شبكة قدس الإخبارية

مجلس السلام.. هندسة ترامب للشرق الأوسط

112550
محمد القيق

يعزز دونالد ترامب من معادلاته الاستراتيجية في المنطقة بعدة زوايا، ولعل الأساس في ذلك كله هو الشرق الأوسط الجديد الذي تحدث عنه مرارا وتكرارا في خطاباته وفي مؤتمراته حتى وفي خططه، ونسقها جيدا مع نتنياهو والاحتلال الإسرائيلي.

وبالتالي ما يقوم به دونالد ترامب حاليا يرتكز على ثلاثة عناصر؛ أبرزها القوة بحجة السلام وثانيها السيطرة بحجة إخضاع المجموعات المتطرفة وغيرها، وثالثا الهيمنة والتوسع بحجة الأمن القومي، هذا ما يحدث في ملف فنزويلا وما يحدث في جرينلاند وما يحدث مع الاتحاد الأوروبي بشكل عام، كذلك مع إيران وفي المنطقة سواء في دعم المجموعات المسلحة أو في الضربات العسكرية المباشرة أو الضم أو اعتراف بأقلية على أنها دول كما حدث بأرض الصومال ومناطق جغرافية أخرى.

سلاح السلام

في الآونة الأخيرة قرر دونالد ترامب أن يشكل مجلس السلام بحجة الدفاع عن الحقوق وغيرها، وبحجة وقف إطلاق النار في غزة وأن لديه خطة للمنطقة لجلب السلام.

لكن حقيقة الأمر ما يحدث الآن من تصنيفات يقودها ترامب في المنطقة ومن خريطة لمجلس السلام الذي لا يضم إلا من ارتكب المجازر والإبادة في الدول العربية والإسلامية ووضع حالة الوسطاء في إطار مجلس تنفيذي وكأنه وسيط فقط ما بين مجلس السلام هذا الذي يعتبر كمجلس أمناء للمؤسسات والدول، وما بين اللجنة الوطنية في غزة والتي هي عبارة عن بلدية باتت في نزع الصلاحيات حتى السيادية.

إذن، دونالد ترامب نصب نفسه رئيسا لهذا المجلس، وواضح أن المشهد الذي يريده هو إعادة رسم وشكل وهيئة المنطقة مستخدما السلام كسلاح، والسلام في عقلية دونالد ترامب هو القوة والبطش والحرب.

وعلى نظرية السلام التي يريدها الآن يذهب باتجاه مسارين؛ المسار الأول الاستيلاء على الأموال التي هي للشعوب في المنطقة، وأيضا يذهب باتجاه المعادلة الثانية وهي أخذ بدل ورسوم عضوية لمجلس السلام بأخذ المليارات من هذه الدول، وحتى لو دفعت مليارات لن يكون لديها القرار.

 إذن هو بهذا القرار وبسلاح السلام يأخذ ثلاثة عناصر؛ العنصر الأول يشرعن هندسة الشرق الأوسط على طريقته لأن القرار بيده في مجلس السلام بوجود دول إسلامية وعربية في المجلس، وبالتالي تريح الناس من التفكير هل هذا ضد المصلحة الإسلامية والعربية أم لا، لأن وجود هذه الدول يشرعن ويغطي على الجريمة.

 ثانيا؛ استخدام الجغرافيا -سيناء- فيه مؤشر سياسي جغرافي مرتبط بغزة، ومرتبط بالسودان وليبيا وباليمن وصولا إلى مرحلة الاستيلاء على سيناء ولاحقا على منطقة جنوب سوريا.

 ما يقوم به دونالد ترامب هو بهيئة سلاح السلام يذهب إلى الجغرافيا والسيطرة الجغرافية، وهذا يعتبر من أهم أحلامه ونتنياهو في دراسة وهندسة الشرق الأوسط.

 ثالثا؛ يمنع ويعبئ فراغا في الساحة الدولية أن منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية والإسلامية ليست إلا حكرا على الأمريكي هو الذي يقرر والذي يضع مجلس السلام والذي يقرر أين تذهب الأمور وما سيحدث فيها.

هذه النظرية التي سار عليها بالعناصر الثلاثة استطاع من خلالها أن يثبت نظرية وجود الدول العربية والإسلامية ويدفعون الأموال له ويشرعنون ذلك، وأيضا تحت إطار مجلس السلام من الممكن أن يتم نشر القوات في سيناء ومن الممكن أن يتم نشر القوات في كل منطقة عربية دون أن يكون هناك أي دور أو أي اعتراض دولي بحجة أن هناك قرارات دولية، وهذا الذي تحدث عنه دونالد ترامب عن الشرق الأوسط الجديد وعن صفقة القرن، وهذا يقودنا إلى ما يتحدث به نتنياهو.

