شبكة قدس الإخبارية

ميدل إيست أي: جسر جوي إماراتي يربط "إسرائيل" بأثيوبيا وسط توترات السودان

Almawqea2026-01-21-08-21-29-642033
هيئة التحرير

لندن - قدس الإخبارية: كشف موقع "ميدل إيست آي" أن طائرة شحن ارتبطت سابقا بنقل أسلحة إلى مقاتلين مدعومين من الإمارات في السودان وليبيا، قامت خلال الأيام الماضية بعدد من الرحلات بين قواعد عسكرية في أبوظبي و"إسرائيل" والبحرين وإثيوبيا.

ورغم أن الغرض من هذه الرحلات والصلة بينها لا يزال غير واضح، إلا أنها جاءت في سياق صراع متصاعد على النفوذ بين الإمارات والسعودية في اليمن والقرن الأفريقي، وهو صراع قلب الموازين الجيوسياسية في المنطقة وأثار مخاوف من تصعيد جديد في الحرب السودانية.

وقد وجدت الإمارات نفسها في موقف دفاعي بعد أن شنّت السعودية عملية عسكرية لطرد المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من أبوظبي من مدينة عدن الساحلية، كما اضطرت إلى الانسحاب من قاعدتها العسكرية الرئيسية في بوساسو على الساحل الصومالي.

وفي الوقت نفسه، أدى اعتراف إسرائيل بأرض الصومال – حيث تحتفظ الإمارات بقاعدة عسكرية أخرى وتسيطر على ميناء بربرة – إلى المزيد من عدم الاستقرار في المنطقة، وأثار تكهنات بأن إثيوبيا، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع أبوظبي، قد تُقدم على خطوة مماثلة مقابل الحصول على منفذ إلى ميناء بربرة.

أما الحرب في السودان بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، التي اندلعت في أبريل/ نيسان 2023 وأدت إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم، فقد أصبحت جزءًا أساسيًا من هذا الصراع. وقد كثّفت السعودية – إلى جانب مصر وتركيا – دعمها العسكري للقوات المسلحة السودانية في محاولة لمواجهة الدعم الإماراتي المستمر لقوات الدعم السريع.

وأدّت حالة عدم اليقين في القواعد الإماراتية ببربرة وبوساسو، عقب قرار الحكومة الصومالية إلغاء جميع اتفاقياتها مع الإمارات، إلى إعادة نشر عناصر إماراتية في إثيوبيا، والتي تُعد – وفقاً لعدة مصادر، من بينها مستشار سابق للحكومة الإثيوبية – محورًا أساسيًا في استراتيجية الإمارات بالمنطقة.

وقال المستشار الذي عمل مع الحكومة الإثيوبية لأكثر من عقد، إن رئيس الوزراء آبي أحمد "يبدو جليا أنه يرى مستقبل إثيوبيا في تحالفها الوثيق مع الإمارات، وليس أي طرف آخر".

وأضاف: "يعتقد بعض المسؤولين في وزارة الخارجية الإثيوبية وغيرها أن الإمارات هي من تملي على إثيوبيا قراراتها تجاه الحكومة السودانية وقوات الدعم السريع وإريتريا بشأن عصب خلال العامين الماضيين"، في إشارة إلى ميناء عصب الإريتري، الذي قال المستشار إن آبي أحمد "كاد أن يغزوه العام الماضي بتحريض من أبوظبي".

وقال جلال حرشاوي، المحلل مختص في شؤون شمال أفريقيا والاقتصاد السياسي، لموقع "ميدل إيست آي" إن "الإمارات تحركت بسرعة وجرأة والتزام مالي أكبر من أي طرف خارجي آخر" منذ اندلاع الحرب في السودان.

وأضاف أن "انتصار السعودية على الإمارات في اليمن أواخر العام الماضي عزّز مصداقية الرياض الإقليمية”، مشيرًا إلى أن السعوديين “ينفقون بسخاء حاليا لتغيير مسار حرب السودان".

