الخليل - خاص قدس الإخبارية: تسارع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، الزمن للسيطرة على قلب الخليل التاريخي، أيّ في الحرم الإبراهيمي وما حوله في المناطق المصنّفة H2 الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية وفق بروتوكول إعادة الانتشار (اتفاقية الخليل 1997) عبر نزع الصلاحيات الفلسطينية من المنطقة.
وبحسب الاتفاق فإن بلدية الخليل والمؤسسات الرسمية الفلسطينية لها الصلاحية الكاملة في مناطق H2 من الناحية الخدماتية، مثل: "خدمات الماء، والكهرباء، وأعمال البنية التحتية، والإشراف الفنّي على الحرم"، وليست من مسؤولية الاحتلال.
غير أنّ سلطات الاحتلال منذ أشهر عديدة تعمل على نزع هذه الصلاحيات، عبر سلسلة إجراءات، منها ما هو مرتبط بخطوات على الأرض، ومنها ما هو مرتبط بقرارات صادرة عن الإدارة المدنية. وتنفّذ هذه الصلاحيات الاسرائيلية على الأحياء الفلسطينية المعروفة بـ "المناطق المغلقة" وهي: "تل الارميدة، شارع الشهداء، شارع السهلة، واد الحصين، واد الغروس، حارة جابر، حارة السلايمة، محيط المسجد الإبراهيمي"، وذلك من قبل "مجلس مستوطنات الخليل" الذي بات يحلّ مكان بلدية الخليل ووزارة الأوقاف.
وكانت اتفاقية الخليل الموقّعة بين دولة الاحتلال ومنظّمة التحرير، قد قسّمت المدينة إلى قسمين (H1/H2). تخضع فيه مناطق H1 للسيطرة الفلسطينية، فيما مناطق H2 للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، والخدماتية فلسطينيًا، ويعيش فيها نحو 35 ألف فلسطيني، على مساحة 20 بالمئة من مدينة الخليل، فيما تنتشر في ذات المناطق 5 بؤر استيطانية فيها مئات المستوطنين المتطرفين، الذين يعملون مع مجلس مستوطنات الخليل، ومجلس مستوطنة كريات أربع والإدارة المدنية، على نزع صلاحيات الفلسطينيين منها، وتهويد الحرم.
2024: مجلس المستوطنات يوسّع نفوذه في الخليل
فمنذ أواخر عام 2023 بعد العدوان على غزّة، شدّد الاحتلال الخناق على الحركة في المناطق المغلقة، ونصب أكثر من 110 حاجزٍ وعائق حركي بين الأحياء المغلقة وحدّد ساعات الدخول والخروج للسكان عبر الحواجز. وخلال تلك الفترة، عزم مجلس مستوطنات الخليل على إضافة لافتات تحمل مسمّيات عبرية للأحياء الفلسطينية، بهدف تغيير معالم المدينة التاريخية.
أما في الربع الأول من العام عمدت سلطات الاحتلال على تغيير معالم الحرم الإبراهيمي، من خلال تركيب مكيفات هوائية في منطقة اليوسفية بالإَضافة إلى نزع الثريّات القديمة وخلع الشبابيك الموجودة منذ مئات السنين، علمًا أنّ هذه الأعمال الفنّية شكليًا من مهام بلدية الخليل، لكنها على أرض الواقع أعمال تهويد إلى جانب نزع الصلاحيات.
وفي شهر رمضان من ذات العام، شدّدت سلطات الاحتلال إجراءاتها بحقّ الحرم بطريقة غير مسبوقة، حيث نزعت صلاحيات مديرية الأوقاف من خلال منعهم إدخال أكواب المياه والتمر في أوقات صلاة التراويح. أما في شهر يونيو تفاجأت بلدية من وصول إخطارات للبلدية ينصّ على عزم الاحتلال البناء فوق مبانٍ وعقارات تملكها البلدية في منطقة الحسبة في البلدة القديمة، وأنه سيجري إلغاء أي حقوق تتعلق بالبلدية.