الخلافات الإسرائيلية الأمريكية الآن على هذه النقطة شكلية كالعادة، فالأمريكي والإسرائيلي يمارسون التضليل كما دوماً والهدف أن يشعر الناس أن هناك خلاف إسرائيلي أمريكي، أما سلاح السلام الذي يستخدمه ترامب حتى اللحظة في المنطقة وفي غيرها لا زال قائما حتى في تعاطيه مع فنزويلا وجرينلاند، وهذا مؤشر على أن الهندسة الجغرافية من الشرق الأوسط على أسس سياسية وأسس أمنية تأخذ منحى أكثر خطورة في المرحلة المقبلة.

بالتالي الآن الأمريكي يضع كل ثقله بالحشد العسكري في المنطقة بالتوازي مع الحديث عن مجلس السلام لإعطاء تجربة -وهي التجربة الإيرانية- كي تكون نموذجاً إما لتقسيم جغرافي وإما لتغيير النظام بشكل عام في كل إيران، وإما أن تكون هناك لديه حسابات أخرى تختلف عن الحسابات التي يريدها محور المقاومة، وهذا سينعكس على دول أخرى في المنطقة، وبالتالي هذه التجربة بالنسبة لديهم مهمة جداً في سلاحين عسكري وسياسي والعنوان الأبرز "خطة غزة"، فتصبح غزة شماعة تُعلق عليها كل ملفات ترامب. 

البديل الممنوع

تستمد أمريكا هذه العنجهية التي تحاول فيها رسم وهندسة الشرق الأوسط الجديد من خلال ثلاثة عناصر؛ وأولها الفرقة العربية الإسلامية، هناك حالة من الفرقة والتغييب للوحدة العربية والإسلامية، وهذا في إطار "فرق تسد" تستطيع أمريكا أن ترسم ما تريد وأن تستميل ما تريد من المنطقة العربية وتضعف وتقوي من تريد.

المسار الثاني هو مسار القوة والتكنولوجيا العسكرية التي عملت عليها كثيرا في الوقت الذي لم تعمل الدول العربية والإسلامية عليه، بعض الدول الإسلامية حاولت ولكن ليس بالقوة التي لدى أمريكا، وبالتالي ما يجري من الأمريكي هو محاولة إضعاف من قَوِيَ في المنطقة العربية والإسلامية، وهذا يعطي إشارة إلى أن إيران وتركيا وكذلك المصري والسعودية تحت الضربة النارية التي تريدها أمريكا في المنطقة.

 المسار الثالث هو مهم جدا بالنسبة للأمريكيين، مسار الثروات الطبيعية والغاز والنفط، المهم لديهم أخذ كل شيء على حساب الفلسطينيين وعلى حساب المنطقة العربية، وهذا ما رأيناه في التعامل مع الدول كأنها معادلة الثروات. 

 إذن الثروات وانعدام الوحدة وقوة التكنولوجيا كلها مسارات تجعل البديل ممنوعا، والبديل هو أن تكون هناك أرضية وسيادة عربية وإسلامية وأن لا ترسم المنطقة بقرارات مجلس السلام، ولكن في هذا الغياب للعناصر الثلاثة يبدو أنه بالفعل الإسرائيلي والأمريكي سيجعلون مجلس السلام محطة مهمة ومرتكزاً مهماً في الهندسة الجغرافية ليس فقط في غزة وليس حتى استناداً لصفقة القرن، يبدو أن المخطط سيكون أكثر توسعاً إن لم يكن هناك رادع إقليمي وحالة من الوحدة العربية والإسلامية للجم هذا المشهد.

اليوم السياسة تُرسم في أروقة الأمريكي والإسرائيلي، ولكن الظروف الدولية وطوفان الأقصى ذهب بالمنطقة بعيداً سواء الحرب الأوكرانية الروسية أو التوتر مع الصينيين أو الكلام الأخير مع الأوروبيين أو حالة الميزانية الدفاعية التي يتم صرفها الآن في أوروبا على حساب العلاقات الخارجية.

 كل ذلك ممكن أن يغير في حسابات إسرائيل وأمريكا التي كانت دائماً تخطط وتنفذ وتنجح، ولكن بالمعطيات الأخيرة وبما أجراه طوفان الأقصى من زلزال استراتيجي في الأمن القومي العالمي؛ أعتقد أن الأمور لن تكون كما أرادت أمريكا دائماً في التخطيط والتنفيذ، أما النجاح فهذا يبدو أنه سيلاقي عقبات كثيرة إن لم يفشل بل وينقلب على عكس ما تريده خاصة في ظل معطيات التحالفات وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية التي باتت الآن منطقة ساخنة في كل زاوية من زاوية العالم.