وكشف مسؤولون باكستانيون مؤخرًا لوكالة "رويترز" أن المفاوضات بلغت مراحل متقدمة بشأن صفقة دفاعية تُقدَّر قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار، وتشمل مقاتلات "جيه إف-17 بلوك 3"، وطائرات هجومية من طراز "كي-8"، وأكثر من 200 طائرة مسيّرة لفائدة القوات المسلحة السودانية.

وقال حرشاوي: "العديد من الأطراف الإقليمية سوف تتكيف مع مبادرات الرياض، لكن إثيوبيا لن تفعل ذلك"، مضيفًا: "ستبقى أديس أبابا إلى جانب الإمارات. ولذلك يركّز الإماراتيون عملياتهم العسكرية على الأراضي الإثيوبية، استعدادًا لهجوم واسع بعد أن أفسدت التحركات السعودية مناطق تمركز أخرى".

طائرات الشحن الإماراتية

أظهرت بيانات تتبّع الرحلات التي حلّلها موقع "ميدل إيست آي" خلال الأيام الماضية نمطًا متكررًا من الرحلات بين أبوظبي ومطار هرر ميدا، القاعدة الرئيسية للقوات الجوية الإثيوبية، نفّذتها طائرة شحن من طراز أنتونوف آن-124 تابعة لشركة ماكسموس للطيران، وتحمل الرقم التسلسلي "UR-ZYD".

وتُوصف طائرة أنتونوف آن-124 بأنها أكبر طائرة نقل عسكرية في العالم. ويذكر موقع شركة ماكسموس للطيران أنها قادرة على حمل "21 سيارة تويوتا لاند كروزر أو 4 مروحيات ‘إم آي 17 إم تي في’ دون عناء".

في 3 يناير/ كانون الثاني، أقلعت الطائرة من مطار أبوظبي الدولي إلى هرر ميدا، حيث هبطت عند الساعة 9:12 صباحاً بالتوقيت المحلي (6:12 بتوقيت غرينتش)، ثم أقلعت مجددًا عند الساعة 10:45 صباحًا بالتوقيت المحلي وعادت إلى أبوظبي. وفي 12 يناير/ كانون الثاني، قامت الطائرة برحلة أخرى إلى هرر ميدا، وانطلقت هذه المرة من قاعدة الظفرة العسكرية في أبوظبي، وهبطت عند الساعة 10:50 صباحًا، قبل أن تعود إلى أبوظبي عند الساعة 1:34 ظهرًا.

وقامت الطائرة بالرحلة نفسها للمرة الثالثة بعد ثلاثة أيام، في 15 كانون الثاني/ يناير، وقد هبطت في إثيوبيا عند الساعة 8:27 صباحًا وغادرت عند الساعة 10:45 صباحًا.

وفي 17 كانون الثاني/ يناير، طارت مجددًا نحو هرر ميدا انطلاقًا من قاعدة الظفرة، قبل أن تواصل رحلتها إلى مطار بولي الدولي، وهو المطار الرئيسي في أديس أبابا.

ومن هناك، اتجهت في 18 كانون الثاني/ يناير إلى مدينة مرسيليا الفرنسية، ثم إلى مطار تاراز في كازاخستان في اليوم نفسه، وفقًا لمواقع تتبّع الرحلات الجوية.

ويوم الاثنين، أقلعت من تاراز إلى مطار غوانغتشو في الصين. ويوم الثلاثاء سُجّلت مغادرتها الصين إلى مطار يوتاباو الدولي في تايلاند.

ومن اللافت أنه قبل أيام من رحلتها الأولى إلى إثيوبيا في 3 كانون الثاني/ يناير، قامت الطائرة الإماراتية بثلاث رحلات ذهابًا وإيابًا بين قواعد جوية عسكرية في البحرين و"إسرائيل".

ففي 28 و29 كانون الأول/ ديسمبر، أقلعت من قاعدة الشيخ عيسى الجوية في البحرين، ويبدو أنها هبطت في قاعدة عوفدا التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي في صحراء النقب الجنوبية، حسب بيانات تتبّع الرحلات. وفي 31 كانون الأول/ ديسمبر، أقلعت مجددًا من قاعدة الشيخ عيسى إلى عوفدا، قبل أن تعود هذه المرة إلى أبوظبي.

