شبكة قدس الإخبارية

ترتيبات الحكم المُعرقلة في غزة: حسابات متداخلة

photo_٢٠٢٦-٠١-١٢_١٦-٠٣-٥١
أحمد الطناني

لم يعد التعثّر الحاصل في ملف ترتيبات الحكم في قطاع غزة مسألة إجرائية أو تقنية مرتبطة بتفاصيل تشكيل لجنة أو ترتيب صلاحيات، بقدر ما بات انعكاسًا مباشرًا لاشتباك سياسي مركّب تتداخل فيه حسابات الاحتلال، وترددات الداخل الفلسطيني، وضغوط الوسطاء الإقليميين، وحدود الدور الدولي.

ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تشكّل لجنة التكنوقراط الفلسطينية مدخلًا عمليًا لإدارة المرحلة الانتقالية وفتح الطريق نحو إنهاء الحرب والبدء بمعالجة آثارها الكارثية، يجري التعامل معها كملف قابل للتأجيل والمساومة، أو كأداة لإعادة ضبط المشهد بما يخدم توازنات قائمة، لا لتفكيك أسباب الكارثة ذاتها.

هذا التعطيل لا يمكن فصله عن سعي الاحتلال الإسرائيلي إلى الإبقاء على عنوان حكم ملتبس في قطاع غزة، يتيح له الاستمرار في فرض العدوان منخفض الوتيرة، وتعطيل الإعمار، وابتزاز المجتمع الدولي تحت ذريعة "نزع السلاح".

وفي المقابل، يكشف مسار التردد الفلسطيني الرسمي عن مأزق سياسي أعمق، يتصل بإعادة إنتاج منظومة السيطرة والقرار، أكثر مما يتصل بمتطلبات الشراكة الوطنية أو إدارة مرحلة ما بعد الحرب. وبين هذين المسارين، تتحرك القاهرة بثقلها الإقليمي لمحاولة سدّ الفراغ ومنع الانزلاق إلى سيناريوهات أكثر خطورة، فيما يلوح في الأفق دور دولي يسعى إلى إدارة الأزمة لا حلّها.

في هذا السياق، لا يعود السؤال الأساسي متعلّقًا بشكل اللجنة أو أسمائها، بل بمدى قدرة الفلسطينيين على تحويل هذه اللحظة إلى مدخل لانتقال سياسي حقيقي، يضع حدًا لأهداف الحرب الإسرائيلية، ويمنع تدويل الكارثة، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على إنهاء العدوان، وترميم البنية الوطنية، وحماية ما تبقّى من المشروع الوطني الفلسطيني.

تعسير سياسي متشابك

يبدو أن هناك نوعًا من التعسير المقصود الهادف إلى تعطيل إنجاز ترتيبات لجنة التكنوقراط الفلسطينية، التي يُفترض أن تتولى مسؤولية إدارة الأوضاع الحكومية في قطاع غزة، بشقّيها المدني والأمني، خلال مرحلة انتقالية مؤقتة، إلى حين إنجاز الترتيبات المؤسسية اللازمة لاندماجها في الهيكل الحكومي الفلسطيني الرسمي.

وقد أدى هذا التعسير، حتى الآن، إلى تأجيل ثلاثة مواعيد مفترضة للاجتماع الفصائلي المزمع عقده في العاصمة المصرية القاهرة، وهو ما يُشير بوضوح إلى أن محاولات إخراج هذه اللجنة إلى النور تُواجَه بعراقيل متعمدة، في مقدمتها العراقيل الإسرائيلية الهادفة إلى تعطيل هذه الخطوة قدر الإمكان.

إذ إن استمرار العنوان العريض للحكم في قطاع غزة باعتباره حكمًا تابعًا لحركة حماس، يُمكّن الاحتلال من اتخاذ خطوات عدوانية واسعة، تشمل فرض عقوبات جماعية وشنّ عدوان عسكري مباشر يطال مختلف البُنى، كما يُعطّل، من المدخل ذاته وبالذريعة نفسها، أي حلول إسعافية أو جهود تعافٍ للبنية التحتية والحالة المعيشية، وعمليات الإعمار الأولي، بذريعة منع وصول هذه المواد إلى الحركة.

