجودية»، خصوصًا في ظل الواقع الأمني المتأزم منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وإلى جانب التوصيات العلنية، يتضمن التقرير استنتاجات سرّية أُحيلت إلى جهات محددة داخل منظومة الاحتلال.
انتقادات داخلية: فشل قيادي وانهيار منظومة القرار
أثار نشر التقرير موجة انتقادات واسعة داخل الأوساط السياسية والأمنية في دولة الاحتلال. واعتبر عدد من المسؤولين أن ما كشفته اللجنة يتجاوز الإخفاقات الإجرائية، ليعكس فشلًا قياديًا بنيويًا في إدارة أخطر ملفات الأمن.
رئيس المعارضة يائير لابيد وصف التقرير بأنه «توثيق لانهيار منظومة اتخاذ القرار في القضايا المصيرية»، معتبرًا أن تهميش «الكابينت» يشكّل ضربة لمبدأ الرقابة المدنية، ويؤكد أن غياب الشفافية لم يكن عارضًا، بل سياسة ممنهجة.
من جهته، رأى وزير الأمن الأسبق أفيغدور ليبرمان أن التقرير يكشف «ثقافة خطيرة من الإفلات من المحاسبة»، حيث تُتخذ قرارات بمليارات الشواكل دون نقاش حقيقي أو توثيق رسمي، في مشهد كان يستوجب – بحسب تعبيره – محاسبات سياسية فورية.
ويُذكر أن لجنة غرونيس شُكّلت في كانون الثاني/يناير 2022 عقب ضغوط داخلية، لفحص الجوانب العامة من قضية «الملف 3000»، المتعلقة بصفقات شراء غواصات وسفن حربية بين عامي 2009 و2017، ولا سيما الصفقات مع شركة «تيسن كروب» الألمانية، وسط شبهات واسعة حول مسارات اتخاذ القرار داخل منظومة الاحتلال.