وقال ناثانييل ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، الذي يراقب الحرب في السودان، لموقع ميدل إيست آي: “هذه المؤشرات على قيام طائرة أنتونوف آن-124 – ذات السعة الكبيرة – بطلعات متكررة بين أبوظبي وهذا المطار القريب من منطقة تشهد زيادة في أعداد قوات الدعم السريع وتصاعدا في عملياتها، يجب أن تثير قلق العالم”.

وأضاف: “إذا ثبت أن الإمارات العربية المتحدة تقوم عبر هذه الرحلات الجوية بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة، فإنه يتعين على إثيوبيا أن تحذو حذو جيرانها وتمنع الإمارات ووكلاءها من الوصول إلى مجالها الجوي فورًا”.

وقال المصدر الاستخباراتي السوداني إن قوات الدعم السريع اشترت مؤخرًا ما لا يقل عن ست مقاتلات من طراز سوخوي إس يو-24 وميغ-25، والتي تأتي عادةً من صربيا التي تربطها علاقة قوية بشركة "إنترناشونال غولدن غروب"، وهي شركة إماراتية متخصصة في الصناعات الدفاعية.

وقال المصدر إن الطائرات – بما في ذلك أجنحتها ومحركاتها – يتم تفكيكها ثم نقلها على متن طائرات شحن من الإمارات إلى إثيوبيا أو إلى الكُفرة، وهي قاعدة جوية في شرق ليبيا تخضع لسيطرة القوات المسلحة التابعة للواء خليفة حفتر.

وقد تواصل موقع "ميدل إيست آي" مع وزارة الخارجية الإماراتية، ووزارة الخارجية الإثيوبية، وقوات الدعم السريع، وشركة “ماكسموس للطيران” طلبًا للتعليق.

وتنفي الإمارات تقديم الدعم لقوات الدعم السريع المتهمة على نطاق واسع بارتكاب جرائم إبادة جماعية في دارفور غرب السودان.

العلاقة مع حفتر

تصف شركة "ماكسموس للطيران"، التي تتخذ من أبوظبي مقرًا لها، نفسها بأنها "أكبر شركة شحن جوي في الإمارات". وهي جزء من مجموعة شركات "أبوظبي للطيران"، التي تمتلك غالبية أسهمها شركة "أبو ظبي القابضة"، وهو صندوق استثماري يرأسه مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان.

وتشمل قائمة عملاء ماكسموس للطيران “القيادة العامة للقوات المسلحة، وديوان ولي العهد، ووزارة الخارجية وعدد من الجهات الحكومية الأخرى”، وفقًا لأحدث تقرير صادر عن مجموعة شركات “أبوظبي للطيران”.

لكن عمليات الشركة سبق أن لفتت انتباه لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة أثناء التحقيق في توريد الإمارات أسلحة إلى حفتر، في انتهاك لحظر الأسلحة المفروض عليه، حيث تقاتل قواته ضد الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس منذ حوالي عقد.

في تقرير صدر عام 2021، اتهمت اللجنة شركة “ماكسموس للطيران” بانتهاك قرار أممي يحظر التوريد المباشر أو غير المباشر للأسلحة إلى الأطراف المتحاربة في ليبيا.

وقد حدد التقرير 12 رحلة مشبوهة نفذتها طائرة "UR-ZYD" بين عصب في إريتريا ومرسى مطروح في مصر، وقال إنها كانت جزءًا من “جسر جوي” إماراتي سري لنقل الأسلحة إلى حفتر الذي دعمت قواته لاحقًا قوات الدعم السريع في السودان خلال الحرب المستمرة منذ 2023.

وقالت لانا نسيبة، سفيرة الإمارات لدى الأمم المتحدة حينذاك إن المزاعم الواردة في التقرير “كاذبة”، وأن حكومة الإمارات تنفيها “بشكل قاطع”.

وفي حزيران/ يونيو من العام الماضي، ساعدت ميليشيات متحالفة مع حفتر قوات الدعم السريع في السيطرة على الجزء السوداني من المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا. وقد تتبع موقع "ميدل إيست آي" عددًا لا يحصى من رحلات الشحن المرتبطة بالإمارات والمتجهة إلى قاعدة الكُفرة الجوية التابعة لحفتر، والتي كانت نقطة إمداد رئيسية لقوات الدعم السريع.