ثمّ في 11 يوليو/تموز استيقظت الخليل على محاولات إسرائيلية لسقف منطقة صحن الحرم (اليعقوبية) لكنّ سلطات الاحتلال تراجعت حينها عن هذه الأعمال. وفي ذات الشهر بدّات سلطات الاحتلال تقييد أعمال بلدية الخليل في المنطقة عبر منع عمّال البلدية من الدخول إلى الأحياء المغلقة لجمع النفايات في المنطقة. في المقابل، وضع مجلس مستوطنات الخليل حاويات نفايات تابعة له وشرع عمّال المجلس بأعمال جمع النفايات.
وفي الشهر الذي يليه (أغسطس) منعت سلطات الاحتلال، بلدية الخليل إدخال صهاريج مياه الشرب والاستخدام الشخصي المزوّدة للسكان خاصّة للمنازل الواقعة في شارع الشهداء، ما يعني أنّ الاحتلال مارس حرب تعطيش على السّكان من خلال منع البلدية من أعمالها. أما في الرابع من أكتوبر ذات العام، نفّذت سلطات الاحتلال سابقة بإغلاق المسجد الإبراهيمي وقت صلاة الجمعة ومنعت سدنة الحرم والعاملين فيه من الدخول دون أيّ مبرر أو حجّة كما يجري في الأعياد اليهودية أو ما يدّعون أنه "حدث أمني".
وفي منطقة "منتزه البلدية" شرق الحرم الإبراهيمي، نفّذت سلطات الاحتلال في شهر نوفمبر أعمال حفريات في المنتزه الذي توجد فيها "غرفة الكهرباء التابعة للبلدية" التي تزوّد الحرم الإبراهيمي؛ بهدف زيادة أحمال الكهرباء المزوّدة للقسم المستولى عليه يهوديًا. فيما ختمت سلطات الاحتلال عام 2024 بتنفيذ أعمال تعبيد للطرقات بعدّة أحياء في المناطق المغلقة، منها شارع عثمان بن عفان الذي يصل بين المدينة شمالاً وجنوباً.
2025: عام السيطرة على الحرم الإبراهيمي
بدأت سلطات الاحتلال هذا العام بمنع تسليم الحرم الإبراهيمي لوزارة الأوقاف في المناسبات الدينية الإسلامية، وهي عشرة أيام في العام، يتم فيها استلام الحرم بما فيها القسم المستولى عليه، لكنّ سابقة من نوعها وقعت حين امتنعت سلطات الاحتلال عن تسليم "مصلّى الجاولية" القسم الشرقي من الحرم للمسلمين، ما ينذر بوجود مخطط إسرائيلي في المكان غير معلوم.
ثمّ في ذات الفترة، استولت سلطات الاحتلال على مبنى "السرايا" التابع للحرم الإبراهيمي الواقع في الجهة الشرقية والذي كان مؤجرًا لجمعية الهلال الأحمر.
وفي مطلع أبريل، وضعت سلطات الاحتلال أقفالًا على جميع الأبواب المؤدية إلى المقامات الدينية والغرف الخاصة بالحرم الإبراهيمي "غرفة المبخرة، وغرفة الأذان، وباب غرفة سدنة الحرم"، وسحبت سحب مفاتيح الأوقاف الإسلامية، فيما استدعت مدير الحرم معتز أبو سنينة واثنين من السدنة في سابقة من نوعها حين أبعدتهم عن الحرم لمدّة أسبوعين.
وفي شهر يونيو، أغلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الحرم لمدّة 12 يومًا إبان التصعيد "الإسرائيلي-الإيراني" بحجّة الطوارئ، وبعد إعادة فتحه، تفاجأ موظفو الحرم بتركيب سلطات الاحتلال أجهزة إنذار للحريق داخل أروقة الحرم، في الوقت الذي كانت تعرقل فيه أعمال استكمال تأسيس شبكة الإطفاء التي باشرت وزارة الأوقاف بإنشائها في وقت سابق كما خلعت اللائحة الفلسطينية الخاصة بالإطفاء، واستبدلتها بأخرى إسرائيلية.