اندفاع حمساوي مقابل تردد فتحاوي

في هذا الإطار، يبدو واضحًا وجود قرار حمساوي وضغط فصائلي، إلى جانب جهد مصري كبير، لدفع هذا الملف إلى الأمام وقطع الطريق على الاحتلال، والمضي عمليًا نحو الدخول في المرحلة الثانية. غير أن المشهد يكشف، في المقابل، عن مشكلة فلسطينية داخلية تضاف إلى الموقف الإسرائيلي المُعطِّل، تتمثل في تردد السلطة الفلسطينية حتى الآن في تسهيل الانتقال إلى هذا المسار.

ويبدو أن هذا التردد، في أحد أبعاده، هو تردد استكشافي بانتظار اتضاح الموقف الأمريكي الجاد من الأسماء المطروحة، وحجم الدعم الإقليمي الأوسع لها، إضافة إلى مسألة مدى خضوع لجنة التكنوقراط لصلاحيات السلطة والقيادة المهيمنة داخل منظمة التحرير، لا سيما في الملفات الحيوية، وعلى رأسها ملف أموال الإعمار والموازنات التي يُفترض رصدها لجهود التعافي في القطاع.

ويتقاطع هذا التردد مع سلوك عملي متكرر لحركة فتح والسلطة الفلسطينية، تمثّل في الحرص على عدم المشاركة في أيٍّ من الاجتماعات الفصائلية التي دعت إليها القاهرة خلال الأشهر الماضية، والتي شاركت فيها غالبية القوى الفلسطينية، باستثناء حركة فتح والقوى المتحالفة معها. ولم يتوقف هذا النمط عند حدود اجتماع واحد، بل تكرّر في جميع اللقاءات، بما في ذلك الاجتماعات التي تزامنت مع وجود وفد رسمي للسلطة الفلسطينية برئاسة نائب رئيسها حسين الشيخ في القاهرة أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025.

ففي تلك الفترة، عُقد لقاء بين الشيخ ورئيس وفد حركة حماس خليل الحية، جرى دون إعلان رسمي وتحت ضغط مصري واضح، وتركّز النقاش خلاله على أهمية أن تكون لجنة التكنوقراط جزءًا من العمل الحكومي الفلسطيني والنظام السياسي الفلسطيني الرسمي. غير أن هذا اللقاء بقي محصورًا في إطاره الثنائي، دون ترجمة عملية عبر المشاركة في الاجتماعات الموسعة أو منحه غطاءً سياسيًا علنيًا، بما يعكس استمرار نهج الحذر والتريّث، لا السعي الجاد إلى بلورة توافق وطني جامع.

فلسطينيًا، لا يوجد خلاف على أهمية الحفاظ على وحدة النظام السياسي الفلسطيني، بما في ذلك التركيبة المؤسسية للسلطة، على ما فيها من علّات. غير أن الخلاف يتمحور حول خشية قيادة حركة فتح، من المشاركة في أي اجتماع فصائلي تحضره قوى المقاومة وحركة حماس على نحو مباشر، خشية أن يُحسب عليها هذا الموقف، أو أن يجرّ عليها انتقادات أو عقوبات أو حتى استياءً أمريكيًا، في وقت تحاول فيه إعادة إنتاج ذاتها عبر بوابة "الإصلاحات" المفروضة دوليًا، وضمان احتكارها للقرار الرسمي، بما في ذلك منع تحوّل هذه "الإصلاحات" إلى مسارٍ يتجاوزها أو يُقيّد نفوذها.

ومن جهة أخرى، تراهن قيادة فتح على أن الجسم الرسمي للسلطة هو البوابة الحصرية لأي ترتيبات حكومية، بما يمنحها هامشًا أوسع للتفاوض على الصلاحيات وإمساكًا أكبر بزمام الأمور، دون الاضطرار إلى الدخول في مسار إصلاح وطني شامل أو شراكة وطنية حقيقية، بل الإبقاء على نطاق السيطرة ضمن الإطار الضيق القائم، حيث يُمسك الفريق المحيط برئيس السلطة بمفاصل القرار كاملة.

تحرك مبكر لميلادينوف

في ذات السياق، يمكن فهم اللقاءات التي عُقدت بين نائب رئيس السلطة الفلسطينية والجانب المصري، وكذلك مع مبعوث "مجلس السلام" المتوقع نيكولاي ميلادينوف، الذي عقد بدوره اجتماعًا مع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، في إطار مسار يعكس محاولات إنجاز تفاصيل هذا الملف عبر قنوات ثنائية وضيقة، دون المخاطرة بانهياره مسبقًا قبل تبلور شروطه السياسية.