ويواجه صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، في الوقت الحالي ضغوطًا من السعودية للتوقف عن مساعدة الإمارات في دعم قوات الدعم السريع. كما بدأت مصر، التي كثفت دعمها للقوات المسلحة السودانية، في قصف قوافل إمداد قوات الدعم السريع التي تمر بالقرب من أراضيها.

منذ يوم الاثنين الماضي، تم إغلاق قاعدة الكُفرة بشكل مؤقت، مع الإعلان عن “إصلاحات في المدرج” يُفترض أن تستمر شهرًا. غير أن هذا المدرج تم تجديده في شباط/ فبراير 2024، ويُعتقد أن الإغلاق المعلن يهدف إلى منح عائلة حفتر وقتًا للاختيار بين الإمارات والسعودية.

وقالت خلود خير، المحللة السودانية وخبيرة السياسات، لموقع ميدل إيست آي: "أصبح القرن الأفريقي الآن رهن ما يحدث في الرياض وأبوظبي. نحن نشهد ترسيخ هذه الهيمنة الخليجية التي رأيناها خلال السنوات الخمس الماضية… الكثير من دول المنطقة تتخذ قراراتها حاليا بناءً على تحالفها مع هذه الدولة الخليجية أو تلك".

رحلات محمد بن زايد

قدّر تقرير الأمم المتحدة لعام 2021 أن كل رحلة قامت بها طائرة "UR-ZYD" كانت تحمل شحنة تصل إلى 18 مركبة عسكرية. وحدد التقرير الرئيس الحالي للإمارات وولي عهد أبوظبي السابق، محمد بن زايد، باعتباره المالك المستفيد للطائرة.

وقال التقرير: "لم تقتنع اللجنة بدقة الوثائق التي قدمتها شركة ماكسيموس للطيران المحدودة".

وقد ربط محققون مختصون في مراقبة الطائرات من مصادر مفتوحة الطائرة نفسها بنقل الإمارات أسلحة إلى قوات الدعم السريع في السودان عبر تشاد.

في أيلول/ سبتمبر2023، سلّط حساب مراقبة الطائرات على منصة إكس @Gerjon  (توقف نشاطه الآن)، الضوء على 16 رحلة جوية قامت بها الطائرة "UR-ZYD" على مدار خمسة أشهر بين أبوظبي ونجامينا في تشاد.

وقد ربط الحساب الطائرة ذاتها في وقت سابق بعمليات شحن أسلحة من الإمارات إلى إثيوبيا خلال حرب تيغراي عام 2021.

ولم تستجب شركة “ماكسموس للطيران” إلى طلبات موقع “ميدل إيست آي” للتعليق.

وقد سلطت التقارير السنوية لمجموعة أبوظبي للطيران في 2022 و2023 الضوء على "المهمة الإنسانية" للشركة بدعم "الجهود الإنسانية لدولة الإمارات العربية المتحدة لصالح اللاجئين والنازحين".

وقالت مجموعة شركات أبوظبي للطيران: "أصبحت الخدمات الإنسانية والإغاثية عنصرًا أساسيًا في عمليات ماكسموس للطيران. تعمل الشركة بشكل وثيق مع هيئة الهلال الأحمر الإماراتي لتقديم حلول متكاملة لدعم الدول المتضررة حول العالم".

وأشارت إلى نقل مروحيتين من طراز إم آي-17 من الصين إلى أوغندا عام 2023 ضمن مهمة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة في منطقة أبيي بين السودان وجنوب السودان.

ويبدو أن صلة طائرة "UR-ZYD" بمحمد بن زايد تتجاوز مزاعم تورط الإمارات في تسليح أقرب حلفائها في النزاعات الإقليمية. كانت الطائرة جزءًا من سرب طائرات شحن رافق رئيس الإمارات في زيارة رسمية إلى باكستان الشهر الماضي.

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن محمد بن زايد شارك خلال زيارته إلى باكستان في موسم الصيد السنوي الذي ترتاده العائلات المالكة الخليجية لصيد طائر الحبارى.