أما في شهر يوليو، كشفت صحيفة "يسرائيل هيوم" أن سلطات الاحتلال اتخذت قرارًا يقضي بتغيير الوضع القائم في الحرم الإبراهيمي عبر نقل صلاحيات الإشراف من بلدية الخليل والأوقاف الإسلامية، إلى "المجلس الديني اليهودي" في مستوطنة كريات أربع.
واستمرّت محاولات السيطرة الإسرائيلية على الحرم، بعدما أصدرت في سبتمبر قراراً بالاستيلاء على سقف منطقة الصلاة (سقف الباحة الداخلية) للحرم الإبراهيمي بعدما حاولت سابقًا سقفه، وذلك من خلال الاستملاك وأخذ حق التصرف بالسقف البالغة مساحته 288 مترًا. وفي شهر نوفمبر، أعلن عضو الكنيست المتطرف تسفي سوكوت أن "إسرائيل" سيطرت على الجانب الفني في الحرم الإبراهيمي الذي يسمّى يهوديًا "مغارة المكفيلة".
وفي ذات الشهر، أعلنت سلطات الاحتلال عن مخطط لهدم سوق الحسبة القديمة التابع لبلدية الخليل، وبناء 63 وحدة سكنية وكنيس يهودي على مساحة 12,500 متر مربع هناك بذريعة "الحاجة لاستخدام المنطقة"، في الوقت ذاته وضعت بيوت متنقلة (كرفانات) استيطانية، بجوار مسجد السنية في البلدة القديمة.
ومع نهاية آخر عام في 2025، استبقت سلطات الاحتلال الأحداث حين أصدرت قرارًا حاسمًا يقضي بسحب صلاحيات التنظيم والبناء من بلدية الخليل، وتحويلها إلى لجنة تخطيط وترخيص تابعة للإدارة المدنية في جيش الاحتلال، وذلك فيما يخصّ سقف منطقة صحن الحرم.
ضمّ الخليل بشكل صامت
بذلك تكون سلطات الاحتلال قد أتمّت عملية ضمّ مدينة الخليل بصورة صامتة، وفق ما يقول الباحث في الشأن الإسرائيلي عادل شديد في حديثه لـ " قدس الإخبارية". ويضيف أن ما يجري في الخليل يندرج ضمن مشروع إسرائيلي أشمل يستهدف كامل الضفة الغربية، حيث تُعدّ المدينة والحرم الإبراهيمي في صدارة أولويات هذا المشروع، سواء من حيث البعد الاستعماري القائم على فرض السيطرة، أو من حيث البعد الديني العقائدي الذي تقوده تيارات “الصهيونية الدينية” داخل حكومة الاحتلال.
ويوضح شديد أن للخليل مكانة مركزية في الوعي الديني والسياسي اليهودي، وهي مكانة قديمة، إلا أنها شهدت تصاعدًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة مع صعود تيار الصهيونية الدينية وتبوّئه مناصب حساسة في مؤسسات الحكم الإسرائيلية. ويشير إلى أن هذا التيار يملك نفوذًا واسعًا في مدينة الخليل تحديدًا، خاصة أن أحد مؤسسيه، موشيه ليفنغر، كان أول من أطلق المشروع الاستيطاني فيها عام 1968 عبر إقامة مستوطنة “كريات أربع”، ما جعل الخليل منذ ذلك الحين نقطة ارتكاز أساسية لهذا التيار.
ويلفت إلى أن نفوذ الصهيونية الدينية في الخليل اليوم يتجلّى بوضوح من خلال وجود وزراء في الحكومة الإسرائيلية يقيمون داخل المستوطنات المقامة في المدينة، وعلى رأسهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزيرة الاستيطان أوريت ستروك، وهو ما يمنح المستوطنين في الخليل تأثيرًا سياسيًا وأمنيًا يفوق تأثيرهم في مدن الداخل المحتل، مثل تل أبيب. ويؤكد أن هذا الواقع يجعل من الخليل أولى المدن الفلسطينية المستهدفة بعملية ضمّ كاملة، حتى وإن لم يُعلن عنها رسميًا.