ميلادينوف ليس اسمًا طارئًا على المنطقة، ولا على حساسية التركيبة الفلسطينية وتعقيداتها، ولا على حجم الثقل والنفوذ المتداخل فيها. فقد راكم خبرة واسعة في إدارة ما يُعرف بـ"حدود الحافة" بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية، خصوصًا خلال فترة عمله مبعوثًا أمميًا إلى الأراضي الفلسطينية.

ومن هنا، فهو يدرك جيدًا كيفية إدارة هذه التوازنات بما يسمح بتمرير تسويات مرحلية ومؤقتة تُبقي الأوضاع في حالة استقرار هش، دون الاقتراب من أي حلول جذرية. ويمكن التقدير أن هذا المنطق هو الحاضر الآن لدى غالبية الأطراف، مع مراهنة الجميع على عامل الوقت بوصفه أداة لإعادة ترتيب الوقائع، لا لحسمها.

وفي هذا الإطار، يُشكّل الانتقال إلى المرحلة الثانية مطلبًا محوريًا فلسطينيًا وإقليميًا، وحتى دوليًا، رغم التباينات الواسعة في تفسير ماهية هذه المرحلة وآليات تطبيقها، وتسلسل بنودها وجدولها الزمني، وما إذا كانت خطواتها متتابعة أم متداخلة. ويأتي ذلك في ظل حرص إسرائيلي واضح على حصر جدول أعمالها في بند واحد فقط، هو "نزع السلاح"، مع السعي إلى تحويله إلى البوابة الرئيسية، بل والشرط المسبق، لأي انتقال فعلي إلى هذه المرحلة.

وهنا، فإن المرحلة الثانية المطلوب من ميلادينوف تسهيل الانتقال إليها، وفق ما يطمح إليه الفلسطينيون، هي المرحلة التي ستتضمن إجراءات أكثر وضوحًا تُشير إلى مسار إنهاء الحرب، وتشمل انسحابًا إسرائيليًا أعمق من أراضي قطاع غزة، وانتقال إدارة الأوضاع في القطاع إلى صيغة حكومية فلسطينية جديدة، إلى جانب البدء الفعلي بعمليات الإعمار والترميم، ووقف التدهور المتسارع في الأوضاع الإنسانية، بما يعني عمليًا الشروع في إزالة آثار الحرب، لا الاكتفاء بإدارتها.

وعلى الرغم من أن هذه المرحلة تبقى مشروطة ومرتبطة باعتبارات فضفاضة، من بينها ملف انتشار القوة الدولية، والملف الإشكالي المتعلق بـ"نزع السلاح"، فإن البدء الفعلي بها سيُتيح لأهالي القطاع التقاط أنفاسهم، ويفتح المجال للتدرج في معالجة القضايا الأكثر تعقيدًا، وفق تصور فلسطيني يجري التوافق عليه وطنيًا، بدل فرضه من خارج السياق الوطني.

الارتقاء فلسطينيًا لحجم الحدث

إنجاز ملف ترتيبات الحكم يُمثّل البوابة الرئيسية لوضع حد لطموحات الاحتلال في هندسة "اليوم التالي" إسرائيليًا. كما أن حشد دعم إقليمي للصيغة المتوافق عليها وطنيًا يشكّل مدخلًا مهمًا لتفكيك الطموحات العدوانية الإسرائيلية الرامية إلى إبقاء حالة عدوان منخفض الوتيرة في قطاع غزة، والتحكم بإيقاع تصعيدها أو خفضها وفق الحاجة، بما في ذلك الحاجة الانتخابية لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ومعسكر اليمين الصهيوني خلال هذا العام الانتخابي.

وهذا كلّه يتطلب ارتقاءً وطنيًا يتجاوز الطموحات الفئوية ومحاولات إعادة إنتاج الذات بالعلّات نفسها، والانتقال إلى حيّز يكون فيه تغليب المصلحة الوطنية هو المبدأ الحاكم، مع الحفاظ على الأصول الاستراتيجية للشعب الفلسطيني، المتمثلة بالأرض والشعب عليها، والانطلاق نحو تضميد الجراح وترميم البنية الوطنية، في مواجهة المخططات التصفوية المستمرة، والأهم منع محاولات الاحتلال إدامة واقع الإبادة لأطول مدة ممكنة.

