شبكة قدس الإخبارية

انهيار "التحصين الذكي"

أطلال الأمن: كيف تفكّر "إسرائيل" في تعزيز نظم أمنها على الحدود بعد 7 أكتوبر؟

mWxP1

خاص - شبكة قُدس: بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، تعرض الخطاب الأمني الإسرائيلي لصدمات عميقة، ما كان يُعتَبَر "نموذجًا عالميًا" في حماية الحدود باستخدام التكنولوجيا العسكرية والمراقبة الإلكترونية اتضح أنه فقاعة استراتيجية يمكن اختراقها، ليس بسبب نقص الأجهزة وحدها، بل لأن الفرضيات التي بُنيت عليها المنظومة كانت معيبة من البداية. لقد كشفت الحوادث على الحدود مع مصر والأردن ومعها آراء خبراء أمن إسرائيليين، أن وهم السيطرة الأمنية المنفردة انهار، وأن الدولة التي راهنت على التكنولوجيا لدفع الجنود إلى الخلف وجعل الحدود "غير قابلة للاختراق" تكتشف أن الواقع أكثر تعقيدًا.

صدمة 7 أكتوبر: التفوق التكنولوجي بلا قوة استراتيجية

على مدى عقود، اعتمدت "إسرائيل" على منظومة مراقبة حدودية تضم: حساسات إلكترونية عالية الدقة، ورادارات وكاميرات مراقبة تغطي مسافات واسعة، ومراكز قيادة وسيطرة متطورة، ودوريات بشرية مدعومة بتقنيات متقدمة.

هذه المنظومة كانت تُقدم كـ "سياج ذكي"، قادر على كشف أي تهديد قبل أن يقترب من الحدود، إلا أن الاختراقات غير المتوقعة في 7 أكتوبر كشفت أن هذه الأدوات وحدها ليست ضمانًا مطلقًا للأمن، وأنه يمكن تجاوزها عند التصميم التكتيكي الصحيح للعدو أو عند تدهور الأداء الاستخباراتي. فشل المنظومة لم يكن مفاجئًا فحسب، بل أدى إلى إعادة تقييم جذري داخل المؤسسة الأمنية حول كيفية حماية الحدود.

أوري بار، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة حيفا، يؤكد: "إسرائيل" وجهازها الأمني باتت تعترف اليوم بأن الاعتماد الكلي على التكنولوجيا، بدل التخطيط الاستراتيجي الشامل الذي يدمج الاستخبارات والتحالفات وفهم الخصم، لم يعد كافيًا. ويكاد يتفق معظم المحللين الاسرائيلي أن فشل المنظومة في 7 أكتوبر كان أشد وقعًا من حرب 1973، مؤكدين أن "اسرائيل" فقدت في لحظة واحدة قوتها الاستخبارية التي طالما اعتُبرت من الأفضل في العالم.

الطائرات المسيّرة من مصر: تهديد جوي يكشف ثغرات الأرض

في الأشهر الأخيرة، تحوّلت حدود فلسطين المحتلة التي تسيطر عليها "إسرائيل" مع مصر إلى بؤرة تحدٍ جديدة تتمثل في تهريب الأسلحة عبر الطائرات المسيّرة. فقد أبلغ عدد من أعضاء الكنيست لدى الاحتلال عن تجاوز مئات الطائرات للمجال الجوي الإسرائيلي، حاملة أسلحة وذخائر تُستخدم من قبل جماعات مسلحة. وفي سياق أحد الاجتماعات، وصف أحد أعضاء "الكنيست" هذه الظاهرة بقوله: "بدل الحديث عن أنفاق تحت الأرض، نحن أمام أنفاق في السماء… هذه الطائرات تعبر الحدود كل ليلة، وتحمل أسلحة".

وردّت حكومة الاحتلال الإسرائيلية على هذا التهديد بإجراءات صارمة، تشمل إعلان المنطقة الحدودية مع مصر منطقة عسكرية مغلقة وتعديل قواعد الاشتباك للتعامل مع هذه الطائرات. وأكد وزير الحرب الإسرائيلي "يسرائيل كاتس"، أن أي اختراق للحدود سيُعامل على أنه تهديد "إرهابي" مباشر، مما يعكس إدراك حكومة الاحتلال بأن التهديدات الجوية، ولا سيما الطائرات المسيّرة، تعيد تعريف مفهوم الأمن الحدودي في "إسرائيل".

هذه التهديدات تظهر محدودية الجدران والحساسات الأرضية في مواجهة تهديدات صغيرة، سريعة الحركة، ومنخفضة الارتفاع، والتي تقف خارج نطاق الرادارات التقليدية. وهذا يفرض على "إسرائيل" إعادة النظر في أدواتها الدفاعية: ليست فقط للرد على التسلل البري، بل للاعتراض والسيطرة الجوية أيضًا.