ويشير شديد إلى أن دولة الاحتلال عملت خلال السنوات الأخيرة على تعميق مكانة الخليل في الوعي الجمعي اليهودي عبر جملة من السياسات الممنهجة، من بينها إلزام طلبة المدارس الثانوية الإسرائيلية بزيارة مدينة الخليل والحرم الإبراهيمي سنويًا، وتنظيم طقوس دينية واحتفالات بالأعياد داخل الحرم، وصولًا إلى إقامة حفلات الزواج والخِطبة فيه. ويضيف أن هذه السياسات حوّلت الحرم الإبراهيمي إلى ساحة تنافس بين الأسر اليهودية، بدعم مباشر من الحكومة ومؤسساتها، في إطار سباق رمزي بين التوجه إلى الحرم الإبراهيمي أو المسجد الأقصى وحائط البراق.
ويرى الباحث أن هذه الإجراءات أسهمت في ترسيخ الخليل كمدينة مركزية في الوعي اليهودي، وهو ما يفسّر حجم الخطوات الاستيطانية المتخذة فيها، والتي تهدف إلى خلق واقع ميداني يجعل من المستحيل إعادة المدينة إلى الفلسطينيين أو حتى إبقاء إدارتها بيد السلطة الفلسطينية. ويؤكد أن هذا الهدف يتحقق عبر تفريغ البلدة القديمة من سكانها الفلسطينيين، مقابل تعزيز الوجود الاستيطاني فيها.
وفي هذا السياق، يوضح شديد أن الحصار المشدد المفروض على الخليل، وما يرافقه من حواجز وبوابات عسكرية، أدى إلى حركة نزوح فلسطيني معاكسة، خصوصًا من مناطق (H2)، نتيجة سياسات الاحتلال وممارسات المستوطنين. ويتزامن ذلك مع الانتهاكات المتواصلة في الحرم الإبراهيمي، من تقسيم مكاني وزماني، وإجراءات إذلال بحق المصلين، ومنع رفع الأذان مئات المرات سنويًا، إضافة إلى إغلاق الحرم في مناسبات متعددة.
ويؤكد أن أخطر هذه الإجراءات تمثّل في القرار الإسرائيلي القاضي بنقل صلاحيات إدارة الحرم الإبراهيمي إلى “مجلس الأديان” في مستوطنة كريات أربع، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل انتقالًا من مرحلة الضم غير المعلن إلى مرحلة أكثر خطورة، تقوم على إلغاء الهوية الإسلامية والعربية الفلسطينية للحرم، وتحويله إلى موقع خاص باليهود.
ويضيف شديد أن وتيرة الاستيطان في الخليل تتسارع بشكل لافت، مدفوعة بموازنات حكومية إسرائيلية ضخمة مخصّصة للاستيطان في الضفة الغربية، تُقدَّر بنحو مليار دولار سنويًا، وتُستخدم لتشجيع المستوطنين على شراء العقارات والمساكن، لا سيما في القدس والخليل. إلى جانب ذلك، يجري تنفيذ مشروع تهويد إداري عبر سحب صلاحيات بلدية الخليل في مجالات حيوية، مثل تعبيد الطرق، وشبكات المياه، والكهرباء، وإدارة النفايات.
ويختم بالتحذير من أن خطورة المشهد تتضاعف مع نقل خدمات بعض مستوطنات شمال النقب إلى مستوطنات الخليل، بحيث باتت هذه المستوطنات توفّر بنى تحتية وخدمات أساسية لتجمعات يهودية خارج المدينة. ويرى أن كل هذه المؤشرات تؤكد أن الاحتلال يمضي في فرض مشروع الضم الكامل في الخليل دون إعلان رسمي، وهو ما يتجلى ميدانيًا في توسّع الطرق الالتفافية وانتشار لافتات وزارة المواصلات الإسرائيلية في محيط المدينة، في دلالة واضحة على تعامل دولة الاحتلال مع الخليل كجزء من “سيادتها” الفعلية على الأرض.