وفيما يتعلق بملف الوحدة الفلسطينية، فإن عدم إنجاز رؤية وطنية موحّدة تقوم على مبدأ حماية المشروع الوطني الفلسطيني، وصون الحقوق الفلسطينية، ومنع الأخطار الاستراتيجية، وفي مقدمتها إعادة الاحتلال المباشر أو الدفع نحو تهجير أهالي القطاع، سيُبقي المشهد الفلسطيني مكشوفًا أمام محاولات التدويل، ويمنح الاحتلال فرصة للدفع باتجاه إبقاء أهداف الحرب قائمة، بشقّيها: المُعلن والعملياتي، وغير المُعلن والاستراتيجي.

ويقوم الشق غير المُعلن من هذه الأهداف على تفكيك الكتلة الديمغرافية في قطاع غزة عبر الإفقار والاستنزاف والتجويع، ودفن الكتلة الجغرافية تحت الركام، بما يحوّل "اليوم التالي" من مسار تعافٍ وطني إلى مسار إدارة كارثة مفتوحة، تُستخدم فيها الأدوات الدولية لتكريس نتائج الحرب بدل العمل على إنهائها.

ما بين واشنطن والقاهرة

العيون اليوم شاخصة باتجاه القاهرة وواشنطن، والخطوتين الرئيستين المنتظرتين في المرحلة المقبلة: الإعلان الأمريكي عن تشكيل "مجلس السلام"، والإعلان المصري عن تشكيل "لجنة إدارة غزة". وبين هذين المسارين، تبرز أهمية البروتوكول التشغيلي المنظِّم للعلاقة بين المجلس واللجنة، وعلاقة اللجنة بالنظام السياسي الفلسطيني الرسمي، إلى جانب الحرص الفلسطيني على منع مسار "التدويل"، وتفكيك الأخطار الاستراتيجية الواردة في الخطة الأمريكية ذات البنود العشرين.

وعلى الرغم من أن الخطة الأمريكية مجحفة بحق الشعب الفلسطيني وقواه السياسية وبنيته الوطنية، فإن غياب تفاصيلها الدقيقة، إلى جانب مركزية الموقف الفلسطيني في إمكانية تطبيقها، يحوّل النقاش حول هذه التفاصيل والمناورة فيها إلى بوابة محورية لتفريغها من مخاطرها الاستراتيجية، والعمل على توظيفها بما يجعلها أداة لوقف الإبادة، لا مدخلًا لإعادة إنتاج الحرب والعدوان بأدوات أخرى، أو لتحقيق الأهداف الإسرائيلية عبر تدويلها.

وهنا، من الضروري التأكيد على أن نجاح الطرف الفلسطيني في هذه المهمة الحساسة والدقيقة مرهون أولًا بحشد موقف فلسطيني موحّد قائم على رؤية واحدة. ومن خلال هذا الموقف، يمكن تحشيد موقف إقليمي داعم، يضطلع فيه الوسطاء الثلاثة — المصري والقطري والتركي — بدور محوري في موازنة الضغوط وتثبيت المصالح الفلسطينية.

ويُشكّل هذا المسار البوابة التي ستُصاغ عبرها التفاصيل مع الجانب الأمريكي، بما يفضي، في محصلته، إلى تجنيب الفلسطينيين مخاطر التدويل، ومن ثم مخاطر تحوّل القوة الدولية المزمع تشكيلها إلى قوة معتدية على الشعب الفلسطيني، بدل أن تكون إطارًا داعمًا لإنهاء العدوان.

وعليه، فإن المسارعة إلى تثبيت إنجاز اللجنة الإدارية في قطاع غزة، ونقل ملف الحكم إليها، وتسهيل هذه العملية ميدانيًا من قبل حركة حماس وفصائل المقاومة، مع تذليل أي عقبات قائمة، تُعدّ من أولى الخطوات الجدية للانتقال إلى المرحلة الثانية، وحماية أهالي القطاع من أتون تصاعد العدوان الإسرائيلي من جديد.