شبكة قدس الإخبارية

هدم مقر الأونروا في القدس: معركة التصفية تتجدد

2026_01_20T085319Z_724829281_RC2W4JAX95KF_RTRMADP_3_ISRAEL_PALESTINIANS_JERUSALEM_UNRWA.JPG
زياد ابحيص

بعد تمهيدٍ طويل لتصفية الأونروا، وشطب وجودها في القدس تحديداً، أقدمت سلطات الاحتلال اليوم 20-1-2026 على هدم مقر الرئاسة العامة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). المقدمات التي أوصلت إلى هنا بدأت في 2017 مع الاحتفال بالذكرى الخمسين لاحتلال الشطر الشرقي للقدس واقتراح منع الأونروا من العمل فيها كشكل من أشكال فرض "السيادة الإسرائيلية" على المدينة، ليُقرّ الكنيست في 24-10-2024 قانوناً يمنع الأونروا من العمل "داخل الأراضي الإسرائيلية"، ثم ليشهد هذا القانون "تطويراً" في 29-12-2025 بمنع تزويد مقرات الأونروا في القدس بالماء والكهرباء تمهيداً للاستيلاء عليها. ترافق مع ذلك القانون وقف العمل في مقر الأونروا الرئيسي في القدس، وسرقة كافة محتوياته تحت ذريعة "سداد قيمة ضرائب لم تسددها الأونروا" لبلدية الاحتلال في القدس، علماً أن اتفاقيات استضافة الأمم المتحدة ومنظماتها عادة ما تعفيها من جميع الضرائب المحلية.

حاولت الأونروا مجابهة هذا القرار، ولجأت إلى محكمة العدل الدولية وحصلت منها في 22-10-2025 على قرار نص على واجب السلطات الإسرائيلية في تسهيل عمل الأونروا وكافة المنظمات الدولية، لكن هذا لم يغير شيئاً في المسيرة المستمرة لشطب الأونروا، والتي شمِلت في 8-4-2025 إغلاق مدارس الأونروا الستة التي كان يستفيد منها أكثر من 800 طالب في القدس، وشمِلت في 14-1-2026 مستوصف الأونروا في البلدة القديمة للقدس والذي يستفيد منه أكثر من 30 ألف مريض، ثم اليوم شمِلت مقر رئاسة الأونروا في الضفة الغربية والقائم في حي الشيخ جراح في القدس.

photo_٢٠٢٦-٠١-٢٠_٢٢-٠٧-٥٥
 

تداعيات كثيرة يحملها هذا الهدم أبرزها:

أولاً: الأثر الأهم لهذا العدوان هو معناه السياسي، إذ يشن الكيان الصهيوني حرب تصفية لقضية فلسطين بشراكة أمريكية، وهي مرحلة يمكن التأريخ لبدايتها من عام 2017 مع ولاية ترامب الأولى، وقد واجهها شعب فلسطين ومقاومته بسبع محطات من المواجهة الشعبية والحروب، خمسة منها كان عنوانها القدس وواحدة منها كان عنوانها العودة، وقد جاءت حرب الإبادة في غزة في محاولة لفرض هذا الحسم والتشبث بتصفية الصراع بالإجرام والقوة العسكرية.

لهذه التصفية ثلاثة عناوين رمزية هي تهويد القدس وإنهاء حق العودة وشطب الهوية الفلسطينية، وثلاثة عناوين ميدانية هي إبادة غزة وتهجير الضفة وتهويد الداخل المحتل عام 1948 بمزيج من التهجير وطمس الهوية، ولها وجهان إقليميان بضرب إرادة المقاومة وتصفيتها حيث وُجدت، وبفرض حالة إذعانٍ إقليمي يلحق الدول العربية والإسلامية بمركز صهيوني موهوم عبر الاتفاقيات الإبراهيمية.

شَطبُ الأونروا من القدس يقصد الاحتلال به ضرب العناوين الرمزية الثلاث: فهو خطوة على طريق محاولة تهويد القدس، وهو خطوة على طريق محاولة شطب لحق العودة بشطب الوكالة التي ارتبطت بالنكبة وبتطلع الشعب الفلسطيني للعودة، وخطوة على طريق شطب خصوصية نكبة فلسطين بإجبار الأمم المتحدة على التكيف والتعامل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر إطار آخر للاجئين غير الأونروا.

ثانياً: يشكل هذا الهدم خطوة مهمة على طريق تهويد القدس، إذ يمهد الطريق لتحويل هذه الأرض بمساحتها الإجمالية البالغة 42 دونماً مع الخدمات (مساحتها الصافية بحسب تطبيق جوجل إيرث تقارب 38 ألف مترٍ مربع)، والتي كانت دائرة الأراضي الإسرائيلية قد أعلنت في 10-10-2024 نقل ملكيتها للدولة الصهيونية تمهيداً لبناء مستوطنة عليها تخصص للمستوطنين المتدينين (الحريديم) تضم 1,440 وحدة سكنية.