الجدار على الحدود الأردنية: تعزيز الحدود أم ترجمة للقلق؟

في خطوة تُعد الأكثر تكلفة والأكثر رمزية منذ سنوات، أعلنت "إسرائيل" بناء جدار جديد على طول الحدود مع الأردن، بتكلفة تقدر بأكثر من 1.7 مليار دولار، وتشمل المرحلة الأولى نحو 80 كيلومترًا من العوائق الأمنية. حكومة الاحتلال وصفت المشروع بأنه خطوة استراتيجية لمواجهة التهديدات المتصاعدة، بما في ذلك مخاوف من أن تصبح الحدود الشرقية “جبهة إرهابية” حقيقية في المستقبل.

لكن هذه الخطوة تحمل أكثر من معنى؛ فرغم أن الجدران والحوائط تُقدَّم كأدوات لحماية الحدود، فإن واقع استخدامها اليوم يعكس اعترافًا بأن المنظومة التقنية وحدها لم تعد كافية. ففي الماضي، كانت التكنولوجيا المتقدمة والحساسات الذكية يُفترض أنها تكشف أي محاولة تسلل قبل أن تصل إلى الجدار نفسه. أما اليوم، فالجدران مترامية بطول الحدود تأتي كترميم لضعف السيطرة الفعلية بدل أن تكون خط الدفاع الأول.

التجارب السابقة، مثل الجدران المحيطة بقطاع غزة، التي تعرضت لاختراقات متعددة، تثير سؤالاً منطقيًا: هل الجدار الجديد سيكون حلاً أم مجرد محاولة لتجميل ضعف استراتيجي أعمق؟

كيف تفكر "إسرائيل" في تعزيز نظم أمنها؟

في ضوء هذه التحولات، يتمحور تفكير "إسرائيل" في تعزيز نظم الأمن حول ثلاثة محاور رئيسية:

1. التقنية والحساسات المتقدمة: رغم النقد الحاد للاعتماد المفرط على التكنولوجيا، لا تزال "إسرائيل" تسعى لتعزيز قدراتها التقنية عبر تطوير أنظمة الكشف والاعتراض للطائرات المسيّرة وتعزيز التكامل بين الرادارات الحديثة والحساسات الصوتية والبصرية واستخدام ذكاء اصطناعي لتحليل الأنماط وتحسين الاستجابة. الهدف هنا ليس التخلي عن التكنولوجيا، بل جعلها أكثر فاعلية في مواجهة تهديدات غير تقليدية.

2. العنصر البشري والاستخبارات المتجددة: خبراء إسرائيليون يشددون على أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا أضعف الجانب البشري في الاستخبارات. فقد ساهم ذلك في عدم إدراك التحركات التكتيكية لدى خصوم "إسرائيل" قبل أحداث 7 أكتوبر، حتى عندما كانت أجهزة الرصد ترسل معلومات مهمة.

المحللون اليوم يؤكدون ضرورة إعادة قوة القوى البشرية في الميدان، وتطوير مهارات الاستخبارات البشرية (HUMINT) جنبًا إلى جنب مع التكنولوجيا.

3. إدارة المخاطر الاستراتيجية وليس فقط الدفاع المكاني: اليوم، يتجه التفكير الإسرائيلي إلى ما هو أبعد من حماية الحدود المكانية فقط، نحو إدارة المخاطر الاستراتيجية. يتضمن ذلك: تنسيق أمني أقوى مع دول الجوار مثل مصر والأردن وتطوير سياسات ردع سياسية بجانب الردع العسكري واستعداد أكبر لمواجهة تهديدات متعددة الأبعاد (جوية، برية، سيبرانية).

الأمن ليس جدارًا ولا تكنولوجيا فقط

ما كشفته أحداث 7 أكتوبر وما تلاها من تهديدات على الحدود هو أن "إسرائيل" لا يمكنها الاعتماد فقط على التكنولوجيا أو الطائرات المسيرة أو الجدران. إنها تواجه تحديات تجعل مفهوم “الأمن الحدودي” أكثر تعقيدًا من مجرد سياج ذكي.

الاعتماد المفرط على التكنولوجيا ألقى بظلاله على القدرة الاستراتيجية في اتخاذ القرارات والتخطيط المسبق، بينما أثبتت الطائرات المسيّرة وبناء الجدران أن التهديدات الحديثة تتطلب تفكيرًا أعمق وأشمل.

"إسرائيل" اليوم تعيد بناء مفهومها الأمني بشكل شامل: ليس فقط كيف تحمي حدودها، بل كيف تفهم خصمها، وكيف توازن بين التقنية والبشر والتحالفات السياسية. فالأمن ليس خطًا ثابتًا على الخريطة، بل شبكة معقدة من الردع، والاستخبارات، والتحالفات، والاستعداد المستمر لتغيرات مفاجئة في طبيعة التهديدات.