يدخل هذا القرار في قلب أهداف التهويد السكاني لمدينة القدس، إذ يؤسّس كتلة سكانية استيطانية في المركز التاريخي لمدينة القدس الذي بقي عصياً على الاختراق الواسع طوال 58 سنة من احتلال الشطر الشرقي للقدس، ويسهم في تصفية أحد أهم وأبرز الأحياء التاريخية للمدينة، حي الشيخ جراح، الذي كان رمزاً للحضور السياسي الفلسطيني فيها، إذ سكنته النخبة التي قادت الثورات والمظاهرات في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ثم بات الحي الدبلوماسي الذي استضاف القنصليات ومقرات المنظمات الدولية بدءاً من خمسينيات القرن الماضي. 

اليوم تزال منه إحدى تلك المنظمات ويفرض في مكانها عمقٌ استيطاني سيحتل مساحة كبيرة من أرض ذلك الحي، وعلى مسافة 600 متر هوائي من "إسكان حي الشيخ جراح" الذي تجري محاولة تهجير أهله منذ 2008، وكان أحد أسباب انطلاق معركة سيف القدس في 2021.

ثالثاً: المقر الذي جرى هدمُه هو مقر رئاسة الأونروا في الضفة الغربية، ما يجعل الهدم خطوة على طريق تقويض عملها في الضفة الغربية كاملة وليس في القدس فقط، وإذا ما وضع هذا إلى جانب هدم ثلاثة مخيماتٍ شمال الضفة الغربية وتهجير أهلها –مخيم جنين ومخيم نور شمس ومخيم طولكرم- وبالنظر للاقتحامات المتتالية لمخيمات عسكر وبلاطة والفارعة والفوار، وكذلك مخيم شعفاط في القدس الذي تعرض لحملة أمنية متواصلة على مدى أيام قبيل هذا الهدم، فإن سياسة الاحتلال لا تعود بحاجة إلى استنتاج، فالغاية هي شطب مخيمات الضفة الغربية، وشطب حق العودة انطلاقاً من مخيمات الضفة الغربية.

هذه خطوة من شأنها أن تفتح الباب لمزيد من اقتحام المخيمات ومحاولة هدمها وإعادة هندستها لتصبح "أحياء" بلا خصوصية لجوءٍ أو عودة، وهو خطر متنقل عبر الضفة الغربية ويمهد لما بعده في دول الجوار، كما أنه على مستوى القدس يعني أن الاحتلال قد يفكر قريباً بمحاولة شطب مخيمي شعفاط وقلنديا، وهي مخططات موجودة ومقرة أصلاً في "مخطط القدس 2020"، والذي جرت بلورة نسخته الأولى في عام 2004.

اختيار التوقيت مسألة مهمة لا بد من التوقف عندها، فهدم المقر الرئيس للأونروا في الشيخ جراح في القدس، وتقويض رئاسة الأونروا في الضفة الغربية يأتي مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تشكيل "مجلس السلام"، في محاولة إسرائيلية لتوظيف هذا المجلس لتقويض الأمم المتحدة رغم استمرار التحفظ الإسرائيلي عليه.

أخيراً، وفي مواجهة ذلك كله، لا بد من موقف يستعيد التحرك للتمسك بالعناوين الرمزية المركزية لقضية الفلسطين، القدس وحق العودة وخصوصية الحق الفلسطيني، وهي مسؤولية لا بد أن تتضافر الجهود داخل وخارج فلسطين لإيجاد مبادرات فعالة تعيدها إلى الواجهة، وتستعيد الزخم الشعبي لها، ولا بد ثانياً من الاستفادة من كل هذا السلوك الصهيوني المارق المتعجرف الذي يدمر مقرات الأمم المتحدة ولا يأبه لقرارات محكمة العدل الدولية ليكون -إلى جانب الجريمة الكبرى بالإبادة في غزة- أساساً لتحركٍ واسع ينزع الشرعية عن الصهيونية بذاتها، باعتبارها الأيديولوجيا المؤسِّسة لكل هذا الإجرام، والانتقال من إدانة الأعمال إلى إدانة الفاعل الحقيقي وتجريمه في عيون كل شعوب العالم، فهذا مسعىً يحقق هدفاً مزدوجاً ومن شأنه تلقائياً أن يكسر الحصار عن المقاومة وأن يفتح لها كثيراً من الأبواب المغلقة.
 

#القدس #الأونروا